بحث تفصيلي: تفشي فيروس كورونا في سورية.. النطاق والنتائج المحتملة | Palmyra Monitor

نوفمبر 28, 2020

بحث تفصيلي: تفشي فيروس كورونا في سورية.. النطاق والنتائج المحتملة

بحث تفصيلي: تفشي فيروس كورونا في سورية.. النطاق والنتائج المحتملة

 

مركز جسور للدراسات

 

 

تمهيد

عادت أزمة فايروس “كورونا” لتطفو على السطح في سورية بشكل غير مسبوق خلال شهر تموز/يوليو من العام الحالي، إذ بات الوباء يسجِّل ارتفاعاً مستمراً وبشكل يومي، وبالأخص في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، حيث تتحدَّث الشهادات من داخل تلك المناطق عن آلاف الإصابات ومئات الوفيات، مع عجزٍ في القطاع الصحي عن التصدي للجائحة.
وفي شمال غرب سورية تمَّ تسجيلُ أوَّل إصابة في شهر تموز/يوليو 2020، ودخل انتشار الوباء في طورٍ جديد يتمثَّل بوضع بلدةٍ كاملةٍ تحت الحجر الصحي.

واستمرَّ تسجيل الإصابات في مناطق “الإدارة الذاتية” شمال شرق سورية، ففي الثالث والعشرين من تموز/يوليو أعلنت هيئة الصحة في الإدارة عن تسجيل أربع إصاباتٍ جديدة في مناطق سيطرتها.

وتبدو خطورة تفشِّي الوباء في سورية مضاعفة، نتيجة هجرة الكثير من الكوادر الطبيَّة إلى خارج سورية على مدار عشر سنواتٍ من الحرب، وتردي وضع القطاع الصحي وضعف قدرته على التعامل حتَّى مع الأمراض والأوبئة المعروفة، يُضاف إلى ذلك عمليَّة التدميرِ الممنهج التي تعرَّضت لها المنشآت الطبيَّة في شمال غرب سورية عن طريق الهجمات الجوية.

وفي ظلِّ نقص الشفافيَّة أو غيابها من قبل سلطات الأمر الواقع التي تسيطر على الأراضي السوريَّة تبدو الأزمة مرشَّحةً لمزيدٍ من التفاقم، خاصَّة وأنَّ بعض السلطات تسعى إمَّا لإنكار الأزمة أساساً؛ تجنُّباً لما يترتَّب على هذا الاعتراف من مسؤولياتٍ وتداعيات، أو تعملُ على التنصُّل من المسؤوليَّة وإلصاقها بجهاتٍ أخرى.

 

 

 

أولاً: انتشار الفايروس في مناطق سورية


1-مناطق سيطرة النظام السوري

تأخَّرت وزارة الصحَّة في النظام السوري حتَّى أواخر شهر آذار/مارس 2020 للإعلان عن أوَّل إصابة بفايروس “كورونا” في مناطِق سيطرتها. ووفقاً للشهادات التي توفَّرت لدى مركز جسور فإنَّ تسجيل الإصاباتِ الفعلي بدأ قبل ذلك بأسبوعين، وكان بنطاقٍ أكبر مما تمَّ الإعلان عنه لاحقاً.

في الرابع والعشرين من تموز/يوليو، أعلن النظام السوري بشكل رسمي أنَّ عدد الإصابات بفايروس كورونا لم يتجاوز 608 إصابة في سورية، شُفي منها 184 حالة وتوفِّي فقط 35، إلا أنَّ شهاداتٍ عديدة حصلنا عليها من عاملين في مشافٍ داخل مناطق سيطرة النظام السوري تتحدَّث عن أضعاف هذا الرقم من الإصابات والوفيات.
وبحسب الإحصائيات الرسميَّة فإن محافظة دمشق تتصدَّر المناطق من حيث عدد الإصابات، تليها محافظة ريفِ دمشق ثمَّ القنيطرة ثمَّ محافظة حلب.
الإحصائيات التي ينشرها النظام السوري عن إصابات كورونا في مناطق سيطرته تستند إلى عدد الفحوصات التي تجريها المخابر الخمسة التابعة لوزارة الصحَّة، والمتوزِّعة على أربع محافظاتٍ فقط وهي: دمشق واللاذقيَّة وحلب وحمص، يُضافُ إلى ذلك أنَّ عدد الفحوصات في هذه المختبرات الأربعة لم يتجاوز ثمانية آلاف عيِّنة فقط، وبالتالي فإنَّ توسيعَ نطاق الفحوصات جغرافيَّاً وزيادةَ عدد العيِّنات المفحوصة بشكل يومي سيؤدِّي بالتأكيد لتغيير النتائج.
وتبقى محافظة دير الزور إلى جانب ريف دمشق من الأماكنِ المرشَّحة لأن تكون إحدى بؤر الوباء الأساسيَّة في سورية، وذلك بسببِ انتشار الميليشيات المساندة للنظام السوري من الجنسيات الإيرانية والباكستانية والأفغانية في هاتين المحافظتين، لكن الإحصائيات الرسمية الصادرة عن النظام حتَّى اليوم لا تُركِّز على محافظة دير الزور، الأمر الذي يؤكِّد الشكوك حول مدى الشفافيَّة والمصداقيَّة في الإحصائيات الرسمية.

 

 

2-شمال غرب سورية

وفي العاشر من تموز/يوليو، أعلنت الحكومة السورية المؤقَّتة عن أول إصابة بفايروس “كورونا” في شمال غرب سورية الخارج عن سيطرة النظام، لتبدأ بعدها حالة التتابع في عدد المصابين.
ومع حلول السادس والعشرين من تموز/يوليو، أحصت “شبكة الإنذار المبكِّر” المتخصِّصة في متابعة الأوبئة والأمراض 29 إصابةً في شمال غرب سورية، متوزعة على مدينة الباب شمال شرق حلب ومدينة أعزاز شمال حلب ومدينة إدلب وبلدة سرمين شرق محافظة إدلب، بالإضافة إلى أطمة وسرمدا والدانا شمال إدلب.
وتُظهِر خريطة انتشار الفايروس في شمال غرب سورية أنَّه بات قريباً جداً من مخيَّمات النازحين التي تأوي عشراتِ الآلاف، والمنتشرة بشكل عشوائيٍّ قرب الحدود السورية التركية، وخاصَّة في بلدات: أطمة والدانا ودير حسان وقاح وسرمدا.

ولم تعلن المؤسسات المعنيَّة بمتابعة انتشار الفايروس في شمال غرب سورية حتَّى صدور هذا التقرير تسجيلَ وفيَّاتٍ جرَّاء الإصابة بـ “كورونا”.
وتستنِد النتائج المعلنة إلى الفحوصات التي يتمُّ إجراؤها، وهي فحوصات محدودة ولا تشمل على الأغلب إلا من تظهر عليه أعراض واضحة.

 

 

 

3-مناطق شمال شرق سورية

أعلنت “هيئة الصحَّة” التابعة للإدارة الذاتية في منتصف شهر نيسان/أبريل 2020 عن الإصابة الأولى في مناطق شمال شرق سورية، وعزت انتشار الوباء إلى عدم التنسيق مع الإدارة الذاتية من قبل منظمة الصحَّة العالمية ووزارة الصحَّة في حكومة النظام السوري.
وبحسب الإعلان الرسمي لـ “هيئة الصحَّة” فإنَّ الإصابات تتركَّز في مدينتي الحسكة والقامشلي، في حين أقرَّت الهيئة بوفاةٍ واحدةٍ في القامشلي في السابع عشر من نيسان/أبريل 2020.

 

 

 

 

 

ثانياً: تعاطي الفاعلين المحليين مع أزمة كورونا

 

 

1-النظام السوري

ارتكز تعاطي النظام السوري مع جائحة كورونا على محورين:

الأول: تمثَّل في النهج الإعلامي الشعبوي القائم على الإنكار غير المستند إلى معطياتٍ علمية ممنهجة، كحديثِ وزير الصحَّة عن تطهير سورية من الجراثيم على يد “الجيش العربي السوري”، ونفيه وجود إصابات في سورية، واستضافة الإعلام الرسمي محللين غير متخصصين عبر البرامج التلفزيونيَّة وحديثهم عن طلب الدول الأخرى من سورية المساعدة في مكافحة “كورونا”، لإظهار كفاءة القطاع الصحي في سورية وقدرته العميقة على التعامل مع الفايروس.

الثاني: محاولة إقناع الحاضنة الشعبية بالقدرة على إدارة الأزمة؛ من خلال إصدار إحصائيَّات متلاحقة تتحدَّث عن المستجدَّات، والتركيز على محدودية انتشار الفايروس في سورية بالمقارنة مع دول العالم الأخرى(9).
ويمثِّل إنكار الواقع نمطاً مُعتمَداً لدى النظام في التعامل مع كلِّ الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهه، وسبق أن استخدمه في أزماتٍ أكبر، مثل إنكاره وجودَ مظاهرات معارِضة، رغم أنَّها كانت تُبثُّ على الهواء مباشرة حول العالم، وإنكاره وجود أزمة لاجئين، أو خروج مناطق عن سيطرته.. إلخ.

ويعود هذا الإنكار إلى تحكُّم العقلية الأمنية بصناعةِ القرار لدى النظام، إذ أنَّ الاعتراف بوجود الأزمة (في هذه الحالة الاعتراف بالأعداد الحقيقية للإصابات) سوف يُسبِّب حالةً من الهلع في المجتمع، ويكشف حالة الترهُّل التي يعيشها النظام، وهو ما قد يؤدِّي إلى إضعاف قدرة المؤسَّسات الأمنية على التحكُّم بالمجتمع.

ويعاني القطاع الصحي في مناطق سيطرة النظام السوري من مشاكلَ عديدةٍ تجعله غيرَ قادر على مواجهة الأزمة، وأهمُّها عدم توفر الأجهزة والمستلزمات الخاصَّة لإجراء فحوصاتٍ واسعة، تشمل كلَّ من يراجع المشافي ويعاني من أعراضٍ مشابهة لأعراضِ الإصابة بفايروس “كورونا”، بالإضافة إلى ضعفِ إمكانات المشافي حتَّى الكبيرة منها، فعلى سبيل المثال لا يمتلك مشفى المواساة في دمشق سوى 14 جهازَ تنفُّسٍ صناعي فقط.

وعلى أرض الواقع اقتصرت إجراءات النظام السوري التي اتَّخذها على فرض الحظر الصحي على بعض البلدات التي انتشر فيها الوباء، مثل السيدة زينب وتل منين ورأس المعرة وجديدة الوادي في ريف دمشق، وبلدة جديدة الفضل في محافظة القنيطرة، ثمَّ ما لبث أن رُفع الحظر عنها.

وتثور الكثير من الشكوك حول دقَّة الأرقام الرسمية التي ينشرها النظام السوري، خاصَّة مع الشهادات المتواترة التي تتحدث عن تحوُّل مدنٍ وبلداتٍ كاملة في دمشق وريفها على وجه التحديد إلى بؤرٍ للوباء، وحديث بعض العاملين في القطاع الطبي عن كثرة المصابين الراقدين في قسم العناية المركَّزة في مشافي دمشق على وجه التحديد.

ومنذ منتصف شهر تموز/يوليو اتَّجه النظام السوري شيئاً فشيئاً للتَّخلي عن أسلوب التعتيم والإنكار في التعامل مع أزمة كورونا، حيثُ أصبح من الصَّعب التمسك بهذه السياسة في ظل إصابة الفايروس لشخصيَّات بارزة كخطباءٍ وأئمَّة مساجد، وصحفيين عاملين في التلفزيون الرسمي التابع للنظام السوري.

وقد وجد النظام السوري في تفشي فايروس كورونا فرصة للاستثمار السياسي، حيث حاول تحميل العقوبات المفروضة على سورية، بما فيها قانون قيصر، مسؤولية الضعف الذي يواجهه القطاع الصحي في التعامل مع الفايروس، ودعت روسيا في مجلس الأمن إلى إلغاء العقوبات عن النظام لمساعدته على مواجهة كورونا، كما سعى النظام لتحميل الأطراف الأخرى مسؤولية تفشي كورونا في المناطق الخارجة عن سيطرته عبر اتهامها بالتقصير.

وتنبغي الإشارة هنا إلى أنَّ العقوبات جميعاً -بما فيها قانون قيصر- تستثني القطاع الصحي، كما أنَّ المنظمات الدولية تبدي استعدادها لتقديم دعم إضافي في هذا المجال.

 

 

2-شمال غرب سورية

تعاني مناطق شمال غرب سورية من تحدِّيات عديدة تَحدُّ من قدرتها على التصدِّي لفايروس كورونا.

التحدي الأوَّل يتمثَّل في هشاشة البنى التحتية الطبية، نتيجة تعرُّض المشافي التخصُّصية والميدانية على مدار السنوات الطويلة لضرباتٍ جوية من قبل الطائرات الروسية وطيران النظام السوري، مما أدَّى لخروج الكثير منها عن الخدمة، مع إعطاب التجهيزات الطبية فيها، والمحصِّلة كانت أنَّ قرابة 4.5 مليون نسمة يقطنون مناطق شمال غرب سورية لا يوجد لديهم سوى 1689 سرير في مختلف المشافي المتبقِّية، مع 243 وحدة عناية مشدَّدة و107 أجهزة تنفُّس صناعي و32 وحدة عزل فقط.

وقد أثَّرت هذه المعطيات في الحدِّ من قدرة القطاع الصحي في هذه المناطق على التعامل حتَّى مع الأمراض الاعتيادية، ومع الإصابات التي تُخلِّفها أعمال القصف، ناهيك عن التعامل مع فايروس جديد لا تتوفَّر خبرة سابقة في التعامل معه.

التحدي الثاني هو قلَّة المختبرات المجهَّزة لمتابعة تفشي الوباء، فقد خصصت الأمم المتحدة الدعم لمختبر ترصُّد وبائي واحد في عموم شمال غرب سورية، وقدَّمت دعماً متواضِعاً له لا يكفي لإجراء فحوصات على نطاق واسع للمشتبه بإصابتهم بالفايروس، حيث أنَّ المختبر التابع لمديرية صحَّة إدلب طاقته اليومية تتراوح بين 10 إلى 20 فحص يومي.

التحدّي الثالث هو تعدُّد الجهات العسكرية التي تُسيطر على المدن والبلداتِ في شمال غرب سورية، حيث يحول هذا الأمر دون تنفيذ آليةٍ أمنية معينة للتعامل مع المعابر التي تربط إدلب وشمال حلب مع مناطق النظام السوري ومناطق شمال شرق سورية.

وقد عملت وزارة الصحَّة في الحكومة السورية المؤقَّتة على ممارسة شكلٍ من أشكال الشفافية من خلال إصدار النشرات المستمرَّة التي تتحدث عن عدد الاختبارات اليومية التي يتم إجراؤها وعن نتائجها، وعن عدد الإصابات ومناطق انتشارها.

ويُلاحَظ أنَّ “حكومة الإنقاذ” في إدلب أتاحت المجال للحكومة السورية المؤقَّتة لتصدُّر المشهد فيما يتعلق بمواجهة الفايروس في محافظة إدلب، سعياً منها لعدم تحمل المسؤولية عن الأزمة، وتجنُّباً للسخط الشعبي – في حالة تفشي الفايروس- الذي يمكن أن يلحق بها وبهيئة تحرير الشَّام التي تقف خلفها، وإدراكاً منها لعدم امتلاكها شرعية دولية تتيح للأطراف الدولية التعامل معها بشكلٍ مباشر وتزويدها بالمعدَّات والتجهيزات الطبية اللازمة.

وتفتقر حكومة الإنقاذ إلى الهيكلية الإدارية الصحِّية في محافظة إدلب، إذ لا تتبع لها مديرية صحَّة إدلب، كما أنَّ المشافي الرئيسية في المحافظة لا ترتبط بحكومة الإنقاذ، وإنَّما تعتمد على شركاء من المنظمات الإنسانية، ولذلك اقتصر دور “الإنقاذ” في أغلب الأحيان على الجانب التوعوي، إلى جانب تعميمات منع التجمُّعات وإغلاق المسابح وملاهي الأطفال والحدائق العامة.

ولم تبدِ الفصائل العسكرية والمجموعات المرتبطة بها حتَّى يومنا هذا استجابة كبيرة للمخاطر التي قد تنجم على استمرار عمل المعابر غير النظامية، والتي تربط شمال غرب سورية مع مناطق سورية الأخرى وخاصة التابعة للنظام، حيث تستمرُّ عمليات تهريب البشر إلى شمال غرب سورية، وتشمل عمليات التهريب الشبَّان الذين يريدون الفرار من التجنيد الإجباري، أو النساء اللواتي يرغبن باللحاق بأزواجهن. وكان من نتائج ذلك وصول امرأة ستينية مصابة بالفايروس في الرابع والعشرين من تموز/يوليو إلى محافظة إدلب قادمة من مناطق سيطرة النظام السوري، ومخالطتها السكَّان الآخرين، الأمر الذي دفع السلطات المحلية إلى فرض حظرٍ شاملٍ على بلدة “سرمين” شرق إدلب.

 

 

3-شمال شرق سورية

تفتقر مناطق شمال شرق سورية الخاضعة لـ “الإدارة الذاتية” لوجود مختبراتٍ قادرة على القيام بفحوصات للكشف عن إصابات “كورونا”، حيث تعتمِد الإدارة على المنشآت الصحِّية التابعة للنظام السوري التي لا تزال “الإدارة” تسمح لها بالعمل.

ويبلغ عدد المشافي التي تتبع لـ “الإدارة الذاتية” 8 مشافٍ و58 مستوصفاً، وتملك هذه المشافي والمستوصفات 150 جهازاً للتنفُّس الصناعي و35 سريراً للعناية المركَّزة فقط، ومن المفترض أن تغطِّي هذه الأجهزة والأسرَّة قرابة مليون نسمة من السكَّان.

وتُظهِر هذه المعطيات تواضع القدرات الطبيَّة في مناطق “الإدارة الذاتية”، وعدم وجود توجُّهٍ لديها للإنفاق على البُنى التحتية الطبية، رغم الدعم المالي الذي تتلقَّاه من الجهات الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تخصِّص تمويلاً من أجل مشاريع “إعادة الاستقرار”.

وتؤكد هيئة الصحَّة في “الإدارة الذاتية” أنَّ عدد إصابات “كورونا” في مناطقها بلغ 6 إصاباتٍ مع حلول الرابع والعشرين من تموز/يوليو، لكنَّ هذه الأرقام لا يمكن الوثوق بها في ظلِّ عدم وجود مختبرات متخصِّصة بالفحوصات للكشف عن كورونا في مناطق “الإدارة الذاتية”، وعدم الثقة بمستوى شفافية “الإدارة” في التعاطي مع هذه الأزمة.

واتَّخذت “الإدارة الذاتية” جملة من الإجراءات من أجل الحدِّ من انتشار الوباء، أبرزها وقف التجنيد الإجباري لمدة ثلاثة أشهر، وإغلاق المعابر النظامية التي تربط مناطقها مع مناطق النظام السوري، ومنع مظاهر الاحتفالات الجماعية.

التوظيف السياسي لأزمة “كورونا” كان حاضراً لدى “الإدارة الذاتية” أيضاً، فقد شنَّت “إلهام أحمد” الرئيسة التنفيذية لـ “مجلس سورية الديمقراطية” هجوماً على منظمة الصحَّة العالمية، واتهمتها بأنَّها لم تقدم الدعم اللازم من أجل مواجهة كورونا إلى “الإدارة الذاتية” لاعتباراتٍ سياسية.

 

 

ثالثاً: أسباب تفشي الفايروس في سورية


1-تقديم الاعتبارات العسكرية والسياسية على السلامة العامَّة

يشير سلوك النظام السوري بوضوح إلى مراعاة الاعتبارات العسكرية والسياسية، وتقديمها على حساب السلامة العامَّة للسكَّان، ويتجلى ذلك من خلال عدم محاولته الفصل بين الميليشيات الإيرانية وباقي قوَّاته، رغم بلوغ الوباء ذروته في إيران في الفترة من شباط/فبراير وحتَّى نيسان/أبريل 2020، كما أنَّ النظام لم يقم بمنع قوافلِ “الحجَّاج الشيعة” التي تتوافد إلى محافظة دير الزور وبلدة السيِّدة زينب في ريف دمشق وبعض ضواحي العاصمة وإلى منطقة “المشهد” في حلب.

وبعد قرار السلطات اللبنانية منع وصول الطائرات الإيرانية إلى بيروت، تحوَّل مسار هذه الرحلات إلى دمشق، ليقوم المسافرون بعدها بالانتقال برّاً إلى لبنان، بما يعكس استهتاراً واضحاً من طرف النظام في التعامل مع الفايروس، و/أو عدم قدرته على رفض الترتيبات الإيرانية على الأرض السورية.

 

 

2-هشاشة القطاع الصحِّي

يُعاني القطاع الصحِّي من ضعفٍ مُزمِن منذ استلام حزب البعث لمقاليد السلطة، حيث عمل بشكل ممنهج على تركيز الموارد في المؤسَّسات الأمنية والعسكرية، مع إهمالٍ واضح لكلِّ المؤسَّسات الحيوية، بما فيها المؤسَّسات الصحِّية والتعليمية.

وكان هذا الضعف حتَّى ما قبل عام 2011 يدفع المرضى -حتَّى غير الميسورين منهم- للسفر للدول المجاورة، وخاصَّة الأردن ولبنان، للعلاج من أمراض معروفة وشائعة.
كما أنَّ ضعف الرواتب في القطاع الصحِّي وتردِّي أوضاعه، إضافة إلى الحكم الشمولي، دفعت بآلافٍ من الأطبَّاء السوريين للهجرة خلال العقود الماضية.
وزاد النظام من إهماله للقطاع الصحي بعد عام 2011، حيث استلزمت العمليات العسكرية التي قام بها تخصيص مزيدٍ من الموارد للمؤسَّستين الأمنية والعسكرية.
وقد تعرَّضت المنشآت الطبية في محافظة إدلب وقسمٍ كبير من مدينة حلب وريفها وريف محافظة حماة وريف حمص إلى تدميرٍ ممنهج جرَّاء هجمات الطيران الحربي.

 

 

3-غياب الجدية في التعامل مع الفايروس

برز الاستهتار في تعاطي الفاعلين المحليين مع أزمة كورونا في مواقف عديدة، وغالب تلك المواقف صادرة عن النظام السوري الذي اعتمد على سياسة الإنكار للأزمة، وبالتالي عدم التحرُّك الفعلي واتخاذ إجراءاتٍ وقائية حتَّى وقت قريب.

ورغم تفشِّي الوباء في دمشق وريفها، إلا أنَّ النظام أصرَّ على إجراء الانتخابات التشريعية في شهر تموز/يوليو، مُتجاهِلاً ما ينتج عنها من تجمُّعاتٍ واختلاطاتٍ بين المصابين والأصحَّاء. أي أنَّ النظام اختار الدعاية السياسية على المصلحة العامَّة.

ولا تزال الفصائل العسكرية في شمال غرب سورية تعيش بدورها حالة إنكارٍ مشابهة لبقيَّة الفاعلين في سورية، سواء من حيث استمرارها في رعاية عمليات التهريب للبضائع والبشر التي تتمُّ من مناطق النظام السوري إلى محافظة إدلب وشمال حلب، أو في عدم اتِّخاذ أيِّ خطواتٍ للحدِّ من انتشار الفايروس، حتَّى بين عناصرها، الأمر الذي يحمل في طيَّاته نوعاً من الاستهتار وعدم إدراك خطورة انتقال الفايروس إلى سكَّان إدلب وما حولها وبالتالي مخيَّماتِ اللاجئين.

 

 

رابعاً: مستقبل الوباء في سورية

لا تدعو المعطيات الحالية في سورية إلى التفاؤل حول مستقبل جائحة “كورونا” وإمكانية السيطرة عليها، بل قد تكون النتائج الحالية التي طفت على السطح بمثابة انكشافِ رأس جبل الجليد فقط.
الواقع الراهن يدفع للتوقُّع بتفاقم الأزمة خلال الأسابيع والأشهر القليلة القادمة، فالنظام السوري لم يقم حتَّى اللحظة بمنع التنقل بين المحافظات وبالتحديد الموبوءة منها، ولا يوجد خطواتٌ احترازية تحدُّ من حركة الميليشيات والوفود الإيرانية المشتبه بهم رقم واحد بنقل الفايروس إلى الأراضي السورية.

 

كما أنَّ استمرار معابر التهريب في شمال غرب وشمال شرق سورية يفتح بدوره باب التشاؤم حول مصير مناطق سيطرة الفصائل العسكرية المعارضة للنظام السوري ومناطق “الإدارة الذاتية”.
وتبقى الإشكالية الأهم في هذه القضية هي قدرة القطَّاع الصحِّي والمنشآت الطبية في مختلف مناطق سورية على التعامل مع مستوياتٍ أعلى من انتشار الفايروس، بالإضافة إلى تعدُّد السلطات التي تحكم تلك المناطق وعدم وجود استراتيجية موحَّدة لمكافحة انتشار الوباء، تشمل سورية بالكامل.

 

وفي ظلِّ هذه المعطيات يبدو انتشار الوباء بشكلٍ واسع على غرار ما حصل في دولٍ أخرى أمراً شبه حتمي، لكن تبقى مسألة تأثيره وما قد يخلِّفه من أضرار مرتبطةً بعوامل عديدة أهمُّها معدَّل الأعمار لدى السكَّان، والنمط الذي تشكَّلت عليه أجهزة المناعة للسكَّان المحليين وهذا أمر يتغيَّر بحسب نمط الحياة والأمن الغذائي وعوامل عديدة أخرى.

 

 

خلاصة

إنَّ أزمة “كورونا” جعلت دولاً متقدِّمة في المجال الصحِّي والعلمي تقف شبه عاجزة عن مكافحة الفايروس، بل إنَّ بعض هذه الدول ورغم امتلاكها لبُنى تحتية متطوِّرة لم تتمكَّن من استيعاب حجم الإصابات الكبيرة، الأمر الذي ساهم في زيادة عدد الوفيات.

وتبعاً للمعطيات السابقة يبدو أنَّ الخيار الوحيد المتاح أمام الفاعلين المحليين لمواجهة انتشار “الوباء” يتمثَّل في زيادة الإجراءات الاحترازية، كمنع التجمُّعات في الأسواق والأماكن العامَّة ودور العبادة وعزل بؤر الوباء عن باقي المناطق، لأنَّ التساهل في الوقاية من شأنه أن يرفع مُعدَّل الإصابات، ويضع القطَّاع الصحِّي والطبي في سورية أمام امتحانٍ صعبٍ للغاية.

 

وقد يكون من المفيد في سياق الإجراءات الاحترازية تصعيد الضغط السياسي على النظام السوري، عن طريق مخاطبة المنظَّمات الدولية ومطالبتها بممارسة الضغوط على النظام للتعاطي بشفافية أكبر مع أزمة “كورونا”، ودفعه للتعاطي معها بجدِّية أكبر.

 

 

 

 

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

تعليق