نظام الأسد دمية هشة بين الميليشيات المحلية والخارجية

199

(*) هنا القسم الثاني من رسالة الروائي السوري المقيم في ألمانيا مازن عرفة، بعد نشر القسم الأول. وهي من سلسلة رسائل يوجهها الشعراء والكتّاب مع نهاية العام 2020، باقتراح وطلب من “المدن”.

بعد ما يقارب العشر سنوات من بدء “الانتفاضة” في سوريا، لم يعد هناك في الواقع ما يشير لها كدولة، وكيان سياسي، في وقت ترزح فيه تحت احتلالات مباشرة؛ من روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا. ويضاف إليها الاحتلال الإسرائيلي غير المباشر، على الأقل للأجواء السورية، دون نسيان الجولان المحتل. وبعيداً من الصراع الإسرائيلي ـ الإيراني، المحدد ضمن أطر ردود أفعال معينة، فإن هذه الاحتلالات تتناغم في ما بينها، وتتجنب الاصطدام المباشر، من دون إلغاء تكالبها على ثروات البلاد، التي يسارع رأس “النظام ـ الدمية” إلى منحها مجاناً للروس والإيرانيين، مقابل البقاء على كرسيه، الجاثم على أكثر من مليون قتيل، وأضعاف ذلك من الجرحى ومشوهي الحرب، وتهجير ثلثي السكان، سواء في الداخل أو إلى الخارج، وخراب ودمار شامل للبلاد. وقد قدم ثروات البلاد استثمارات مجانية طويلة المدى لهما، كدفعات لفواتير مشاركتهم في حروب بقاء نظامه وبقائه شخصياً.

يمثل وجود رأس النظام ـ الدمية، بحاشيته المافياوية الضيقة، محصلة توازن هشة بين مجموعات الميليشيات المحلية والخارجية، والمافيات الطائفية، وعصابات رجال الأعمال. وهو لا يمتلك سلطة فعلية عليها، بل هو طرف أساسي في الصراعات في ما بينها، على من ينهب أكثر، ويمتلك أكثر. أما قادة بقايا جيشه المهلهل، فيرتبطون مباشرة إما بإيران أو روسيا. 
منذ ما قبل “الانتفاضة” كان الجيش النظامي ـ “العقائدي” يسرق موارد الدولة، ويسرق نفسه، ويسرق عناصره التي تؤدي الخدمة الإلزامية. وإلى جانبه كانت عناصر الجيوش الخاصة “الإنكشارية الطائفية”، التي أُنشئت من أجل قمع أي تحرك شعبي ضد النظام، لا تتقن سوى السرقة وتهريب البضائع الممنوعة. ومع “الانتفاضة”، تشكل إلى جانب “فلول الجيش النظامي”، بعد الانشقاقات عنه، وإلى جانب الجيوش الخاصة، خليط من الميليشيات المحلية، الطائفية والحزبية وأصحاب السوابق. وأصبح الجميع  يعوض عن رواتبه الهزيلة، بموافقات رسمية علنية بـ”تعفيش” مناطق “الانتفاضة”، التي تم تهجير من بقي من أهلها حياً، بعد قصفها بالبراميل المتفجرة. في حين كانت “الحيتان” ـ أذرع العائلة الحاكمة ـ تنهب البنية التحتية للدولة في المناطق المدمرة منهجياً. فيما تفرض مئات الحواجز الأمنية، المنتشرة بكثافة في كل مناطق النظام، الإتاوات على مرور البضائع والسيارات والناس، في غياب تام لمفهوم “الدولة”.

انتشر خطف “الرهائن المدنية” مقابل فدية مالية عالية، والاستيلاء على المنازل والأراضي التي فر مالكوها، هرباً من الاعتقال. أصبح كل شيء قابلاً للسرقة والنهب، حتى مجرد السؤال عن مصير المعتقلين كان ثمنه مبالغ كبيرة. وبعدما سُرِق كل شيء، التفتت الميليشيات والمافيات والعصابات إلى سرقة بعضها البعض. أصبح النهب هو المحرك الأساسي للحياة الاقتصادية المادية، وخاصة بعد التدمير الممنهج للمصانع والمزارع ومؤسسات الدولة، مقابل عملة ورقية أخذت تفقد قيمتها أكثر فأكثر حتى وصولها إلى الحضيض. وفي هذا الأثناء يشارك المحتلون الروس والإيرانيون في نهب رسمي للثروات… حدث هذا بزمن طويل قبل فرض قوانين “قيصر” الاميركية.

أما الإسلاميون، بكل تلوناتهم، سواء على مستوى التنظيمات السياسية أو الجمعيات أو الأفراد، فما زالوا يقدمون الرؤى الميثولوجية الغيبية كحلول للمشاكل السياسية والاجتماعية والأخلاقية، عبر سلسلة لانهائية من “الفتاوى” البدائية، وفرضها، عندما تسنح لهم الفرصة، بـ”حد السيف”. لا فرق هنا من يرتدي “ربطة عنق”، ويحمل بندقية، ومن يرتدي الزي الأفغاني، ويستخدم السيف. وهم لا يستطيعون مواجهة حقائق الحياة المعاصرة، بسبب خلل بنيوي في طريقة تفكيرهم، متلفعين بغيبياتهم الخرافية المطلقة، التي تجعلهم يعيشون في انفصام مع الواقع. وينطبق هذا بشكل أساسي على مواقفهم السياسية ـ الأخلاقية من رفض أشكال الدولة المدنية الحديثة المعاصرة، بتعبيراتها الديمقراطية المعاصرة وفصل السلطات وتداولها. والأخطر من هذا أن التكفير لديهم لا ينال فقط المخالفين لهم  بالعقيدة، وإنما أيضاً المخالفين بالرأي من دائرة العقيدة الإسلامية نفسها. وبطرائق تفكيرهم هذه، خربوا “الانتفاضة السلمية المدنية” ضد النظام الديكتاتوري، فما أن تسيطر مجموعة صغيرة على منطقة ببضعة أمتار، حتى تحولها إلى “دويلة إسلامية”، تطبق عليها حدود الشرع الخاصة بفتاويها.

وقد تحولت هذه المجموعات الدينية إلى أدوات لمشاريع خليجية وتركية (وحتى إيرانية)، بـ”إله جاهز للإيجار”، و”مرتزقة بالدولار”. ويمكن لهذه الدول التي تدعمهم أن تتخلى عنهم في أي لحظة، بعد أن تستنفذ فرص الاستفادة منهم، بل ويمكن أن تقدمهم قرباناً على مسرح السياسة الدولية. ولا يفترق عن هذه المجموعات المذكورة بطرائق التفكير تلك الفئات الذيلية، مما يسمون بـ”فقيه السلطان”، التي تفتي للحاكم، مبررة أفعاله بمسوغات دينية، سواء كان بعباءة صحراء أو ببذلة جنرال. ويكدسهم الآن الديكتاتور السوري كجيش من “متخلفي العقول” لابتزاز الناس في مشاعرهم الدينية.

ولا يفترق “الإسلام الشيعي” عن الإسلام السني” بطرائق التفكير الميثولوجية، والتكفير، والتعصب الأعمى، سوى بدرجة أعلى من الجنون الجمعي. يحدث هذا من خلال العودة إلى توهمات خرافية في التاريخ، كمبرر لوجوده، يسعى لنقلها إلى الحاضر بطقوس مازوشية، واستغلالها في تعصبه الأعمى وإشعال حروبه. ولولا وجود الروس والأميركيين والإسرائيليين على أرض الواقع، لبدا الصراع “شيعياً ـ سنياً” بالكامل، على عكس ما قامت على أساسه فكرة “الانتفاضة السورية المدنية”.

عندما أنظر إلى الدماء السورية الغزيرة، التي تسيل في البلاد، والدمار الشامل الذي أصابها، والمآسي الإنسانية التي خلفتها الحرب، وكما يحدث في كل الحروب، ما زلت أكتشف انه ليس هناك إله، بل آلهة… إله لكل دين، إله لكل طائفة، إله لكل عشيرة، إله لكل عائلة، إله لكل ديكتاتور… إله لكل رجل دين. يحمل كل إله سيفاً بين أسنانه يقطر دماً، يسلمه لأتباعه، ويطلب منهم تقديم قرابين بشرية مستمرة. 

أكتب هذا النص وأنا أفكر في هذه المرحلة بالسوريين…

… الأموات ـ الأحياء في القلوب، من كل الأطراف، ممن قتلوا بوحشية تحت التعذيب في المعتقلات، ورميت جثثهم في مقابر جماعية غير معروفة، بعدما انتزعت مافيات السلطة أعضاءهم البشرية وباعتها دولياً.. والذين ماتوا تحت أنقاض بيوتهم المدمرة بالبراميل المتفجرة… الذين خُطفوا مقابل الفدية المالية أو كرهائن، ولم يعودوا أحياء… ممن ماتوا أو اختفوا في متاهات طرق الهجرة، وبخاصة من غرق منهم في البحار… ماتوا ودمعة في قلوبهم، وهم يودعون الحياة.

… الأموات ـ الأحياء، الذين اغتالهم وباء الكورونا في البلاد، في غياب أدنى المعايير الصحية، التي تحترم الإنسان. … والأحياء ـ الأموات، الذين يموتون كل يوم عشر مرات، وهم يقفون في طوابير الخبز والغاز والمازوت، ويشحذون اللهفة من أجل لقمة طعام.

… والأحياء ـ العجائز مبكراًً، الذين اقتلعوا من البلاد، وتم رميهم في منافي المهاجر. فلا هم بقادرين على الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، أو العودة إلى حطام بيوتهم، وقد تحولت ذكريات حياتهم الماضية إلى حنين مرضي جارف، يقودهم إلى الموت المبكر. هل نسيت أحداً؟… ربما أنفسنا، المتشظاة إلى درجة الضياع.

مازن عرفة.مواليد قطنا ـ محافظة ريف دمشق ـ سوريا ـ 15 /12 / 1955إجازة في الآداب ـ قسم اللغة الفرنسية ـ جامعة دمشق ـ 1983.ـ دكتوراه في العلوم الإنسانية ـ تخصص علم المكتبات والمعلوماتمن جامعة ماري كوري سكودوفسكا في مدينة لوبلين ـ بولونيا 1990.ـ المؤلفات:ـ العالم العربي في الكتابات البولونية في القرن التاسع عشر (باللغة البولونية)، لوبلين 1994.ـ سحر الكتاب وفتنة الصورة: من الثقافة النصية إلى سلطة اللامرئي، سوريا، دمشق،  دار التكوين.ـ وصايا الغبار (رواية)، سوريا، دمشق، دار التكوين، 2011.ـ تراجيديا الثقافة العربية، سوريا، دمشق،  2014.   ـ الغرانيق  (رواية) ـ دار أنطوان هاشيت ـ بيروت ـ 2017، 356ص. ـ سرير على الجبهة ( رواية) ـ دار أنطوان هاشيت ـ بيروت ـ 2019.

تعليق

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق