fbpx
?>

مارس 06, 2021

آخر الأخبار
مارادونا في عيون عربية: هل حقاً كان «راقص التانغو» ملاكاً؟

مارادونا في عيون عربية: هل حقاً كان «راقص التانغو» ملاكاً؟

غيّب الموت الأسبوع الماضي أسطورة كرة القدم الأرجنتينية دييغو أرماندو مارادونا، عن 60 عاماً، بعد تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة، جاءت بعد أيام قليلة من عملية جراحية في الدماغ.
إنه اللاعب الذي قاد منتخب «التانغو» وتوج بكأس العالم 1986 في المكسيك. حفر اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
فور تأكيد الخبر أعلنت الحكومة الأرجنتينية الحداد العام لمدة ثلاثة أيام. كما تفاعلت الأوساط الرياضية والسياسية حول العالم مع الخبر في صورة غير مسبوقة. فالنجم الأرجنتيني، ليس شخصية رياضية وحسب، بل صاحب رأي ومواقف سياسية واضحة. لقد أعلن في أكثر من مناسبة تأييده لعدالة القضية الفلسطينية، التي أخفق في إنصافها العديد من قادة الدول العربية.
كما كان منحازاً للمعسكر الاشتراكي في حقبة الحرب الباردة. إذ قام بزيارة عدد من الدول المناهضة للسياسة الأمريكية في العالم، وفي مقدمتها كوبا. يومها التقى الرئيس فيديل كاسترو.
وبعيداً عن مواقفه السياسية، فقد استذكر الكثير من المعلقين قصة «يد الرب» المألوفة لعشاق مارادونا. كيف ينسى جمهوره يوم أحرز هدفاً على المنتخب الإنكليزي بيده؟ كان ذلك في 22 يونيو/حزيران من عام 1986 في عز الأزمة الأرجنتينية مع انكلترا حول جزر الفوكلاند. لقد اعتبر دييغو مارادونا في كتابه «أنا الدييغو» ذلك الهدف انتقاماً سياسياً.
وعبر عن ذلك قائلاً: نعم، مباراة انكلترا كانت نهائية بالنسبة لنا. الفوز على انكلترا ليس مجرد فوز على منتخب آخر. قبل المباراة انتشر الكلام حول عدم ضرورة خلط الرياضة بالسياسة، في ظل الصراع القائم بين الأرجنتين وبريطانيا على جزر فوكلاند. لكن هذا كان كذباً. مات الكثير من الأرجنتينيين في هذا الصراع، لذا الفوز على إنكلترا كان انتقاماً واسترداداً لجزء من جزر فوكلاند. لم نكن نفكر سوى في ذلك. من تحدث عن فصل السياسة عن تلك المباراة كاذب. كاذب كبير. كانت أكبر من مجرد مباراة لكرة القدم، والانتصار كان أكثر من مجرد الإطاحة بالإنكليز من ربع نهائي المونديال. بطريقة ما تخيلنا أن كل لاعب إنكليزي له ذنب في قتل الأرجنتينيين وسلب الأرض ومعاناة الشعب. يبدو جنوناً ما أقول، لكن هكذا لعبنا المباراة! كنا ندافع عن علمنا وننتقم للموتى وللأحياء.
على المستوى العربي اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالخبر وتمت مشاركة صور «نجم المستديرة» على فيسبوك وانستغرام. وعبر عدد من الشعراء والكتّاب والناشطين عن ذكرياتهم وزمنهم، الذي ملأه النجم الراحل بالكثير من القصص. فها هي الإعلامية اللبنانية في قناة «الجزيرة» فاطمة التريكي تعبر عن حزنها قائلة: لم ترتبط لعبة بلاعب قدر ما ارتبطت كرة القدم بالأرجنتيني مارادونا. حتى من لا يهتم كثيراً بكرة القدم مثلي كان يلاحظ من أول لحظة أنه مختلف، موهوب بالفطرة، كاسر للمعايير.
مارادونا قدم من الأزقة الموحلة. شاهدت مرة وثائقيا عن حياته كان ملهماً جداً للأولاد الفقراء. لم يتمتع بمقاييس النجوم فحسب بل كان نجماً لوحده. كان يشبه نفسه.
محزن رحيل مارادونا المبكر مع أنه غائب منذ زمن. ربما هو غياب دنيا من جمال، من استثناء، من دهشة لم تعد موجودة.


كتب عنه محمود درويش يوماً:
له وجه طفل، وجه ملاك، له جسد الكرة، له قلب أسد، له قدما غزال عملاق، وله هتافنا: مارادونا، مارادونا.
أما الإعلامي الجزائري حفيظ دراجي، فقد ذكر في مقال «وداعي لمارادونا»:
سأكون أنانياً لو قلت أنني حزنت أكثر من غيري على رحيل مارادونا «اللاعب» الذي رافقني في بداياتي المهنية، وقد أبالغ لو قلت في وصفه، أن الكرة لم تنجب قبله ولا بعده لاعباً من طرازه. أسعدَ كلَّ الناس فأجمع على حبه كلُّ الناس. وتأثر لرحيله حتى هؤلاء الأطفال الذين لم يعايشوا مهاراته وابداعاته فوق ميادين الكرة، ولم يكتشفوه الا من خلال المقاطع المجمعة لمبارياته، والتي تتناقلها القنوات التلفزيونية ووسايئط التواصل الاجتماعي هذه الأيام».
وعلقت السيدة السورية ندى الخش:
وداعاً للأسطورة الكروية مارادونا
نصير الشعوب والمنحاز لحقوقها
ستظل في ذاكرة الشعوب لاعباً متميزاً ونصيراً للحقوق.
شخصياً لا أحب الرياضة.
لكنني حزينه لمن رفع علم فلسطين دون تردد!
وكتب المترجم المغربي سعيد بن هاني على «فيسبوك»:
مارادونا هو شعرية الفرد في التاريخ
السّحر الذي حوّل كرة القدم إلى فرجة
الرِّجْلُ اليسرى جنون ميثولوجي،
تتفجّر فيها أرقام وحسابات،
وتزهو بها مشاعر وانفعالا.
هكذا هي موجة بحرية.


أما الأكاديمي اللبناني زياد ماجد، فقد كتب على صفحته الزرقاء:
مات اليوم دييغو آرماندو مارادونا. صاحب الهدف الأجمل (والأصعب) في تاريخ كرة القدم، وصاحب «اليد الإلهية» التي زعم أن خطفها الكرة من أمام بيتر شيلتون كان كمثل «نشل محفظةٍ من جيب إنكليزي».
كان مارادونا يظهر «كإله تارة وككوميدي أو كبائع باستا تارات أخرى» (على ما قال المخرج اليوغوسلافي كورستوريتسا عنه في فيلمه الوثائقي الجميل) وأنهى حياته بعد إدمان عابر على الكوكايين مدرّباً (فاشلاً) ومحرّضاً سياسياً يصعب التعامل مع مواقفه بجدّية.
جدّيته الوحيدة كانت في الملعب، وفي عبقرية العلاقة مع الكرة والقدرة الاستثنائية على قراءة المساحات والتمرير وتغيير الايقاع وتعديل اتجاهات الركض والتلاعب بالسيّئي الحظّ المكلّفين بمراقبته أو بمحاولة التصدّي له.
مات دييغو وترك لنا سحراً كروياً لا يمحوه الزمن ولا تَعاقُب «الآلهة» من بعده، ولا الأهداف.
وعلق الكاتب الفلسطيني محمود خزام قائلاً: «ربما لو خيروني وأنا الفلسطيني السوري أن أعطي لمارادونا وصفا أو لقبا يليق به لأطلقت عليه دون تردد: رياضي ولاعب كرة قدم برتبة «ابن مخيم» أصلي!
هو يشبهنا وبيئته التي تربى وعاش فيها تشبه بيئتنا. وهو «ابن شوارع « مثلنا، تعفّر بتراب الأزقة بالصيف ورفع سرواله وحمل حذاءه بيده وقت الشتاء حتى لايفقده بـ«طين» الحارات والشوارع غير المعبّدة.
ونحن مثله لعبنا بالكرات «الشراب» على رأي إخوتنا المصريين حين فكرنا بتعلم كرة القدم وغيرها.
وعلى الرغم من رمزية مارادونا الكبيرة في نفوس عشاقه إلا أنه لم يكن ملاكاً بدون خطايا إذ مر في تجربة المخدرات التي هزمته في مرحلة من حياته وأبعدته عن المستديرة. مخلفاً مرارة في نفوس محبيه وجمهوره الواسع الذي تخطى كل زمان ومكان.
لكنه لم يستسلم بل خضع للعلاج في إحدى المصحات النفسية في ضواحي بوينس آيرس لفترة طويلة. وفي عام 2004 استطاع مارادونا التخلص من الإدمان والانتصار عليه بمساعدة ابنته. ليكون بذلك حقق أهم الأهداف التي أحرزها ضد عدو حقيقي أراد تدمير حياته بالكامل.
إنه نجم لا يهزم. لم يهزمه حتى الموت. سيبقى بيننا محلقاً ومضيئاً ملاعب كرة القدم التي حفرت فيها خطواته.

مريم مشتاوي – كاتبة لبنانيّة – القدس العربي

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

تعليق