يونيو 05, 2020

الحوليات الأثرية العربية السورية، بيوت تدمرية شرقي معبد نبو

الحوليات الأثرية العربية السورية، بيوت تدمرية شرقي معبد نبو

 

 يدور البحث حول جزء من حي سكني يقع بين معبد نبو غرباً والشارع الرئيسي الممتد من البوابة الكبيرة باتجاه معبد بل جرى تنقيبه بين عامي 1964 ـ 1965.
جاء في كتاب “تدمر والتدمريون” للدكتور عدنان البني أن تدمر في العصر التدمري الهيلنستي كانت ممتدة بين النبع الكبريتي المعروف باسم أفقا والنبع الموجود في الحي الشمالي الغربي، وكانت مبانيها وحتى مدافنها مشيدة في قسمها الأعظم باللبن وغيره من المواد القابلة للزوال مع الزمن، كما كانت مبانيها الرئيسية مبنية بالحجر الكلسي الأصفر الطري ومزينة بزخارف ذات أسلوب طبيعي تتداخل فيها الزخارف الشرقية مع الزخارف الهلنستية.
 وقد عثر على أمثلة كثيرة من المنحوتات المذكورة بعضها معروض في متحف تدمر وبعضها الآخر في متحف دمشق. ولم يكن للمدينة بالأصل مخطط عمراني واضح مثل أفاميا واللاذقية ودمشق لكن المخطط الذي نراه الآن هو تعديل متأخر يعود لمطلع القرن الثالث الميلادي. وكان جانب معبد نبو الشمالي ضحية للتنظيمات العمرانية التي أجريت وإنشاء الشارع الممتد من البوابة الكبيرة باتجاه ما يسمى بالتترابيل.
ولعل المعبد المذكور تهدم عام 273م ولم يرمم بعد ذلك. ونظراً لوجود هذا الحي بين معبد نبو والشارع الممتد باتجاه معبد بل أصاب بيوته التعديل وقطعت منها أقسام أصبحت في عالم النسيان.
وفي المدينة القديمة التي تناولها التنظيم الجديد روعي أحياناً تصحيح انحراف الشوارع الفرعية للاتصال بالأحياء القديمة. ويلاحظ ذلك في الرواق الغربي للشارع المتجه نحو معبد بل والفارق واضح من أسلوب العمارة المستحدثة والعمارة السابقة.
 في جزء من الحي الذي نحن بصدده مجموعة من الحجرات والردهات بعضها ملامس لجدار حرم معبد نبو وكأنه اقتطع بدوره أيضاً بعض الأجزاء من الحي الذي كان في هذه الناحية. والجدران مشيدة بالحجارة المنحوتة بسماكة تتراوح بين 60 و90 سم وكانت الأقسام العلوية مبنية غالباً من اللبن. إن أرضية الحجرة رقم (1) الواقعة في الجانب الغربي الشمالي مبلطة بحجارة حوارية منحوتة وفي وسط طرفها الجنوبي فقرة عمود كانت مستخدمة لأعمال صناعية وإلى جوارها من الشرق غرفة أخرى مبلطة تجاور المخازن المحدثة في الشارع الكبير وهي أيضاً مبلطة بحجارة مستطيلة ومربعة ولها عتبة باب بلغ عرضها 150 سم وعليها آثار مكان المزلاج واضحة على أرضها: وعلى مقربة منها ممر مبلط به عتبة أيضاً بعرض متر، كان يؤدي إلى ردهة مقياسها 5.5×3.5 متر. بقي منها بعض البلاطات على الجوانب وجدارها الشرقي منتظم البنيان، ولعله جدد خلال تنظيم المخازن المطلة على الشارع وهي تشكل ردهة توزيع للغرف المجاورة وتحمل رقم 4.

 ومن أبرز أقسام البناء القاعة رقم 3 مقاييسها 7.20×5.0 متر وهي مبلطة بالحجارة وفيها حوض ماء من الحجر وإلى جواره كرسي على شكل فقرة عمود، ومن الحوض باتجاه الزاوية الشمالية مجرى للماء منحوت ضمن حجارة الأرض المبلطة ينتهي ببالوعة مستديرة ينتهي إليها الماء. وكانت هذه القاعة قد أعدت على ما نعتقد لصباغ الصوف والدلالة على ذلك الجرن الحجري السالف ذكره والقاعدة التي يمكن تنظيف الصوف فوقها.
 وإلى جوار القاعدة مصطبة أخرى مبنية من الحجر للغاية نفسها. يلي هذه القاعة غرفة أصغر حجماً مبلطة بحجارة منحوتة كبيرة وصغيرة وإلى الجنوب منها تحمل الرقم /7/، وبالإضافة إلى بلاطها المنتظم عثر عند زاويتها الشرقية الجنوبية على رحوين من البازلت اسطوانيي الشكل ينقصهما العنصر المخروطي. ومثل هذه الطواحين تستخدم في طحن الحبوب المتنوعة والبهارات والملح ولعل صاحبها كان يصنع التوابل التي اشتهرت بنقلها القوافل القادمة من الشرق لتباع محلياً ويصدَّر منها ما يجب تصديره. وللقاعة المذكورة باب يطل على الغرفة المجاورة رقم /5/ مبلطة بأحجار أصغر حجماً من التي سبق ذكرها، وهي أقل تنظيماً.
غير أن جدارها الشرقي بني على شكل الجدران الأحدث عهداً ويختلف مجموع هذه القاعات والغرف عن البيوت التي قوامها الباحة والغرف المحيطة بها. ويمكن أن تكون الغرفة رقم /4/ هي الفسحة الوحيدة في هذه المجموعة لوجود ثلاث عتبات أبواب عليها آثار مراكز دوران الأبواب. ويتراوح عرض هذه الأبواب بين متر ومتر ونصف، وأحد هذه الأبواب يتصل بالغرفة رقم /6/.
ولابد من التنويه بأن كثير من أقسام الجدران منتزعة بكاملها. والردهة رقم /9/ تضم في داخلها فوهة بئر وحوضاً حجرياً كبيراً طوله قرابة 2.5 متر أُعدَّ لتخديم المواقع المجاورة.

 وإذا ما انتقلنا إلى الشارع المنحرف الموجود في الجهة الجنوبية في هذه المجموعة، نجد في وسط الغرف المجاورة له مدخلاً للحي الذي أشرنا إليه سابقاً يحمل الرقم /10/ كان يغلق من الداخل والخارج لوجود عتبتين بعرض 2.5 متر للأبواب اللازمة للإغلاق. ولدى إنشاء الشارع في مطلع القرن الثالث الميلادي سعى المهندسون لإيجاد مدخل لهذا الحي بشكل منحرف لكي يتلاءم مع تنظيم الحي القديم. وقد بلغ عرض الطريق القديم 2.80 متر بحيث يمكن للعربات والقوافل أن تسلكه.
 وفي الجانب الجنوبي للطريق المذكورة غرف مبلطة أيضاً ببلاط صغير وكبير، أما في الغرفة /14/ فقد عثر عند زاويتها على بئر وحوض مستدير، وتقع هذه خلف غرفة المائدة التي تتوسط المخازن ويجاورها درج معد للصعود إلى سطح المخازن. وبمحاذاة الدرج والمخازن المطلة على الشارع الرئيسي السالف ذكره معبد حوريات الماء أو السقاية علماً أن بحثنا هذا يقتصر على البيوت القديمة السالف ذكرها والتي تعتبر من نواة المدينة الهلنستية التي امتدت إلى مسافة لا يستهان بها. ويجدر التنويه بأن استمرارية السكن في العصور المتأخرة أدت إلى إزالة كثير من العناصر المعمارية.

 

نسيب صليبي – الحوليات الأثرية العربية السورية|المجلد الثاني والأربعون|1996

Comments

comments

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *