بكر صدقي: قصة التدمريين الخمسة عشر في سجن تدمر | Palmyra Monitor

ديسمبر 02, 2020

بكر صدقي: قصة التدمريين الخمسة عشر في سجن تدمر

بكر صدقي: قصة التدمريين الخمسة عشر في سجن تدمر

منفردات سجن تدمر

جاؤوا بهم من سجن تدمر، بعدما أنهوا أحكامهم. كانت أعمارهم دون 18 سنة حين اعتقلوا، فنجوا من حكم الإعدام بأحكام أخف بلغت بضع سنوات. كانت تهمتهم “أحداث شغب” وهو ما يعني نوعاً من التظاهر في الشارع، على خلفية التمرد المسلح للطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين بين عامي 1980 – 1982.

كان عددهم خمسة عشر فتىً، حليقي الرؤوس، هزيلي الأجسام، يرتدون أسمالاً بالية، متشابهين جميعاً كما لو كانوا نسخاً مكررة عن شخص واحد، أي تلك الصورة النمطية لمن يخرج من جحيم سجن تدمر الصحراوي. كان لافتاً في مسلكهم أنهم يمشون، في باحة سجن حلب المركزي، فرادى ورؤوسهم منحنية نحو الأرض. دون أن يتمكنوا من التخلص من هذا السلوك الغريب إلا بعد فترة.

سألهم بعض السجناء من نزلاء سجن حلب “الأصليين” عن سبب إحناء رؤوسهم، فقالوا إنها من القواعد الملزمة في سجن تدمر الذي أمضوا فيه بضع سنوات من أعمارهم الغضة.

مضت الأيام والأسابيع والشهور، وقد يئس أولئك الفتية تعيسي الحظ من استعادة حريتهم، رغم انتهاء فترة محكومياتهم. وهكذا فهمنا أن انتهاء المحكومية لا يعني استعادة الحرية، بل يعني فقط الخروج من سجن تدمر إلى سجن آخر عادي حيث يعود العمل بالتوقيف العرفي المفتوح.

إلى أن كان ذات يوم خميس. دخل شرطي إلى الجناح ومشى بسرعة إلى المهجع العاشر، حيث سجناء تدمر السابقون، وتلا أمام الباب ذي الشبك الحديدي اسم أحدهم وقال له: “ضب أغراضك بسرعة!”

بسرعة! بعد سنوات من الزمن المتوقف، وبعد أشهر من انقطاع حبل الأمل بالخروج، يقول السجان “بسرعة”! لا وقت لديهم للانتظار، كل أعمالهم تتم بسرعة حين تصدر الأوامر.

خلال دقائق كان الفتى المحظوظ قد “ضب أغراضه” وخرج مودعاً، في حين ساد الوجوم والإحباط زملاءه الذين تركهم وراءه. إذن فقد تقرر إطلاق سراح واحد فقط من خمسة عشر سجيناً أنهوا حكمهم، والاحتفاظ بالبقية إلى ما شاء أصحاب القرار.

مرت الأيام وقد انتهت انفعالات يوم إطلاق سراح الفتى المحظوظ، وعاد الجناح إلى روتينه اليومي وزمنه الدائري الساكن.

بعد أسبوعين بالضبط، أي في يوم الخميس الثالث، بعد ذلك الحدث، جاء الشرطي بنفس اللهفة والحماسة وتلا اسماً ثانياً من المجموعة التدمرية إياها، وطلب منه “ضبَّ أغراضه بسرعة”!

إذن لم ينسوا البقية، كما خيل لنا في الأسبوعين الماضيين، بل قد يأتي الدور على الجميع في الوقت الذي يراه أصحاب القرار مناسباً. وهكذا أصبح جميع الأفراد المتبقين من المجموعة ينتظرون دورهم، بعدما استعادوا الأمل. فقضيتهم واحدة، وأحكامهم واحدة، ولا شيء يبرر اختلاف مصائرهم.

لكن الأيام مضت بطيئة، كان الأمل يتضاءل بانقضاء كل يوم جديد، دون أن يتكرر ذلك الإيعاز المشتهى: “ضب أغراضك بسرعة!”.

غير أننا أخطأنا التقدير مرة أخرى. فالنظام المخابراتي لديه دائماً ما يفاجئنا به. بعد أسبوعين إضافيين، بالتمام والكمال، في نفس التوقيت تقريباً من يوم الخميس بعد التالي، أذيع اسم ثالث من المجموعة وقيلت له الجملة السحرية نفسها: “ضب أغراضك بسرعة”!

أية أغراض يا رجل؟ السجين لا يملك أغراضاً تستحق اصطحابها إلى خارج السجن.

وانقلب المزاج العام للمجموعة حين أدركت “قانون لافوازيه” المخابراتي الجديد: كل أسبوعين يخرج واحد من المجموعة التي أنهت أحكامها في سجن تدمر ونقلت إلى سجن حلب لإطلاق سراحهم، واحداً واحداً، بلا أي استعجال. ولم الاستعجال؟ فليتهيأ التالي للخروج بعد أسبوعين، ويا ما أحلى الأسبوعين في سجن عادي، بعد سنوات أمضوها في الجحيم!

ولكن من هو التالي؟ هذا هو سؤال المليون. فلا أحد يخبرهم بالاسم التالي المرشح للخروج. وهكذا صار جميع من تبقوا من المجموعة يستعدون للخروج منذ مساء الأربعاء، ويودعون شباب الجناح، وفي صباح الخميس “الكبيس” يكون الجميع قد استحم وارتدى ثياب خروج نظيفة ولائقة، بقدر المستطاع، وجلسوا ينتظرون ما يشبه سحب القرعة. ساعات رهيبة من الانتظار والقلق إلى أن يظهر الشرطي مسرعاً في خطواته، يصل إلى المهجع العاشر، ويذيع اسم الفائز في القرعة لذلك الخميس الكبيس. فيضب هذا أغراضه أو نفسه ويخرج “بسرعة” تاركاً وراءه زملاءه المحبطين.

كان يوم الخميس هو يوم الزيارات في جناح السياسية في سجن حلب. كان وقت الزيارات ينتهي، ويتم توزيع ما جاء به الزوار على أصحابه، ثم تأتي دورية إطلاق سراح سجناء المهجع العاشر. ولكن ليس كل خميس مثل الزيارات، بل خميس كبيس وخميس عادي. عمل “قانون لافوازيه” هذا بدقة ساعة سويسرية. فلم يخيِّب الظن مرة واحدة. وخرجت المجموعة كلها بتلك الوتيرة الثابتة، من غير أي خلل!

لنحسب، الآن، الزمن بين خروج أول واحد من المجموعة وآخر واحد: 15×2= 30 أسبوعاً، أي سبعة أشهر بالتمام والكمال! ما يعادل عقوبة سجن قائمة بذاتها.

جهاز الأسد القمعي يتفوق على نفسه في التفنن في إيذاء الناس. ليس الاعتقال وحده مؤلماً ومؤذياً، بل يحدث أن يكون إخلاء السبيل كذلك أيضاً.

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

تعليق