وقفة مع تجربة الفنان أحمد مادون، فقدناه في لحظة اكتماله فناً و رؤية وإنسانية | Palmyra Monitor

نوفمبر 25, 2020

وقفة مع تجربة الفنان أحمد مادون، فقدناه في لحظة اكتماله فناً و رؤية وإنسانية

وقفة مع تجربة الفنان أحمد مادون، فقدناه في لحظة اكتماله فناً و رؤية وإنسانية

دمشق 1978 – المعرض الخامس للفنان أحمد مادون في المركز الثقافي الفرنسي
دمشق 1978 – المعرض الخامس للفنان أحمد مادون في المركز الثقافي الفرنسي
ولد أحمد مادون عام 1941 في مدينة تدمر , نشأ في أحضانها وأتم دراسته الابتدائية فيها ,برزت موهبته الفنية في نهاية هذه المرحلة ثم انتقلت معه هذه الموهبة كمجال لممارستها من اطار المدرسة الى حياته اليومية بشكل عام وعلاقاته الاجتماعية , وكان عندما يتواجد في زيارة أو جلسة عائلية يحاول رسم أصدقائه وكل من حوله بأوضاع مختلفة (شخص متكئ – آخر يدخن سيجارة – شخص نائم ..) ثم انتقل في دراسته للمرحلة الاعدادية الى مدينة صافيتا في الساحل السوري التي تاثر بطبيعتها الساحرة وتولى رعايته فيها عمه القاضي والمستشار محمود مادون ومن ثم أكمل دراسته الثانوية في مدينة حمص العريقة .
حصل في عام 1960 على شهادة الدراسة الثانوية وكان ترتيبه الأول على محافظة حمص والثاني على القطر و نتيجة لتفوقه في الدراسة خير لارساله بعثة على حساب الدولة لدراسة الآثار في اسبانيا أو دراسة الاقتصاد والتجارة في مصر ..كان يرغب بدراسة الفن ولكن فرصة الاختيار لم تكن الا لهذين الفرعين فاختار دراسة الاقتصاد والتجارة في مصر .
يقول في احدى اللقاءات الصحفية (لقد بدأت الفنية في عام 1956 ولكن البدايات الاساسية للجهد المتواصل كان منذ عام 1960, رسمت من البيئة الريفية واستوحيت أعمالا من التشكيلات الموجودة في حياة القرى وفي الحس البدائي لدى الفلاح من خلال رصد ذوقه الجمالي ثم انتقلت الى مرحلة أخرى يمكن أن نسميها مرحلة التجريد المستند الى رموز الطبيعة .
لوحة .. الأرض للفنان أحمد مادون
تدمر بالنسبة لي منبع رئيسي للطبيعة والتذوق كما أن الفنون التدمرية الأصيلة ولا سيما مرحلة الذروة فيها أغنت تجربتي الفنية ..)
من خلال هذا اللقاء نلمس مدى تأثر الفنان ببيئته الأولى وموطنه الاصلي وطفولته وبالتمازج البيئي المختلف للقطر التي جعلته يتعرف على تقنيات ومفاهيم مختلفة .
مرحلة بدايات تكون النضج والوعي الفنية خاصة والحياة العامة (1961-1976)
وبعد أن أتم دراسته الجامعية وحصل على بكالوريوس الاقتصاد والتجارة قسم ادارة الأعمال أوفد الى اليابان لدراسة علوم الكومبيوترأقام خلال الستة أشهر من اقامته معرضا خاصا في طوكيو (غاليري كونوهانا) وذلك في بداية عام 1967 مما أكسبه تعرفه على ثقافة مختلفة وتقنيات ومفاهيم جديدة ظهرت في العديد من أعماله .
بعد عودته من اليابان عمل أحمد مادون في المكتب المركزي للاحصاء ما لبث أن غادر سورية متوجها الى الكويت التي عمل بها في شركة للنفط ويقيم فيها عامين ومن ثم يعود مجددا الى سورية .
مرحلة النضج الكامل وتكون الشخصية الفنية النهائية والمتميزة على الساحة المحلية والعالمية :
انتقل في عمله من مكان لاخر فمن مجلس الوزراء الى  وزارة الثقافة كمدير للمعارض الأجنبية , ومن ثم مديرا لمديرية النون الجميلة ,ثم مديرا لمركز أدهم اسماعيل للفنون الجميلة كان فيه السباق في فكرة انشاء دورات لتعليم الأطفال أصول الرسم وقد تخرج على يديه العديد من الأطفال وأيضا الشباب الذين أصبح منهم فنانين في وقتنا الحاضر وكان قد اتبع دورة في بريطانيا لتعليم الأطفال أصول الرسم كما قام الفنان بعدة سفرات استطلاعية الى دول أوروبية عديدة انعكست على العديد من أعماله .
 كانت أول مشاركة للفنان في المعارض الجماعية في عام 1972 وشارك في المعرض العالمي للفن الحديث في قاعة القصر الكبير (الغراند باليه) .أما بداية معارضه الشخصية كانت في عام 1976 حيث سئل كثيرا لماذا لم تعرض اعمالك الى الآن فأجاب : لقد بقيت خمسة عشر عاما لم اعرض لوحة واحدة وذلك على الرغم من الحاح الكثيرين , لماذا ؟ الاسباب كثيرة منها : الانتظار للوصول الى مستوى يرضي قناعتي , مشاهدة سقوط الكثرة من تجربة العرض الاول , ومتابعة استعجال البعض من دون بحث جدي متزن , غير أن أكبر هذه الأسباب هو الكسل الشخصي الذي مصدره الى احساسي خلال هذه الخمسة عشر عاما أن الفن هواية شخصية لا اكثر رغم ممارستها المرهقة يوميا والتي تلح علي الحاحا دواميا وغامضا , ببساطة لدي حماس كبير للمعارض لكن ابقى وأصر محافظا على الهواية في الاحتراف الى النهاية ولست بأمل من وراء ذلك الى غاية سوى توحيد طرفي المعادلة : الفن هو الحياة والحياة هي الفن .
أما لدى سؤاله عن البيئة والتراث أن لهما حضور خاص في أعماله أجاب : ربما كان مبعث ذلك نشأتي الأولى , في جو مفعم بالتراث –تدمر- وقد استمر ذلك الاهتمام وأظنه سيكون اهتماما دائما .
لنقل أن مرحلة التكوين التراثي (اذا جازت التسمية) بالنسبة لي قد حصلت ما قبل العشرين , وانسكبت في اللاشعور , وقد أضيف اليها ما يمكن أن أطلق عليه الاطلاع المستمر من خلال الزيارات التي قمت بها لبلاد متعددة أو وسائل الثقافة بمجموعها تلك المزاوجة برأيي هي ما يمكن أن تشكل الأساس الموضوعي لعملي الفني أمام الجانب الآخر فهو طريقي في الأخذ من ذلك كله , وبتواضع شديد ,أمام كل منجزات الحضارة البشرية أينما كانت … عندما أتذكر الان آلاف التماثيل آلاف اللوحات والاف الرؤى والمشاهد , لا أستطيع أن أحدد بالضبط أيهما يشدني أكثر أو ربما كنت أتمثل نصيحة الشاعر العربي لمبتدئ عندما قال عليك بحفظ عشرة آلاف بيت من الشعر فلما حفظها قال له وماذا بعد ؟! أجابه : عليك بنسيانها تماما …وبالطبع نسيها لكن بقيت في اعمق أعماق لاشعوره و عندها قال الآن تستطيع أن تكتب شعرا .
ومن زاوية ثانية , ان المتحف يبقى متحفا والتراث يبقى تراثا أي زمنا ماضيا والمشكلة أو مجمل الاشكاليات الفنية التي تجابهني لحظة العمل هي .. كي نصل ما انقطع , ونعمق الاتصال بالتراث ؟ وهذه مشكلة الزمن الحاضر الآتي .وفوق ذلك والاهم كيف نضمن لهذين الزمنين الماضي “التراث” والحاضر “لحظة العمل الفني” كيف نضمن لها حدا من الاستقرار في المستقبل ؟
أتذكر كلمة الفنان الراحل وليد عزت ( الرسم عندي يمثل القبض على لحظة هاربة ) وأضيف شيئا بسيطا لهذه العبارة وهي أن تجعل جزءا ( على الاقل ) من هذه اللحظة الهاربة يستمر ويستمر … ان الاستغراق في البيئة والتراث لم يمنعني يوما من النظر الى معطيات هذا العصر العجيب الذي نعيشه . لقد بلغ الانسان مرتبة عظيمة من حيث انجازاته العصرية , والتي يمكن ان يستخدمها بحكمته او بدونها … اما بضمان البقاء والعطاء , أو التدمير والفناء . وتلك الحالة من حالات الفصام التي ترافق بفقد الذاكرة الذي قد يكون فرديا او جماعيا .
ان التعلق المرضي – ولنسمه كذلك – بالتراث مثل محاولة الخروج على التراث بحجة كونه باليا . مما يوصلنا الى ما يدعى (السنوبيسم) العصري , او الى حد الصرعة بكل مظاهرها  … لاشك ان الملاءمة بين الاحتمالات الكبرى الكاذبة لهذا العصر , وما يمكن اخذه من البيئة والتراث , واعادة صياغته بالضرورة المواتية , لكي يصبح معاصرا بدون انغلاق او سطحية في التعامل مع المادة لانها وسيلة العمل الفني , وليست نهايته .
انني أؤمن وبثقة كاملة , بضرورة معاملة العمل الفني كجسد حي . والتحدي الكبير في العمل الفني , والرسم بشكل خاص هو كيف يجعل الفنان السطح الابيض عالما ينبض بالحياة والامال , وتجاوز الاحباطات الكثيرة , الموضوعة في طريق الانسان خلال حياته على هذه الارض , مع الاهتداء بالفكر والشعر معا من حيث الصياغة التكتيكية البحتة , وبناء هذا العالم النابض المسمى عملا فنيا ..
أهم المعارض الفنية في تلك المرحلة :
المعرض الأول في دمشق – صالة أورنينا في الرابع من نيسان 1976م.
المعرض الثاني في دمشق – صالة أورنينا في الحادي والعشرين من أيار 1977م.
المعرض الثالث في حلب – المتحف الوطني في الأول من نيسان عام 1978م.
المعرض الرابع في دمشق – المركز الثقافي العربي   في العاشر من حزيران 1978م.
المعرض الخامس في دمشق – المركز الثقافي الفرنسي   في العشرين من تشرين الثاني 1979م.
المعرض السادس في رومانيا – متحف كونستانزا للفنون – عام 1979.
المعرض السابع والأخير في دمشق – المركز الثقافي العربي في السادس والعشرين من شباط 1983م.
أعمال الفنان أحمد مادون مقتناة في المتحف الوطني بدمشق – متحف دمر للفن الحديث وفي مجموعات خاصة في سوريا – ألمانيا – بلجيكا – فرنسا – سويسرا – السويد – امريكا – اليابان – الهند – المكسيك – جمهورية التشيك والعديد من دول العالم.
توفي عام 1983م.

المصدر: التاريخ السوري المعاصر

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

تعليق