واحة الزيتون: قصائد تدمرية شعر ياسين فرجاني

3
ياسين فرجاني

والتي وقف التاريخ عندها وقفات طويلة .. تدمر المدينة الأثرية التي تختزن في أوابدها عراقة الماضي

وأصالة الفن والسحر لم تغب عن بال شاعرنا الذي أحبها وغناها أجمل القوافي والألحان

لقد سكنت قلبه وسيطرت على كل مشاعره وأحاسيسه فكتب لها الكثير وأفرد لها ديواناً شعرياً خاصاً بها سماه (واحة الزيتون )قصائد تدمرية بعناوين مختلفة

يقول مخاطباً تدمر الواحة الجميلة الخضراء المزروعة بأشجار الزيتون والنخيل الكثيفة:

واحة الزيتون والدرب سنا مرّ بالسفح .. وجاز المنحنى قبل الوادي

وفي أجفانه حلمه الضاحي رغاب ومنى جنة الحسن على أفنانها أينع السحر وطاب المجتنى

وكيف لا تسحره وتشده هذه المدينة الغالية وهي أرض آبائه وأجداده وملاعب طفولته

على رمالها درج طفلاً صغيراً وفي مدارسها تعلم وبين حجارتها وأطلالها وتحت أفياء واحتها لعب ولها وفي نبعها الكبريتي الصافي الرقراق واستحم وابترد

إنها عروسة الصحراء ولؤلؤتها المشعة ألقاً وحضارة ومجداً وسحراً -المدينة العابقة بصهيل الأمجاد التي أحبها كثيراً وخلف فيها أجمل ذكريات شبابه ولم يتغير هذا الحب اللاهب بالشوق وهذا ما عبر عنه شاعرنا في قصيدته (في الطريق إلى تدمر) حيث يقول: أتيت وأغرودة تُسكِرُ أماني من غفوة تنشر هواي هواي على عهده لهيب من الوجد(يا تدمر) إنه المحب والعاشق لها وها هو يعود إليها بعد غياب والشوق يغمره وقلبه يطير فرحاً وحنيناً وتتراءى له عروسة جميلة وفتنة من السحر والجمال

غادة مغناج تسبي عاشقيها ويتجلى هذا الحب الشديد في قصيدته (حبيبتي تدمر) التي يصف فيها لوعته قائلاً: عدتُ والشوق إليها غامري وفؤادي في جناحي طائر يسبق الطرف شراعي نحوها في خضمٍ من حنين زاخر هذه تدمر من خلف الربا تتجلى فتنة للناظر غادة تسبي بثغرٍ باسمٍ عاشقيها

وبطرف فاتر ومن خلال قصيدته هذه يصفها أجمل وصف حسي مادي رائع فتدمر الواحة الجميلة الظليلة تارة وأخرى كالماسة الثمينة المشعة في خاتم ثمين دقيق الصنع لا شبيه له فيقول: واحة فيروزة في خاتم مترف الصنع يتيم نادر وهو لا ينسى تراب تدمر ورمالها ووديانها وبروحه يفدي ترابها العاطر ومن دموعه الغزيرة يسقيه ليظل رطباً ندياً ذاك التراب الذي أودع فيه رفات أمه وأبيه في وادٍ رحيب طاهر وما أغلاه: وبروحي تربة أغليتها سقيت من فيض دمعي الهامر تربة أودعت أمي وأبي قرب واديها الرحيب الطاهر

ولم ينس الشاعر طبيعة تدمر الساحرة الهادئة وكيف لا وحبها في قلبه فوصف صباحها الجميل وليلها المقمر الآسر قائلاً فيها: أين مني غدوة في تدمر ورََواحٌ تحت ليل مقمر وأطلالها وأوابدها التاريخية ما تزال شامخة رغم آلاف السنين شاهدة حية تنطق بالروعة وعظمة الأجداد الذين بنوها وما أجملها يقول في وصفها: بين أطلالٍ روانٍ أبداً ما ثلات في رحاب الأدهر ناطقات روعة في كل ما أسفرت عنه وما لم تسفر وستبقى تدمر أغنية المجد الأبدية التي ترددها الأجيال على مدى الزمان وسيبقى العرب والعالم أجمع يتذكر ملكتها العظيمة (زنوبيا)وبطولتها وأمجادها وفتوحاتها، هكذا يخبرنا عنها شاعرنا بقوله:

تدمر الزهراء يا أنشودةً رددتها سالفات الأعصر غنت الدنيا بها(زنوبيا) عَرباً فوق متون الضمر

إن صورة مدينته راحتها وأطلالها وسحر جوّها ظلت مرتسمة في مخيلة الشاعر وذاكرته لا تبارحه أبداً وها هو يعود ليرسمها لنا في لوحات من الشعر الأصيل والصور الحية النابضة بالحركة والحياة إن حبه لها يتأجج في وجدانه ويتغلغل في أعماقه ودمائه ولها حضورها الدائم إذ يقف شاعرنا عاجزاً مذهولاً أمام عظمة الأجداد والأمجاد والبناء الذي لا مثيل له فيقول: هذي الأوابد في التاريخ معرقةٌ ما مثلهن بنى فيما مضى بآن لو كان للنجم أن يختار منزلةً غير الأثير لكنت الموطن الثاني ورغم البعد وجراح النوى التي آلمته وعصفت في قلبه المفعم بالحب لتدمر سيبقى وفياً لها يتذكرها ولن ينساها

تلك الأم التي أرضعته حليب الحب والوفاء وعهده باق لا يتغير أبداً نحوها فيقول مخاطباً إياها بلفظ الأم وأي لفظ أجمل وأروع وأغلى منه متمنياً أن يعود شاباً متذكراً أمسه الذي مضى وذكريات عمره التي يغتلي حبها في قلبه قائلاً: أنا ياأم على العهد وإن عصفت بي ريح نأي فاعذري أذكر الأمس فوجد يغتلي في فؤادي وحنين يعتري ليت أن العمر ما زال بنا عند أعتاب الصبا لم يكبر

هذه تدمر حبيبة ومدينة الشاعر التي نمى حبها وتوهج في قلبه وغناها أجمل قصائده العذاب ولم ينسها وهو في أشد حالات المرض ولم يتوقف عن البوح لها ونقل مشاعره وأحاسيسه الصادقة وتسجيل حالات الوجد والعشق معلناً حبه العظيم لها الذي لا تمحوه السنون وهو أسير حب كبير لها كما يقول: كل حب زائل غير الذي لك مني فسيبقى آسري

هكذا وقف شاعر تدمر الكبير ياسين فرجاني حبه لتدمر أهلاً وأرضاً مؤكداً حقيقة حية بأنه باق على العهد لها ولا يمكن نسيانها رغم مرور الزمن فقلبه سيظل معلقاً وخفاقاً بها وأجمل الحب هو حب الأهل والأرض والوطن وما أنبل هذا الحب الصادق الطاهر العابق بشذى الشوق والحنين والذكريات

وقد عبر عنه شاعرنا أجمل وأبلغ وأصدق تعبير عندما خاطب حبيبته ومدينته الخالدة تدمر قائلاً : بيني وبينك عهدٌ لست أخفره تفنى الليالي وعهدي ليس بالفاني والحب أنبله معنى وعاطفة ما كان وقفاً على أهلٍ وأوطانِ * *

 

هوامش:

ديوان واحة الزيتون 
قصائد تدمرية شعر ياسين فرجاني

 

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق