fbpx
?>

مارس 04, 2021

آخر الأخبار
جرائم حرب في سوريا.. محاكمات في ألمانيا: عندما يفقد السفّاحون قوتهم

جرائم حرب في سوريا.. محاكمات في ألمانيا: عندما يفقد السفّاحون قوتهم

ثمة ما هو غريب عند المحكمة في مدينة كوبلنز الألمانية، حيث تجمع عدد من الناشطين للتظاهر في المساحة الخضراء المقابلة للمحكمة. أجسادهم المشدودة كانت خالية من الحياة؛ الشابة التي ترفع يديها بصلابة في الهواء جامدة في مكانها. مع اقترابنا، لاحظنا أن أيدي المتظاهرين مقطّعة ووجوههم مشوّهة ومتناثرة الأجزاء.
“التظاهرة الصامتة” هو اسم العمل التشكيلي الذي نصبه الفنان السوري خالد بركة أمام المحكمة العليا في مدينة كوبلنز في تموز/يوليو الماضي، حيث تتم المحاكمة.
المتظاهرون تماثيل عرض أزياء، ترتدي ملابس ناشطين وناشطات من سوريا، وتحدق بصمت في نافذة الصالة التي تحمل الرقم 128 داخل المحكمة، حيث يأخذ المتهمان مقعديهما عند الساعة التاسعة والنصف: أنور رسلان، رئيس قسم التحقيق السابق في فرع المخابرات 251 في دمشق، والذي يعرف كذلك باسم “فرع الخطيب”، وإياد الغريب، المتهم باعتقال متظاهرين وتعذيبهم في الفرع نفسه.
“هؤلاء كانت لديهم السلطة المطلقة على السجناء، لكنهم الآن بلا حول ولا قوة”، يقول بركة الذي تواجد منذ السادسة صباحاً على أمل أن أن يشاهد المتهمان المجسّمات التي صمّمها أثناء دخولهما المحكمة. “يجب أن يعلموا أننا ما زلنا هنا، وأن المحاكمة اليوم استمرار لما بدأه الناس في شوارع سوريا العام 2011″، يضيف بركة.
قام بركة ببناء مجسّماته أمام المحكمة لتمثيل كل من لم يستطيعوا الحضور؛ إما لأن المسافة إلى كوبلنز بعيدة جداً، أو لأنهم ليسوا في ألمانيا؛ أو لأنهم قتلوا لمشاركتهم في التظاهرات السلمية في سوريا، أو جرى إخفاؤهم قسراً في أحد الأقبية التي تعج بها سوريا. في الواقع، هذه المحاكمة هي من أجلهم. لأول مرة في جميع أنحاء العالم، سيواجه التعذيب الذي تمارسه الدولة السورية العدالة. المدّعى عليهما أنور رسلان وإياد الغريب، متّهمان بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال فترة عملهما في المخابرات السورية. وقد قيل إنهما مسؤولان بشكل مشترك عن 58 جريمة قتل و4,000 حالة تعذيب، وحالتَي اغتصاب أو عنف جنسي بين 2011 و2012.
قبل ما يقرب من عشر سنوات، انتقلت عدوى الحراك الاحتجاجي المعروف باسم “الربيع العربي” من شمال إفريقيا إلى غرب آسيا. وفي آذار/مارس 2011 وصلت إلى سوريا. رد النظام على التظاهرات السلمية في شوارع المدن السورية بالعنف المطلق في كثير من الأحيان؛ في الشوارع كما في السجون، حيث جرى اعتقال وتعذيب عشرات الآلاف من السوريين بشكل تعسفي على مر السنين، فيما قُتل أو أُخفي الكثير منهم من دون أثر لهم حتى يومنا هذا.
يعتبر مكتب المدعي العام الاتحادي هذه الممارسات بمثابة هجوم واسع وممنهج ضد سكان مدنيين، وبالتالي يعتبرها جرائم ضد الإنسانية. إلا أن من غير الممكن أن تتخذ المحكمة الجنائية الدولية أي إجراء بهذا الخصوص، فسوريا ليست عضواً في هذه المحكمة، وروسيا ستمنع أي قرار قد يتخذه مجلس الأمن الدولي في هذا الصدد.
إلا أن للقضاء الألماني الحق في مقاضاة الجرائم الجنائية التي تنتهك القانون الدولي حتى وإن كانت لا تمس ألمانيا بشكل مباشر. وبينما تستمر الحرب في سوريا، أصدرت ألمانيا مذكرات اعتقال دولية بحق كبار ضباط النظام ورجاله، وافتتحت أول محاكمة من هذا النوع في العالم في مدينة كوبلنز، وقامت بالفعل باعتقال مشتبه بهم آخرين. يأمل العديد من سوريي المهجر، وكذلك عائلات الضحايا، أن يُستدعى مجرمو نظام الأسد وسفاحوه إلى سدّة العدالة في النهاية، فيما يخشى آخرون من أن محاكمة كهذه، بعيدة عن سوريا ولا يشارك فيها الشعب السوري، قد لا توفر فرصة حقيقية لتحقيق العدالة.
“الضرب على الظهر وفي منطقة الفخذ بالأسلاك بشكل يسلب قدرة الضحية على المشي”، “التهديد بالاغتصاب”، “التعليق من السقف مع تقييد اليدين”… هذا غيض من فيض ما كان -وما يزال- يجري في فرع الخطيب بدمشق.
بينما توجّه تماثيل خالد بركة القابعة في الخارج أصابع الاتهام بصمت نحو الداخل، يُدلي معتقل سابق بشهادته داخل المحكمة. ومثل جميع المعلومات الواردة من قاعة المحكمة، اسم الشاهد معلن، لكن بما أن العديد من الشهود وصلتهم تهديدات لعائلاتهم في الخارج، لا ينبغي ذكره هنا مرة أخرى. الشاب الدمشقي البالغ من العمر 30 عاماً أمضى حوالي أربعين يوماً في أقبية الفرع 251 في صيف العام 2012.
يرتجف عندما يتحدث عن الأوضاع في الزنازين الملتهبة والمكتظة. “كان عددنا يصل إلى 800 شخص في زنزانة لا تزيد مساحتها عن 50 متراً مربعاً. كان المساجين ينامون فوق بعضهم بعضاً وبينهم ترقد الجثث”، يتذكر صاحب الفندق السابق الذي اعتُقل بعدما عرض على عائلات نازحة من حمص مكاناً للمبيت. الزنزانة في سجن الخطيب كانت مغلقة تماماً كالزجاجة؛ بلا هواء ولا ضوء. “لم يكن أحد يهمه أن يكون المعتقلون مذنبين أم لا، هم أرادوا تحطيم الشعب ولا شيء آخر”، بحسب كلام الشاهد.
في سياق المحاكمة ترسم أقوال المعتقلين والموظفين السابقين صورة أوضح عن شكل الحياة داخل الفرع الذي يقع وسط منطقة سكنية في دمشق: زنازين تفوح منها رائحة الدم والعفن، وتنتشر فيها صرخات السجناء التي يمكن سماعها عبر الفناء الداخلي حتى كافتيريا الموظفين. على أرضية الزنزانة، كان يبلغ ارتفاع العرق عدة سنتيمترات، فمعظم السجناء عراة إلا من الملابس الداخلية. لم يكن هناك أي طعام تقريباً، ولم يكن بوسع السجناء بلع قطع الخبز أو البطاطا المقدمة لهم بين الحين والآخر بسبب العطش. كانوا يتعرضون للضرب بشكل منتظم، يُقتادون إلى مكاتب المحققين ويركعون أمامهم وهم معصوبو الأعين ومكبلي الأيدي.
إذا كان ذلك صحيحاً، فقد يكون أحد المسؤولين عن هذه الممارسات هو أنور رسلان الذي ترك الخدمة في العام 2012 وانضم إلى المعارضة السورية العاملة من المنفى في الأردن. بعد ذلك بعامين، هبط هو وعائلته بالطائرة في برلين، حيث كانت السفارة الألمانية في عمان قد أصدرت لهم تأشيرات دخول لألمانيا في إطار برنامجها للجوء الإنساني، رغم أن مسؤول المخابرات السابق لم يُخفِ ماضيه المهني، بل بدأ سيرته الذاتية التي أرسلها إلى السفارة الألمانية بعبارة: “أنا العقيد أنور رسلان”.
وبفضل رياض سيف، أحد أبرز المعارضين السوريين في الخارج، حصل المتهم وزوجته وأطفاله الخمسة على أماكن لهم ضمن المجموعة المحدودة لبرنامج القبول الاتحادي. كان رجل الأعمال البالغ من العمر 73 عاماً لسنوات عديدة أحد المقربين من البعثة الدبلوماسية الألمانية في سوريا، وقد استخدم هذه الاتصالات لتزكية ملف رسلان من أجل القبول. كان سيف يعرف أيضاً أن رسلان موظف رفيع المستوى في المخابرات، وقد ساعده بناءً على نصيحة صهره، إذ كان يأمل الحصول على معلومات من العقيد السابق وفقاً لشهادة سيف في نهاية آب/أغسطس الماضي.
سيف يعرف جيداً ما يعنيه موقف كهذا: “ليس في سوريا فرع استخبارات من دون تعذيب، وكل من يدعي العكس كاذب”، كما قال عبر مكالمة فيديو، إذ لا تسمح له حالته الصحية بالسفر من برلين. مع ذلك، أظهر ندمه أمام القضاة في كوبلنز: “لو كنت أعرف عنه أي شيء سلبي لما كنت دعمته”. لكن ربما لو لم يدعمه لما جرت المحاكمة في كوبلنز أصلاً.
مع ذلك، بدأ المتهم بإثارة الشبهات حول نفسه بنفسه. قال إن المخابرات السورية تلاحقه، وأنه لجأ إلى شرطة برلين طلباً للمساعدة العام 2015، وقد أبلغها عن كامل ماضيه المهني. بناءً على هذه المعلومات وصل ملفه أخيراً إلى مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية ومكتب المدعي العام الاتحادي اللذين كانا يجمعان أدلة حول الجرائم التي تنتهك القانون الدولي خلال عدة تحقيقات متعلقة بسوريا منذ العام 2011. أما ملفات المتهم الثاني، إياد الغريب، فقد أُحيلت بعد جلسة الاستماع الخاصة باللجوء، إذ تحدث بصراحة شديدة عن أنشطته السابقة في سوريا. ويلتزم المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين بإبلاغ مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية في حال قام لاجئون في ألمانيا بالتبليغ عن جرائم ضد القانون الدولي سبق أن شهدوها في وطنهم.

فضح آلة القتل الجهنمية

لا شك أن رسلان والغريب ليسا أهم شخصيات الجهاز الأمني السوري. لكن لم يكن بالإمكان اعتقال شخصيات رفيعة المستوى مثل الرئيس السابق لجهاز المخابرات الجوية جميل حسن، والذي صدرت بحقه عدة مذكرات اعتقال دولية. بالنسبة لمحامي حقوق الإنسان السوري البارز أنور البني، تبقى المحاكمة في كوبلنز علامة فارقة على طريق العدالة الانتقالية. “ليس هدفنا إدانة اثنين فقط من الشخصيات الصغيرة العاملة لدى آلة القتل الموغلة في تعذيب الناس في سوريا”، بحسب تعبير البني قبيل المحاكمة التي أدلى فيها بشهادته الشخصية، “بل نريد استخدام هذه الشخصيات لإثبات وجود الآلة وشرح مدى جهنميتها”.
يعرف البني هذه الآلة من الداخل والخارج جيداً، فقد اعتقل ثلاثة من إخوته والكثير من أصدقائه بشكل متتابع طوال سبعينيات القرن الماضي. بعد ذلك قرر الشاب، الذي كان يبلغ 21 عاماً آنذاك، العودة إلى الجامعة لدراسة القانون. “كان جميع من حولي نشطاء سياسيين إلا أنا، لذلك قررت أن أصبح محامياً للدفاع عنهم، يقول الرجل البالغ 61 عاماً حالياً، والذي كرّس حياته للدفاع عن السجناء السياسيين في سوريا.
بعد فراره من سوريا في العام 2014، أسس البني “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية» في برلين، وهو يعدّ منذ ذلك الحين دعاوى قضائية ضد أتباع نظام الأسد بشكل دائم. ورغم أنه لم يُقبل في نقابة المحامين في ألمانيا، إلا أن البني يملك شبكة علاقات ضخمة داخل الجالية السورية في المنفى، وبعضهم كان على تواصل شخصي معه في سوريا.
في يوم شهادة البني في مطلع حزيران/يونيو الماضي، امتلأت القاعة للمرة الأولى منذ بدء المحاكمة. شخصيات معارضة بارزة مثل مازن درويش وجمانة سيف، وممثلون عن منظمة “تبنّى ثورة”، والمركز السوري للعدالة والمساءلة، ومنظمات أخرى في المنفى جاءت للاستماع إلى شهادة الرجل الذي أمضى أكثر من عشرين عاماً يدافع عن السجناء السياسيين، والذي كان هو نفسه سجيناً لخمس سنوات من العام 2006.
قال البني في محكمة كوبلنز إن “الاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب هي الركائز الثلاثة لنظام الأسد، ولولاها لما بقي في السلطة سنة واحدة”.
تلقى البني أنباء اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011 عبر الهاتف، إذ كان معتقلاً حينها في سجن عدرا قرب دمشق. وقد استمر بالتحدث بشكل دوري مع الأصدقاء والزملاء حول الأحداث، وكان يرسل تصريحات من زنزانته إلى الخارج. يعتقد البني أن العدالة -أو بالأحرى غيابها- كانت من أهم أسباب اندلاع الثورة. وبعد أسابيع قليلة من إدلائه بشهادته، وفي مكتبه في برينزلاور بيرغ، حيث تفوح رائحة الخشب والسجائر الإلكترونية، وحيث يجلس دائماً أحد الناشطين أو المحامين الآخرين على الكنبة، يقول البني: “كانت سيطرة النظام قائمة على حجب العدالة”. ووفقاً للدستور، لا يمكن محاكمة رئيس الدولة، وتتمتع قوات الأمن بحصانة مطلقة. “كان الشعور بالظلم عظيماً بين السوريين، لأن النظام كان بإمكانه القتل والاعتقال بمنتهى البساطة”. المحاكمة في كوبلنز هزّت نظام الأسد: “مجرم من نظام بشار سيقدَّم إلى العدالة، بلا حصانة وبلا حماية خاصة”، يستكمل البني.
بالنسبة للعديد من الضحايا وأقاربهم، تعني المحاكمة في كوبلنز اعترافاً بمعاناتهم وإعادة تقييم لما مروا به. أما بالنسبة لآخرين، فلها طعم مرير. يقول سجين سابق، في بيان من سلسلة بيانات دوّنها منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية: يحزنني “أن يجلب الغريب لنا العدالة، بعيداً عن مسرح الجريمة والضحايا وعائلاتهم”. ويقول آخر: “منذ علمت بمحاكمة أنور ر.، راودني الأمل مجدداً بأن تتم معاقبة قتلة الشعب السوري. لكنني كنت أتمنى لو قدمه الشعب السوري إلى المحاكمة، لأن ذلك سيعني انتصار الثورة في سوريا وتحقيق أهدافها”.
يقدر المشاركون في المحاكمة مدة الإجراءات بعدة سنوات. وقد صارت الجلسات روتيناً دورياً الآن. وبينما يستمع المتهمون إلى مترجمين فوريين عبر سماعات الرأس، يملأ رسلان الأوراق بخط يده، ويضع الغريب وجهه بين يديه، فيما تجلس لونا وطفة دائماً في مؤخرة القاعة.
تعيش هذه الشابة الدمشقية ذات التسعة والثلاثين عاماً مع عائلتها في كوبلنز منذ العام 2015. وهي الصحافية الوحيدة التي تقدم بانتظام تقارير عن المحاكمة لوسائل الإعلام الناطقة بالعربية. ولكن هذا يشكّل مصدر قلق شخصي لها. فقبل أن تفر إلى ألمانيا، قامت باستقصاء هجمات الغاز السام في الغوطة الشرقية في سوريا وسُجنت بسبب ذلك لأكثر من العام في 2014، منها شهر في فرع الخطيب، حيث تعرضت لسوء المعاملة الجسدية والنفسية.
المحاكمة في كوبلنز خطوة مهمة للضحايا وأقاربهم. وطفة مقتنعة بذلك. مع ذلك، فهي لا تعتقد أنه سيكون لذلك تأثير على الأوضاع في سوريا. تقول وهي تدخن سيجارتها في نهاية يوم آخر من أيام المحاكمة: “كان يجب أن تتم هذه المحاكمة بعد الإطاحة بالنظام، وكان ينبغي أن تكون بداية لعدالة انتقالية. أما الآن، فالأمر متعلق بالأفراد فقط، بينما يستمر تعذيب الناس في أفرع المخابرات في سوريا”.
لذلك لا يوجد اهتمام كبير بهذه القضية في البلدان العربية، بما في ذلك بين السوريين أنفسهم. وهذا ليس فقط لأن المحاكمة تتم بالألمانية ومن دون ترجمة عربية لعموم الناس. “هناك يأس يسيطر على الناس بسبب بقاء النظام في السلطة”، كما تضيف وطفة. “لكن في يوم من الأيام، عندما يسقط النظام، ستثبت هذه المحاكمات وغيرها الطبيعة المنهجية للتعذيب في سوريا”. متى وكيف يحدث ذلك؟ تهز الشابة رأسها حائرة.

المصدر: سوريا دايركت

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

تعليق