برهان غليون: السجن بوصفه ساحة حرب | Palmyra Monitor

نوفمبر 28, 2020

برهان غليون: السجن بوصفه ساحة حرب

برهان غليون: السجن بوصفه ساحة حرب

برهان عليون
حفلت المكتبة العربية برواياتٍ عديدة حرّرتها أقلام ضحايا سابقين في السجون السورية عن أشكال مرعبة من التعذيب التي تعرّضوا لها، والتي لم يعد لها مثيل في أي دولة متحضرّة أو شبه متحضرّة. وهنا محاولة للتفكير في دور السجون بوصفها من ساحات الحرب الطويلة المدى التي بنى عليها الأسد حكمه، وفي مكانة التعذيب فيها لقتل الذات الانسانية وتجريد البشر من هويتهم وتوحيد الأنصار عبر تأكيد منطق التفوق والسيطرة. وهي من وحي رواية جديدة تسرد وقائع امتحان الموت الدائم لأحد رواد معتقل تدمر السابقين، محمد برّو، والتي تصدر في شهر سبتمبر/ أيلول الجاري عن دار جسور للنشر.
(1)
لم يكن المكان الذي دمّره تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2015، بعد نقل “النظام” ساكنيه إلى معاقله الأخرى، سجنا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، أي مكانا لتنفيد حكم جنائي يقضي بحرمانٍ مؤقتٍ لأفراد ارتبكوا جرائم أو جنحا مخالفة للقانون من الحرية. كما لم يكن معتقلا سياسيا شبيها بالمعتقلات التي احتفظ لنا التاريخ الحديث بذكرياتٍ عنها لا يكاد يصدّقها العقل، كمعتقل الغولاغ الذي خلد فيه ألكسندر سولجنيتسين تقاليد الرعب الذي طبع بعض مراحل العهد السوفييتي البائد، أو معتقلات غوانتانامو الأميركية، أو أبو غريب العراقية او تزمامارت المغربية، وأخرى كثيرة لم تخل منها أي من أنظمة الاستبداد الشمولية أو الدموية.
كانت وظيفة هذه المعتقلات تغييب معارضين أو مقاومين وراء الجدران والحجْر عليهم لإخراجهم كليا من عالم السياسة والمجتمع، سواء اقتضى تحييدهم السياسي والفكري كسر إرادتهم ومعنوياتهم في مرحلةٍ أولى من التعذيب و”إعادة التأهيل” أو بتركهم يهلكون في أقبية الزنزانات المظلمة، بعيدا عن أعين الجمهور الذي كانوا يحلمون بقيادته أو تحريره أو خدمة قضيته. أما معسكرات الاعتقال السورية التي تحدثت عنها روايات السوريين الذين كانوا نزلاءها سنوات طويلة، وأكثرها شهرة معتقل تدمر،  فلا يبدو لي أنها تدخل في أي من هذه التصنيفات. ربما هي أشبه بمعسكرات الاعتقال النازية التي لم تصمّم لحجز المعارضين وتحييدهم، ولكنها أقيمت لإبادة جماعاتٍ قوميةٍ أو دينية تعتقد السلطة الحاكمة أن وجودها يسبّب الوهن في عزيمة الأمة ويشوّش فكرها ويضعف روحها، وأن استئصال هذه الجماعات الغريبة منها، بمقدار ما يحقق التجانس ويطهّر روحها من الشوائب الدخيلة عليها وينقّي فكرها، يضمن لها التفوّق العرقي الذي تستحقه، ويؤكد قوتها وعظمتها. وهذا هو التجانس ذاته الذي سيتذكّره بشار الأسد عندما سئل عن مصير ملايين المهجّرين السوريين بعد سنواتٍ من قصف المدن والقرى بالبراميل المتفجّرة العشوائية، وبالأسلحة الكيميائية، وضرب حصار التجويع على عديد منها، قائلا: إن سورية أصبحت برحيلهم أكثر تجانسا، وهو يعني أيضا أنه أصبح أكثر تصميما على متابعة حرب الإبادة.
مع ذلك، لا ينبغي لهذا التشابه أن يغيّب عن نظرنا الفوارق الأساسية الأخرى التي تجعل من معسكر الاعتقال الأسدي نموذجا فريدا من نوعه، حتى لو تطابقت كثير من صور الجثامين المتكدّسة التي جفّت عروقها من الجوع  والمرض، وغاضت الحياة في عيونها من انتظار العدم، مع ما تركته لنا معسكرات الاعتقال النازية، والذي أصبح بمثابة بطاقة تعريف بها، فبينما تكاد الوظيفة الرئيسية لهذه الأخيرة تقتصر على التنظيم “العقلاني”، بل المكيانيكي، لهذه الإبادة الجسدية، بعيدا عن أي مشاعر أو عواطف أو اعتبارات أخرى سوى القضاء على أكبر عدد من “غير المتجانسين” بأسهل وسيلة، وفي أقصر ما يمكن من الوقت، يتركّز العمل في المعتقلات الأسدية على الإبادة النفسية أو الروحية لغير المتجانسين فردا فردا، بإطلاق كل ما تختزنه النفس الحيوانية لدى الجلادين من غرائز الفتك، وتفجير كل ما يزعزع النفس البشرية من مشاعر الخوف والألم والبؤس والمهانة، ويفاقم من هشاشتها وبؤسها لدى الضحايا والمعذّبين. ليس الموت هو ما يبحث عنه الجلاد هنا، وإنما استحالة الحياة، أو جعل الحياة مستحيلة من دون أن يكون الموت ممكنا. إنه العذاب.
لا حاجة هنا لغرف غازٍ تقضي على المدانين بالجملة، ولا لمحارق تخلي أماكنهم لوجبةٍ أخرى. الحكم بالموت، بالبراميل المتفجرة أو بالغاز، من نصيب الناس العاديين الذين ينبغي التخلص منهم. أما مع النشطاء فالأمر مختلف، وعليهم أن يدفعوا ثمن الموت/ الخلاص نفسه. يتصرّف الجلاد هنا وكأن الضحية عدوه الشخصي، ويصرّ على أن يظهر في وجه خصمه كوحش مفترس، لا تربطه أي صلة بالإنسانية، ويدخل بكل كيانه في ما يشبه الطقس الديني لإخراج روح ضحاياه من أجسادهم بكل ما يتاح له من أدوات وآلات وأحذية وسكاكين وكابلات حديدية، وما يملكه أو يريد أن يظهره من مشاعر الكراهية والحقد والتشفّي. يبدأ التعذيب منذ أن تضع الضحية قدمها على أرض المعتقل، ويحشد الضحايا بالعشرات في زنازين جماعية ضيقة، ولسنوات لا يعرف نهايتها لا السجين ولا الجلاد، هي بالضبط السنوات التي على هذا الأخير أن يستغلها ليثبت تفوقه في تحويل الكائنات البشرية التي أوكلت إليه، حرفيا، مهمة “معالجتها” إلى خرق ممزّقة تمتزج فيها عظامها مع لحمها ودماغها مع دمها، حيوات محطمة أملها الوحيد معلق في اقتراب أجلها.
كما تظهر جميع هذه الروايات/ الشهادات، لا يخضع برنامج التعذيب نفسه لقاعدة واحدة. الأمر متروكٌ لكل واحدٍ من الجلادين أن يتفنن ويبدع في وسائل العنف التي يعتقد أن بإمكانها إحداث أثر أكبر في التدمير النفسي للضحية. هكذا لا يتوقف العذاب أبدا، فهو حسابٌ مفتوحٌ لا يتوقف، ليلا ونهارا، على الدخول والخروج، بمناسبة ومن دون مناسبة، وقت الراحة المفترض ووقت “العمل”، وحتى وقت الأكل وقضاء الحاجة. لا يترك الجلاد للضحية فرصةً لالتقاط الأنفاس، ولا وسيلة لا يستخدمها لإبراز قسوته ووحشيته واستعداده للذهاب إلى أبعد ما يمكن في انتزاع صرخات الجسد المكلوم وأنينه وسماع أصوات كسر العظام المتهالكة.
(2)
هناك شيءٌ لا إنساني، لا معقول أو غير قابل للعقلنة، في هذه الفقرة المظلمة من تاريخ السوريين: في وجود هذه المعتقلات، وفي تنظيم هذا العنف المنفلت، والذي لا يتوقف إزاء ضحايا مشلولي الإرادة وفاقدي أي قوة أو قدرة على المقاومة، وفي حماس الجلادين الذين جعلوا من العنف رياضتهم الروحية اليومية بمقدار ما أرادوه سمّا زعافا لضحاياهم. ولست مقتنعا بأن السادية قادرة أو كافية لتفسير هذا الهوس المجنون، الذي يتجدّد كل يوم، بالتمثيل بالأجساد الحية والسخرية من منظر الدم النازف من أعضاء يتم تقطيعها وهرسها بجميع الأدوات والوسائل الحديدية، وحرقها في الأماكن الأكثر إيلاما كما لو كان الهدف تفجير ما فيها من نوابض الحياة والإنسانية، والتلذّذ بسماع صرخاتها المخنوقة.
كما لا أعتقد بأن لتفجّر هذا العنف علاقة مباشرة بأي إرث ديني أو قومي، ولا بأي مذهبٍ فكري أو سياسي. هو بالأحرى تعبيرٌ عن انفلات الغرائز البدائية التي صرف النوع البشري عشرات آلاف السنين وهو يصارع لتدجينها، ومن هذا الصراع ولدت المدنية والحضارة القديمة والراهنة.
ليس هناك نظرية يمكن أن تفسّر مثل هذه الممارسة لعنفٍ فائضٍ بكل معنى الكلمة، عنفٍ منفلتٍ وعبثيٍّ حاول ان يحيط به ويستوعب معناه ناجون كثر في شهادات سابقة، وأبدع في وصفه محمد برّو في روايته. ولعل علينا أن نقرّ بأنه ليس كل ما يشهده التاريخ عقلانيا أو يمكن أن يستوعبه العقل. كذلك كانت النازية التي اعتقد منظرّوها، ولم يكونوا من الأغبياء، أبدا، أن التفوق مصدر الشرعية والحق، وأن الطريق إليه يمرّ بالقوة، وأن وسيلة القوة ولغتها هما العنف: العنف العاري، من دون حدود ولا ضفاف ولا مبرّرات ولا أهداف أو غايات سياسية أو أخلاقية تحكمه وتتحكم به، إلا ما يحققه، وما يمكن أن ينتجه من تفوق أو شعور بالتفوق والسيطرة. في هذه الحالة، يتحوّل العنف إلى لغة، وتصبح ممارسته، من دون حدود ولا ضوابط ولا معايير، الدليل القاطع على القدرة والعظمة، وربما المشاركة في بعض صفات الألوهية المشرقية.
مع ذلك، لا يوجد شك في أن لانفلات العنف وتقديس أفعاله وفعاليته في حالتنا السورية علاقة مباشرة بنمط استثنائي من الحكم والسيطرة، نشأ هو أيضا في غفلةٍ من الزمن، وفي ظروفٍ استثنائية، وانبنت عليه علاقة الحاكمين، بصرف النظر عن منابتهم، بالمحكومين، أي بالشعب، وتكوّنت فيها نظرتهم الدونية إليه، أي احتقارهم له، وإنكارهم أهليته، واستسهالهم امتهان كرامته وقهره والركوب عليه.
لذلك، لن نرى اختلافا أبدا بين سلوك جلادي المعتقلات إزاء ضحاياهم من الأبرياء، وسلوك رجال السلطة وأجهزتها إزاء الدولة والمجتمع. وقد بنى الأسد الأب سمعة أسطورية، ليس لدى بعض السوريين فحسب، وإنما لدى قطاعات واسعة من الرأي العام والدبلوماسية الدولية، وفي جميع الأنحاء، لما أظهره من جرأة على خرق جميع المحرّمات واستخدام العنف من دون قيود أو خشية من رد أو انتقام، حتى أصبح الإرهاب على يديه، المباشر أو بالوكالة، الوسيلة الرئيسية للحكم والسيطرة، وكان أول من حوله إلى سلاح دولة، حصد بسببه احتراما وتقديرا، وربما تعاطفا وتقديسا لم يسبق لأحد قبله ممن حاول استخدامه أن حظي به. وهذا ما تعلمه بشار الأسد من تجربة والده، وأراد أن يعيد إنتاجه ويفرط في استخدامه بشكل أكبر، خارج أي منطق سياسي أو قانوني أو أخلاقي، منتظرا أن يذهل بذلك العالم ويعمي بصر الجميع، حتى لا يستطيع أحد أن يلتقط أنفاسه أو يفكر في أي رد. واعتقد أن هذا العنف (المقدّس) الذي لا يعترف بحدود ولا روادع من أي نوع، هو الطريق الصحيح للوصول إلى التفوق واستعادة السيطرة وفرض الأمر الواقع وتركيع الجميع وإذلالهم. لم يقف بشار في تفجير عنفه عند حدّ قمع المظاهرات بالرصاص واعتقال نشطائها وقتلهم في المعتقلات، ولكنه أراد له أن يكون زلزالا يدمر الجميع، وكل من يقف في طريقه، من المجتمع والشعب والحلفاء والأصدقاء العرب والأجانب. ولم يترك سلاحا من اسلحة الدمار الشامل لم يستخدمه لامتحان القدرة الفتاكة لهذا العنف الفائض على أي حدود، والذي اعتقد أنه به وحده يستطيع أن يوقف التاريخ ذاته، وكل من ينكر عليه حقه وتصميمه على جعل الموت الحد الطبيعي والوحيد لطموحاته.

(3)
لم تكن المعتقلات، ولا كان الاعتقال، نشاطا جانبيا أو ثانويا في نظام السلطة الأسدية هذه. لقد كان أحد الأركان الأساسية للحكم، إن لم يكن وسيلته الرئيسية. كانت المعتقلات خلال أربعة عقود المختبر الحقيقي لممارسة هذا العنف المنفلت أو المفرط واختباره وتطوير كوادره وأساليبه وأدواته. وعمل خلال عقود طويلة من حكم الأسد بمثابة ساحةٍ لحربٍ محدودة في المكان، وبوتيرة بطيئة، لكن شديدة الأهمية والفاعلية في تحييد المعارضين وتصفية الخصوم وردع المجتمع والنخب ككل عن أي معارضة أو مقاومة. وكان لها دور كبير في تمكين هذا الحكم من  البقاء والاستمرار. وبواسطة حرب الاستنزاف الطويلة، وشبه الخفية هذه، أمكن للنظام  تجريد الشعب من ذاته قبل تجريده من حقوقه السياسية والمدنية، وقضى بصمتٍ على عشرات ألوف المعارضين أو المشتبه بمعارضتهم، وقطع رأس المجتمع المدني ووأده حيا. وكان لوجود المعتقلات في كل مكان، وشغلها الدائم على تفريغ المجتمع من كوادره وتحطيم إرادته، الدور الأول في ضبط توازن السلطة القائمة على قوة الإرهاب، وبناء علاقة العبد والسيد بين الحاكمين والشعب، ومن ثم ضمان الإذعان والاستسلام الكامل والانصياع لإرادة الحاكم/ الرب.
ولم يكن معتقل تدمر المكان الوحيد الذي اختص في سورية بتجريد الانسان من إنسانيته والشعب من سيادته. لكنه مثل النموذج الأعلى في سياسة التعذيب، وتلقين درس العنف الجسدي والنفسي الذي لا يُنسى بين منظومة سجونٍ لا تعد ولا تحصى، غطّت المدن والأحياء والقرى، وانتشرت في كل دائرة وفرقة وكتيبة أو فرع أمن، وكل مدرسةٍ ومصنع وشارع.  لم ير النظام في السوريين، في أي لحظةٍ، شيئا آخر، سوى عبيد مستكينين لا يصلحون إلا لأعمال السخرة والخدمة المجانية أو حثالاتٍ وزوائد وقوارض خطرة، يجدر التخلص منها بأي ثمن.
وسرعان ما تحوّلت هذه المعتقلات إلى ساحة حرب إبادة جماعية موازية، بعد اندلاع الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، فاختصّت بقتل النشطاء والمثقفين والسياسيين، وتقريبا بالوسائل نفسها، وبالحماس ذاته، مع تسريع وتيرة الموت تحت التعذيب، لكن من دون أن تتخلى عن “رسالتها” ألاساسية: اختبار أقصى درجات العنف سلاح ردع وإرهاب، بعيدا عن أي رقابة وبمعزل عن أي مبدأ أو قانون أو أخلاق، وتنويع أشكاله واستخداماته الداخلية والخارجية، وإدخاله إلى كل خليةٍ من جسم المجتمع الضحية.
وإذا لم يمل جلاد معتقلات الأسد من تكرار أعمال العنف، لا صباحا ولا مساء، ويزداد حماسا لتعظيمه، وتنويع أدواته كلما شعر ببصيص مقاومة عند الضحية، فلأنه لا يعتقد أنه مجرّد جلاد، وإنما ينظر إلى نفسه، بالمعنى الحرفي للكلمة، صاحب قضية. وهو يؤكّد، في كل مرة يدمر فيها جزءا من مقاومة ضحيته أو صورتها الإنسانية انتماءه لمعسكر المنتصر والمتفوق، وولاءه للسيد الذي يملكه ولجماعته المرجعية. لذلك يبدو التعذيب هنا، أو بالأحرى التعنيف الدائم للضحايا عملا نضاليا، ووطنيا بامتياز، يستحق التقدير والمكافأة، أكثر مما يبدو لمرتكبه ممارسةً لأفعال مشينة أو لتحقيق متعة سادية تستوجب الندم أو الإحساس بالعار، فمن خلال هذا العنف المتحرّر من أي قيد يشعر الجلاد الصغير بالتماهي مع الجلاد الأكبر، ويشاركه مشاعر التفوّق والقوة والعظمة، ومن ثم نشوة الإنتصار المحتم على الأعداء والحاسدين. إنه لا ينفذ أوامر، ولكنه يساهم في تحقيق مأثرة سياسية وملحمة تاريخية.
هكذا يؤدّي التعذيب هنا أيضا، بالاضافة إلى الابادة النفسية ل”غير المتجانسين”، وظيفة إدماجية، هي لحم عناصر السلطة وقواها المختلفة وتعميق الشعور بتفوق الجماعة الحاكمة وأتباعها في كل مكان وساحة مواجهة، واتحاد الجمهور وأدواته مع قائده من حول هذا التفوق الساحق. ويكاد العنف يتحوّل ليس إلى طقوس شبه دينية فحسب، تعبّر عن التفوق والقوة والعظمة والمجد، وإنما أكثر من ذلك إلى ثقافة مشتركة أو مرجعية تتعرّف من خلالها جماعة متماهية مع أجهزة العنف والقوة، على هويتها، أو بالأحرى تعيد من خلالها صنع هويتها جماعةً متفوقةً وحاكمةً وسيدة في الوقت نفسه. وهو العنف الفائض الذي يغمر النظام المجتمعي بأكمله، ويظهر بالمقدار نفسه في أروقة السلطة والإدارة، وفي العلاقة مع الجمهور في الدوائر الرسمية وفي الشارع، ومع الحضور الطاغي والدائم لعناصر الأمن والاعتقال المرعبة، مثلما يستعرض نفسه في أقبية المعتقلات على يد جلادين محترفين، أو حتى ضباط جيش نظاميين، لم يتردّد أحدهم، برتبة لواء، في عرض صور سلخ ضحيته حيا، ونشرها على صفحات وسائط التواصل الاجتماعية معلقةً على حبل.
هنا بعض الأفكار لمقاربة أولى لعقلنة أو إيجاد تفسير عقلاني لعنف مجنون وأهوج، غزا الدولة ومعتقلاتها في سورية. لكن لا يزال لا يوجد جواب مقنع مع ذلك على الأسئلة المربكة: كيف نجح نظام حكم مستقر أن يحوّل دولة إلى آلة قتل منهجي ومنظم لشعبه، ويحوّل سورية بأكملها إلى مسلخٍ تسيل فيه الدماء في كل زاويةٍ وبيت، ويفقد فيه الإنسان روحه وعقله وإنسانيته كل يوم وكل ساعة؟ كيف تحوّل “رئيس جمهورية” يملك ويجمع بين يديه كل وسائل السلطة والقوة والإذعان إلى جزّار، وحول البلاد إلى ساحةٍ للمسالخ المفتوحة في كل مكان؟ ما هو سر المحرقة الأسدية، وكيف أصبحت الإبادة سياسةً، وصار نزع الإنسانية عقيدةً ومذهبا؟ هل فقد النظام عقله، إذا كان قد تمتّع لحظة بحدٍّ أدنى من العقلانية والعقل، أعني به السياسة، أم كان منذ بدايته نظام حربٍ وضع عقله في حذاء جنوده واطمأن؟
ربما كان الجواب في هذه السلطة المطلقة، المنفلتة من أي عقال بالضبط، وجنون القوة الذي يطيش بعقل الأرعن من أصحابها، وربما لا يوجد جوابٌ شافٍ على هذا السقوط في العدمية السياسية والأخلاقية. كما لم يوجد جوابٌ شاف على سير إحدى أعظم الأمم الأوروبية في المدنية، وأحد أهم مواطن أنوارها العقلية والإنسانية، وراء شخصٍ مهووسٍ بالتفوق العرقي، اسمه أدولف هتلر، ومن ثم ذهابها طائعةً إلى الإنتحار في حرب لم تبق لمدنيتها أثر.
لكن نخطئ أيضا إذا لم نكتشف في التاريخ سوى الجنون والعبث، فألمانيا ما بعد الحرب أعظم وأرقى مدينة واستقرارا وإبداعا مما كانت قبلها. ونظام الأسد يغرق في حطامه، ولن يعيش على مشاعر الحقد والكراهية والانتقام سوى الأيام التي تسمح له بها الدول التي استخدمت جنونه. ونحن القراء لن نفهم شيئا إن لم نحتفظ من قراءة روايات المعتقلين الناجين من الموت سوى بصور الموت وصنّاعه. ما يذهلنا وما يشكل الدرس الأهم من هذه الشهادات الناجية من الموت مثل أصحابها، وما يعطي لها القيمة والمعنى، ليس حقارة الجلاد، ولكن شجاعة الضحية الأسطورية ونبع الإنسانية الذي لا ينضب في قلوب هؤلاء وروح التضامن التي وحّدت بينهم بعيدا عن الاختلافات الدينية والفكرية والسياسية، وإرادة المقاومة للموت والإنحطاط والسقوط التي لم تغادر قلب أحد منهم، والتي يصحّ فيها وحدها وصف مقاومة العين للمخرز. هنا أيضا نجد أنفسنا أمام سرٍّ لا يقل سبر غوره صعوبةً عن سابقاته: كيف أمكن لهؤلاء الذين  قضوا سنواتٍ معلقين على حبل رفيع بين الموت والحياة، واليأس والرجاء، معزولين عن العالم، في مواجهة طوفانٍ من مشاعر الكراهية والنذالة والعنف أن يحتفظوا بإنسانيتهم؟ وأي شجاعةٍ تلك التي مكّنتهم من التغلب على ضعفهم، وتجاوز خوفهم، وأكثر من ذلك، أي قوةٍ معنويةٍ كانوا بحاجة إليها للإحتفاظ بعقلهم وبذاكرتهم، كيما يحرّروا لنا هذه الشهادات التي تشعّ بالأمل بمقدار ما تظهر عبث التاريخ وبؤس المصير؟ هو بالتأكيد الأمل الضارب جذوره في أعماق النفس البشرية، والذي مكّن هؤلاء الشهداء الأحياء أن يتغلبوا، في قمة ضعفهم وعجزهم، على العبث واليأس، وأن يصنعوا، من ألمهم ذاته ومعاناتهم، المعجزة. هذه أيضا من الأسرار التي يصعب سبر غورها.

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

تعليق