الحرب تسعى دائما لقطع شريان العيش وتفسد نبض الفرح والمعرفة، تماما كما حصل في سوريا طيلة السنوات الماضية، لكن الحياة تنتصر دائما والدليل المواقع الأثرية في كل الدنيا التي تتعرض دائما لمحاولات الهدم لكنها تبقى قادرة على نفض غبار الدمار، مثلما تفعل مدينة تدمر في سوريا التي ستظل شاهدة على تعلق البشرية بالجمال والحب.

يعرف المغرمون من العرب والغرب بالسياحة ما تتمتع به سوريا من طبيعة وشلالات وغابات كما يعرف هؤلاء آثارها الموغلة في القدم من مسارح وكنائس ومساجد شاهدة على مرور مختلف الحضارات، فهي الحاضنة لمختلف الأديان والثقافات، لذلك كان عشاق التاريخ والطبيعة والترفيه يأتون إلى دمشق واللاذقية وحمص وحلب باستمرار، لكن الحرب منعت تدفقهم في السنوات الأخيرة.

مع بداية الموسم السياحي الحالي، استقبلت سوريا مؤخراً، وفدا سياحيا متعدد الجنسيات جاء فيه كنديون وفرنسيون وألمان وإسبان وسويسريون، منهم من يعرف البلاد وزارها سابقا مرة أو مرات، ومنهم من يأتي لأول مرة في مغامرة لاكتشاف الكنوز الأثرية قبل أن يداهمها الاندثار، كما زارت وفود إعلامية مدينة تدمر التاريخية التي لحقها الكثير من الدمار لتعاين جمالها الذي لا يندثر.

وبعيدا عن الجدل حول قدوم هؤلاء السياح بمحض إرادتهم أو استدعتهم السلطات السورية في إطار إعادة تنشيط الحركة السياحية، فإن تصريحات هؤلاء السياح وما اشتغل عليه الإعلاميون من ريبورتاجات وأفلام وثائقية سيروجان لسوريا كوجهة سياحية مازالت تستحق الزيارة.

المجموعة السياحية تضم 35 زائرا ذهبوا إلى مدينة تدمر واطلعوا على معبد بل الشهير وقوس النصر وشارع الأعمدة والتترابيل،  وهي أعمدة تسمى أيضا “المصلبَّة” وتوجد في الطريق المستقيم عند تقاطعه مع الشارع المعاكس.

وتتألف التترابيل من أربع مجموعات، كل واحدة مؤلفة من أربعة أعمدة، تيجانها كورنثية، وكانت غرانيتية زهرية اللون جلبت من أسوان في وادي النيل لم يبق منها سوى واحد، والبقية رممت بأعمدة غرانيتية عادية، مبنية على قاعدة، سقوفها وأفاريزها مزخرفة.

وزار هؤلاء السياح المسرح الأثري والأغورا واطلعوا على أبرز المواقع الأثرية الأخرى في المدينة القديمة، وأجمعوا في تصريحاتهم التي أوردتها وكالة الأنباء السورية (سانا) على أن سوريا وجهة سياحية متنوعة، كما أثنوا على أن تدمر مدينة أثرية يحتاج كل من يهتم بالإنجازات البشرية عبر التاريخ أن يزورها.

وأكد السائح الفرنسي آلاند لوبينيه أن زيارته إلى سوريا بمثابة رسالة محبة وسلام لبلد التاريخ والإرث الإنساني والتي تشكل بداية الحضارة من الشرق إلى الغرب.

ولفت إلى أن تدمر تزخر بالمواقع الأثرية رغم ما أصابها من دمار، داعيا المنظمات الدولية المختصة بالآثار إلى المساهمة في إعادة ترميم تلك المعالم التاريخية لتعود إلى ما كانت عليه في السابق.

وأشارت الفرنسية جيزيل فلو المختصة في طب الأعصاب إلى أن تدمر مدينة جميلة للغاية ومكان يستحق الزيارة، لافتة إلى عزمها على تكرار زيارتها ونقل مشاهداتها عن المدينة التاريخية وسوريا البلد الآمن والحضاري وشعبها الراقي والمضياف إلى الشعب الفرنسي.

وتعتبر مدينة تدمر الأثرية من أقدم المدن التاريخية في العالم، تنتشر أوابدها على مساحة كبيرة ومدرجة منذ عام 1980 على لائحة اليونسكو للأماكن التاريخية المحمية دوليا.

وقال الكندي ولتر باترك “كنت في البداية خائفا ومترددا في الذهاب إلى سوريا، لكن مخاوفي تبددت حين وطأت أرض هذا البلد الذي يشكل مهد الحضارات، واجتزت الطريق الصحراوي الطويل بين دمشق وتدمر، وفرحت بتحقيق حلمي في زيارة هذه المدينة الأعجوبة”.

وأشار البروفيسور الكندي إلى أنه سوف يعمل عند عودته إلى بلاده على إعطاء الصورة الصحيحة حول انطباعه عن الشعب السوري المضياف واستقباله للزوار، مؤكدا أنه سيعمل على تشجيع أصدقائه وزملائه وطلابه على زيارة البلاد التي تستحق شد الرحال إليها والاطلاع عليها عن قرب.

واستعدادا للموسم السياحي، تولي وزارة السياحة أهمية لمهنة الدلالة السياحية من خلال إقامة دورات يشارك فيها أدلاء من مختلف المحافظات، ولاسيما بعد تزايد أعداد السياح والزوار مقارنة بالأعوام السابقة وضرورة تأمين جميع الخدمات ومقومات المنتج السياحي.

وقالت السائحة الإسبانية كريستينا إن تدمر تزخر بالأماكن التاريخية التي تعتبر متحفا مفتوحا في الهواء الطلق.

أما أكينيا وهي أيضا إسبانية، فأشارت إلى أن حلمها تحقق بزيارة مدينة تدمر، قائلة “سأنقل مشاهداتي لجميع أصدقائي ومعارفي لتشجيعهم على زيارة سوريا ومشاهدة حضارتها النادرة في العالم ومقابلة شعبها الطيب المضياف”.

وتعمل مجموعة من الإعلاميين الأجانب على إعداد ريبورتاجات وأفلام وثائقية حول الإمكانيات السياحية لمدينة تدمر، وأمن الطريق المؤدي إليها، حيث قالت الصحافية الإسبانية أخيلا رويديسو إنها أعدت فيلما وثائقيا إلى جانب ريبورتاج لبرنامج التقرير الأسبوعي في التلفزيون الإسباني عن مدينة تدمر وأهميتها التاريخية التي تعد إرثا إنسانيا يهم كل البشرية.

وأشارت رويديسو إلى أن مدينة تدمر التي تصدت أيضا قديما للرومان ستبقى رمزا للحرب بين الهمجية والحضارة، مؤكدة أن الهدف من أعمال التصوير تغيير وجهة نظر الرأي العام تجاه ما يحدث في سوريا وأن تكون نظرته أوسع مما كانت تروج له وسائل إعلام عالمية.

وقام المخرج الإيطالي ماركو بوتوكا بتصوير وتسجيل فيلم وثائقي عن المواقع التاريخية والحضارية في سوريا، وخاصة مدينة تدمر، ودور طريق الحرير الدولي في ازدهار المدينة في القرون الميلادية الأولى، وإبراز حضارة الملكة العربية زنوبيا وانتصاراتها التي قدمت للعالم ثقافة حضارية وإرثا إنسانيا.

وأكد مقدم الفيلم الصحافي الإيطالي سيبستيان كيتو أنه تم التركيز في هذا الفيلم على مدينة تدمر ودورها في نشر الثقافة الإنسانية في أنحاء العالم كافة، فضلا عن امتياز تدمر بأجواء تصويرية رائعة، كونها تمتلك كل مقومات المشاهد المطلوبة والتي تعطي نقاء للصورة بطبيعتها وسمائها الصافية.

وتبقى سوريا بمعالمها الأثرية وطبيعتها المتنوعة وجهة سياحية للكثير من عشاق الترحال والاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى، لكن تبقى المشكلة الأمنية هي الحاجز بينها وبين السياح.

صحيفة العرب

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق