يونيو 05, 2020

أحمد الياسين: شعب يندثر …

أحمد الياسين: شعب يندثر …

شعب يندثر شعب يندثر شعب يندثر 

ليس فناء جرهم، أو عاد، أو ثمود أكثر إيلاما، أو أقلّ ماساةً من فنائنا.
لكنّ أحدا لن يجيد كتابة فصول مأساتنا، لأنّها ببساطة خارج المنطق واالتاريخ، وحدثت قبل مرحلة التدوين، وقبل اكتشاف المسماريّة، أو الهيروغليفيّة.

مأساتنا حدثت في زمن التوحّش الامريكيّ، والطاعون الروسيّ، والفيض الروحانيّ الفارسيّ، وهذا زمنٌ خارج التاريخ، ولا يخضع لقانون الوفرة أو الندرة، إنّه زمن الموت الحلال والعيش الحرام.

مدينةٌ أهلوها يطعمون اليتيم، ويقرون الضيف، وإمام مسجدها يشرب الشاي عند اطلال معبد وثنيّ ليست كافرة، وليست مؤمنة، وليست بين المنزلتين،
فتبّا ً للموتين القادمين من الشمال أو الغرب، وتبّا ً للرفاق ونقيضهم، تبّا للضدّين اللذين كانا قواما لديالكتيك الموت المعلن وغير المعلن.

في مدينتي التي يحتفل قاتلوها بالتناوب بانتصاراتهم على شعبها لم تلد امرأة طفلا واحدا على أرضها منذ خمس سنين مضت، ولم يتزوّج عاشق من حبيبة، كان قد وعدها بطوق ياسمين منذ موتين منشطرين انشطار خلايا السرطان إلى ألف موت.

من الموت إلى ما يشبه الحياة هرب الهنود الحمر التدمريّون، لم يكن مالك بن الريب معهم، ليكتب قصيدة عن حصانه المتعب، لقد هربوا مشيا على الأقدام، وهرولة، ورملا.

في المنافي السوريّة أدركوا أن ّ كذبة نسيج المجتمع السوريّ وفسيفسائه بضاعة صينيّة ليس اكثر، وأنّ المؤمنين بها من قارئي تولستوي ومكسيم غوركي ونيقوس كازنتزاكي وغيرهم يشبهون الماعز التي تجترّ طعامها الرديء في أزمنة القحط.

هناك في بلاد النزوح يتمّ تصنيفهم تصنيفا مجحفا كما تصنّف الآلات: ياباني، وألماني، وصيني، والماني شغل جرمانا، وكوري شغل حلب.

كان عليهم أن يبحثوا عن جغرافيا، ليست موجودة إلّا في مخيّلتهم، وأن يرحلوا إلى أرض لم يكتشفها الإنسان القديم أو الجديد، إلى أرض تليق بالمتعبين من الحياة، والهاربين من الموت.

كان عليهم أن ينظروا إلى الأشياء ذاتها بعيون جديدة؛ ليدركوا أنّ اكتشاف الحقيقة ليس له علاقة برؤية أشياء جديدة.
الذين ماتوا منهم على يد الكفّار، والمؤمنين، والجندرما ماتوا بلا القاب، أو أوسمة، ماتوا ليقولوا للرفاق التائبين، وللمؤمنين الجدد: اخجلوا، فالذين ماتوا لم يموتوا من أجل مجدكم الكاذب.

كانوا يقولون للذين يظنّون أنّ العناية الإلهيّة قد أرسلتهم؛ ليكونوا الأبطال المجهولين والمعروفين: إنّ أحدا من مدينتنا لن يصفّق لأحدٍ منكم، كانوا يقولون للمغرمين بأدوار البطولة المطلقة أو الجزئية: إنّ سوريا الجميلة لا تعترف لأحد منكم بالرجولة؛ فكيف لها أن تعترف ببطولاتكم.

كانوا يقولون للرفاق القدامى، وللأشاوس الجدد: أنتم متشابهون فأنتم توءم غير كاذب مولود من رحم البغاء، وإنّ تجّار الحروب الحقيقيّين ليسوا أولئك الذين يتاجرون بقوت الشعب، إنّهم الذين يبحثون عن البطولة، والمجد، والكراسي في ظلّ كلّ هذا الخراب.

وانتم ايّها الأشاوس المتمسّكون بالبطولة لا عذر لكم؛ أمّا الرفاق فالذنب تحمل وزره كتاتيب الانتهازيّة، الرفاقيّة، القوميّة، العالميّة، المحلّيّة التي رضعوا من حليبها النتن أطفالا، ويافعين، وكهولا.

امّا مدينتي فسوف تقول: إن ّ الذي قتلوه ظلما وقهرا هو منّي، والطفل الرضيع الذي ذبح بوحشيّة هو منّي، والمرأة التي اتّهمت بالزنا هي منّي، فمجّدوا قتلاي الذين أكلوا من تمر نخيلي، ولا تمجّدوا القتلة، والمعفّشين، والمعفّشات، والغانمين، والغانمات؛ فالذين ماتوا هم الانقياء.

وكانت تقول: حين تنتهي المسرحيّة البائسة، سأحرق كلّ شخوص مسرح العرائس المصنوعين من بقايا ثياب البعث، والإخوان، و الذين كانوا يتزاحمون على دور البطولة بعيدا عن أفقا.

وكانت تقول: عودوا جميعا بعد نهاية الفصل الأخير، وأحبّوا بعضكم، وسأكون بانتظاركم.

 

أحمد الياسينزي بوست

 

Comments

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *