العميد أحمد رحال: خرائط سورية تُرسم من جديد والبداية من التنف | Palmyra Monitor

نوفمبر 24, 2020

العميد أحمد رحال: خرائط سورية تُرسم من جديد والبداية من التنف

العميد أحمد رحال: خرائط سورية تُرسم من جديد والبداية من التنف

الحركية والمناورة العالية والمحاور التي تتحرك بها مؤخراً ميليشيات الأسد والميليشيات الطائفية الإيرانية وتوابعها تٌعطي صورة واضحة عن الاستراتيجية الروسية الجديدة في سورية, تلك الاستراتيجية التي استطاعت خلال العشرين شهراً الماضية (وهو عمر الاحتلال الروسي للأراضي السورية) من إنقاذ نظام الأسد ومنعه من الانهيار وفك العزلة والحصار المفروض عليه في المدن والمنطقة الساحلية من قبل الجيش الحر وانطلاقه مجدداً نحو المجنبات والأطراف وحتى ملامسة الحدود التي كان فقدها بمعظمها خلال سنوات الثورة التي سبقت التدخل الروسي, الأسد وبعد الخسارات المتتالية السابقة التي مٌني بها ودفعته للبحث عن سورية المفيدة (الدويلة العلوية) الممتدة من أطراف الجولان باتجاه دمشق وصولاً للساحل مروراً بالقلمون وحمص وأطراف حماه, ينتقل الآن عبر الاستراتيجية الجديدة إلى سورية الكبرى مرة أخرى مع ترك الجزيرة السورية ومحافظة إدلب كمنطقة تتصارع بها قوى الثورة وميليشيات قوات سورية الديموقراطية “قسد” إضافة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
إطلاق فصائل الجيش الحر لمعركة “بركان البادية” يوم الاثنين 22-5-2017 ممثلة بفصائل “جيش مغاوير الثورة” و”جيش سورية الجديد” و”أسود الشرقية” و”جيش أحرار العشائر” و”كتائب الشهيد أحمد العبدو”,  كانت عبارة عن ناقوس الخطر الذي طرقته تلك الفصائل وشكلت ما يشابه معركة استباقية تلمست الشر القادم المتمثل بالتحشدات التي تقودها غرفة عمليات إيرانية تتموضع قرب مطار دمشق الدولي “المقر الزجاجي” عبر ميليشيات عراقية- إيرانية- أسدية- لبنانية تتحرك من سورية والعراق (الحشد الشيعي) بإمرة قاسم سليماني وموجهه ضد المناطق التي سيطر عليها الجيش الحر في الأشهر الأخيرة قرب مخيم الركبان ومعبر التنف ومحيطه على مثلت الحدود العراقية- السورية- الأردنية بعد معارك ضارية خاضتها فصائل الثورة ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”, وهذه المناطق كان قد تخلى عنها النظام منذ سنوات بعد أن شعر بعدم قدرته على القتال والتواجد بكل المساحات الجغرافية السورية مفضلاً الانسحاب وتركيز جهوده العسكرية على المدن والمناطق الاستراتيجية ذات الأهمية القصوى.
محاور القتال:
الميليشيات الداعمة للأسد والتي تقاتل بمظلة جوية روسية تقدمت عبر محاور ثلاث:
المحور الأول: محور ريف حمص الشرقي وفيه استطاعت أن تسيطر على صوانات المحسة وسد القريتين ومحطة القطار وتلول الاتصالات وقرية أم طويقية, ويقاتل على هذا المحور ميليشيات الأسد ولواء القدس الذي تم استقدامه من مدينة حلب مستفيداً من نتائج أستانة واتفاق تخفيض التصعيد في المناطق الأربعة الساخنة.
المحور الثاني: محور ريف دمشق الشرقي (طريق بغداد- دمشق) وفيه سيطرت تلك الميليشيات على منطقة السبع بيار وحاجز ظاظا, ويقاتل عليه ميليشيات “الأبدال” وميليشيات “كتائب الإمام علي” مع بعض عصابات الأسد.
المحور الثالث: محور ريف السويداء الشمالي الشرقي وفيه حققت أيضاً تلك الميليشيات تقدماً بارزاً عبر سيطرتها على آبار الرصيعي وسد الزلف وضهرة أم السلاسل والعيثية, ويقاتل عليه عصابات الأسد مدعومة بمليشيات الدفاع الوطني وبعض شراذم تيار التوحيد اللبناني الذي يتزعمه حليف الاسد وئام وهاب والمتمثل بـ “بسرايا التوحيد”.
أهمية المنطقة:
البادية السورية التي تشكل بمجمل مساحتها ما قيمته 40% من المساحة الجغرافية السورية وتشكل أهمية جيوسياسية ونقطة قوة يمكن أن تستثمر على طاولة الحل النهائي, إضافة للميزات الجغرافية والحدودية لتلك البادية التي تتصل حدودها مع العراق والأردن وتقترب من الحدود مع المملكة العربية السعودية وإن كانت لا تلامسها, وأهميتها تختلف باختلاف الأطراف المتقاتلة.
روسياً تشكل المنطقة أهمية قصوى كونها تٌعطي إطلالة روسية على الحدود العراقية وتقربها من حدود الأردن بعد ورود معلومات عن إقامة قاعدة روسية في شرقي السويداء.
على الصعيد الايراني المنطقة تشكل أهمية قصوى لمشروع إيران الصفوي التمددي كون خطوط إمدادها البري تعبر تلك المناطق وتصل الممرات البرية من طهران إلى بيروت عبر بغداد والموصل ودمشق, والواضح أن سيطرت “داعش” السابقة على تلك المناطق لم تزعج إيران ونظام الأسد مما يؤكد مدى التعاون الوثيق بينهما وأن طرق الإمداد عبرها كانت مفتوحة من قبل تنظيم داعش, لكن سيطرة فصائل الجيش الحر عليها مؤخراً أدت لإغلاق تلك الممرات وهذا ما يٌفسر هجوم تلك الميليشيات الآن على تلك المناطق.
على صعيد الأردن أيضاً تشكل تلك المعركة أهمية خاصة له باعتبار أن الأردن يرفض وجود ميليشيات طائفية على حدوده وهذا ما أكده وزير الخارجية الأردنية لنظيره الروسي وأكد عليه الملك عبد الله عندما هدد باللجوء لتكتيك الدفاع بالعمق إذا ما تهددت حدوده مع سورية أو اقتربت تلك الميليشيات منها.
الجيش الحر وأمريكا والتحالف أيضاً تشكل تلك المنطقة مجالاً حيوياً دفعت بغرفة الموم ومنذ أكثر من عام لتدريب قوات من الجيش الحر على يد البريطانيين والأمريكيين وأطلقت معركة آلت نتائجها لتحرير “معبر التنف” من سيطرة تنظيم “داعش” بعد دعمهم جوياً وبرياً عبر المدفعية الصاروخية “ميلرز” من داخل الحدود الأردنية, وتشكل المنطقة أيضاً نقطة استناد ومنطقة نفوذ لا يمكن أن يتخلى عنها الأمريكان, لذلك وجدنا أن طائرات التحالف قامت بقصف أحد أرتال الميليشيات الداعمة للأسد والمتقدم باتجاه معبر التنف بعد اقترابه لمسافات خطرة (35كم) من مناطق تموضع فصائل الجيش الحر وحلفائه (البريطانيين والأمريكيين والنرويجيين) وبعد إنذار وجهته واشنطن لتلك الميليشيات عبر غرفة عمليات الروس في حميميم وقيل حينها أن إيران رفضت التحذير فكانت الضربة الجوية للتحالف والتي دمرت هذا الرتل ودفعت بالرتل الثاني للانسحاب.
طبيعة المعركة:
القتال في البادية السورية ونظراً لطبيعتها المنبسطة هو من أصعب أنواع القتال “القتال في الصحراء” بعد معارك المدن كونها مناطق مكشوفة ولا إمكانية للعمل من خلف هياكل ساترة أو تضاريس تٌخفي تحركات القوات أو اتخاذ أية إجراءات تمويهية تضلل الطرف الآخر, إضافة لكون الوحدات التي تقاتل فيها تشكل أهدافاً بارزة وتعطي الكثير من الحيوية والمناورة للطيران برصدها وتتبعها واستهدافها وبأقل الإمكانيات الجوية.
الوقائع تقول أننا أمام حرب مركبة وصراع نفوذ ومعارك مفتوحة في منطقة مفتوحة عبر خليط دولي معظم أدواته فصائل غير منضبطة وغير مركزة, الجميع يسعى لخلق أوراق ضاغطة قد تشكل نقاط قوى على طاولة المفاوضات إذا ما كان هناك حلاً قادماً في المدى المتوسط أو القريب.
لكن الخطورة الأكبر في هذا الصراع تكمن بأن تكون تلك المعارك مقدمة تمهد لخرائط جديدة تٌرسم الآن بأقدام المتحاربين عبر توسيع رقع السيطرة العسكرية للأطراف المتناحرة ذات الاستقطابات الدولية لتشكل الخارطة السورية المستقبلية التي تٌمزق فيها الجغرافية السورية وترسخ حدوداً لكانتونات منفصلة ذات صبغة طائفية أو قومية تجعل من الاقتتال بينها يمتد لسنوات طوال.

 

العميد الركن أحمد رحال-محلل عسكري واستراتيجي

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

تعليق