يقين في مخيم الركبان …

يطلقون على سكّان مخيم الركبان توصيف النازحين، لبداهة أنهم ما زالوا ضمن حدود البلد الذي ينتمون إليه. في الواقع، هم في منطقة سيادة أحد الاحتلالات الخمسة التي تقسّم سورية، سيادة النفوذ الأميركي الذي يقوم بدعم كتائبَ محلّيةٍ معارضةٍ يطلقون على أنفسهم “مغاوير الثورة”، وهم يسيطرون أمنياً على المخيّم ويحكمونه، حتى أن مَنْ يريد من الأهالي الخروج منه سوف يحتاج ما تُسمّى براءة ذمّة. في الوقت نفسه، لا نستطيع أن نقول إنهم لاجئون. رسمياً لا يزالون داخل الحدود الجغرافية السورية، لكنهم محاصرون من قوات نظام بلدهم المفترض! إنهم في الحالة العصيّة على التوصيف، وأقرب توصيفٍ لها ربما يشرح حالهم هو: أن نقول عنهم إنهم تجمّع بشري يوجد في مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية قرب قاعدة التنف العسكرية الأميركية، ووجود هذه القاعدة يجعل نسيانهم صعباً في تلك المنطقة التي كانت طريقاً لدخول الإمدادات العسكرية الإيرانية إلى سورية. أخرج الأميركيون الإيرانيين منها، وأعادوا تموضع احتلالٍ جديدٍ.

آلافٌ من السوريين، أغلبهم من النساء والأطفال، يتوزّعون على مساحة خمسة كيلومترات بين سواتر رملية في صحراءَ مقفرةٍ، يغمرهم الثلج شتاءً وتذيبهم الشمس صيفاً، حيث رمَتْ بهم الأقدار هناك. هربوا من الموت السريع تحت القصف ليواجهوا الموت البطيء تحت أنظار العالم مباشرة. لم يتوقّف أهل الركبان عن المناشدة والنداء، هم عائلاتٌ في أغلبهم من ريف حمص الشرقي؛ منهم أيضاً عائلاتٌ من ريف الجزيرة السورية، هؤلاء هم أهل الركبان، وقصّة ابنتهم يقين ستُضاف إلى آلاف القصص التي ينشغل العالم بها إلى حين أن تخرجَ قصّةٌ أكثر فظاعةً في التراجيديا السورية.

المخيم أحد تحوّلات أشكال الاحتلال في زمن الرأسمالية المعاصرة

ما الذي حصل ليقين التي تنتشر صورها ويتحدّثون عنها؟ لماذا نتلصّص على عذاباتها، ومَنْ هو المسؤول عمّا حلّ بها؟! عمرُ يقين تجاوز 200 يومٍ. ومنذ ولادتها وهي تعاني من مرض غريب؛ إذ وُلدت بفتحةٍ في سقف حلقها، وهي تحت خطر الموت. لم تفلحْ كل المناشدات والاستغاثات التي أطلقها أهلُها، وبعضُ الجمعيات الإغاثية، وناشطو حقوق الإنسان، في أن تجعل المجتمع الدولي، أو غيره من مؤسّسات الأمم المتحدة الواقفة على الحياد، ولا حتى دول الجوار، تتأثّر بقصّتها والتحرّك لإنقاذها، فهي قصّةٌ عاديةٌ لن توقفَ دوران الأرض، ولن تضيف شيئاً إلى عادية موت السوريين وسرعته، حتى لو كانت رضيعةً خرجت صورتُها من مكانٍ يشبه العدم، بالنسبة للعالم المتفرّج، فلا بأس من أن تعود إليه، ولن تخيف أحداً نظراتُها وهي تحدّق فينا. وجهها النحيل الذي يذكّرنا بوجوه أطفال المجاعات الأفريقية سوف يختفي بعد حين بصورة أكثر رعباً لنا، وربما نعتادها. لا بأس إنها سوريّةٌ أخرى! ولن يغيّر في الأمر شيئاً، فقد صرنا أرقاماً.

يقين ليست نازحةً، فقد وُلدت الطفلة في مكان يشبه وجه العالم الجديد وإنسانيته الحديثة، وهي في منطقةٍ خارج حدود العالم، حتى لو كانوا يسمّونها سورية. لا تعرف يقين أن تلك المنطقة تسكنها 1400 عائلة، يقدّر عدد أفرادها بثمانية آلافٍ، وهم معلّقون مثلها خارج حدود التصنيف. هذا هو أحد تحوّلات أشكال الاحتلال في زمن الرأسمالية المعاصرة، يسمّون تلك المناطق الزائدة عن حاجة العالم، والتي لا بأس أن يموت فقراؤها آلافاً وآلافا، هذا غير مهمّ، ونحن لولا ديمقراطية الإنترنت وشعبويته، وما أتاحته الثورة الرقمية للبشر في التعبير عن فردانيّتهم وذواتهم، لما كنّا ربما سمعْنا بها.

لا تعرف الطفلة يقين أنها ليست لاجئة، ولا حتى نازحة، ولا تفهم لِمَ يطلقون على المكان الذي وُلدت فيه اسم المخيّم، الذي سبق وحاول سكّانه الخروج هرباً من الموت جوعاً وعطشاً باتجاه مناطق النظام، فاعتُقل بعضهم، وتمّ تجنيد البعض الآخر للقتال على جبهاته، ومَنْ بقي من أهالي المخيّم طالبوا بفكّ الحصار عنهم، وتأمين ممرّاتٍ بشرية لخروجهم إلى مناطق خارج سيطرته في الشمال، فهم لا يأمنون لِمَا سيفعله النظام بهم، وهذا الأخير بدوره لم يستجب لمطالبهم، وبقيت قوّاته تحاصرهم. كذلك لم تستجبْ روسيا لندائهم المتكرّر، وهي التي كانت عرّابة خروج الدفعات الأولى من المخيّم إلى مناطق النظام، إنهم محاصرون من كل الجهات؛ الاحتلال الأميركي، الروسي، الأسدي، ودول الجوار!

لا تعرف يقين أنها ليست لاجئة، ولا حتى نازحة، ولا تفهم لِمَ يطلقون على المكان الذي وُلدت فيه اسم المخيّم

أمّا لماذا وصل الحال بهم إلى هنا فلأنهم من الفقراء الذين لا يملكون لقمة عيشهم حتى، ووصلوا إلى الحدود الأردنية في التوقيت الذي أغلق فيه الأردن حدوده بعدما استقبل مليونا و300 ألف لاجئ. إنهم محاصرون تماماً بلا أفق! ممنوعون من التقدّم أو التراجع، ويقين، الرضيعة التي وُلدت بينهم في مكانٍ لا خبز فيه، ولا أدوية، ولا ماء، لن يساعدها استعراض عضلات الأميركان أمام وسائل الإعلام بزياراتٍ خاطفةٍ لمستوصفٍ فقير بالأدوات الطبّية، ولا محاولات حفر بئر قد تنقذهم من الموت عطشاً.

يقين وأهلها، بحسب موقع شقائهم الاستراتيجي، لن يشكّلوا ورقة ضغطٍ على طاولة المفاوضات، لاقتسام السيادة والغنائم من المَقتلة كحال النازحين واللاجئين في شمال سورية. إنهم في منطقةٍ قد حُسم أمرها جيوبوليتكياً، على الأقلّ مؤقتاً، كما لا يمكن الغشّ بمصائرهم كما يحصل مع تجمّعات سوريّة أخرى وتحويلهم إلى بيادق في اللعبة، وتأمّلِ أن شيئاً من أحوالهم سيتغير. لا توجد أيُّ زخرفةٍ في تجميل مأساتهم، هم ليسوا مُهمّين لأي مساومةٍ أو إعادة تدوير مصالح الدول المحتلّة. إنهم اختصار الحقيقة العارية عن حال السوريين. مع ذلك، ورغم تأصيل فظاعة ما يحصل لهم ولابنتهم يقين، هذا الحال على الأقلّ سيكون أقلّ نفاقاً في ما يُصدره المجتمع الدولي والأمم المتحدة من ادّعاءاتٍ، عندما يصل الأمر إلى التعامل مع نوعٍ كهذا من القضايا الإنسانية، قضايا قائمة على النوع السياسي أولاً وأخيراً، إن جاز لنا التعبير والاستعارة.

 

المصدر : العربي الجديد

تعليق