في مخيم الركبان:مواجهة لهيب الصحراء السورية بأدوات العصور الوسطى

8

في منطقة صحراوية تزيد من قساوة ارتفاع درجات الحرارة وتلهب الأقدام والرؤوس، يحمل أبو خالد، أحد قاطني مخيم الركبان المحاصر في البادية السورية بالقرب من الحدود الأردنية، عبوات بلاستيكية رفقة أطفاله في رحلة مكوكية لجلب المياه، بعد تضاعف حاجته لها في ظل الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة خلال أشهر الصيف، والتي زادت عن أربعين درجة مئوية.

يقطع أبو خالد، نحو 500 متر في كل مرة يريد فيها الحصول على المياه من المناهل الموزعة على الساتر الأردني.

وتجهد ربات المنازل في مخيم الركبان المحاصر لإبقاء أولادهن داخل البيوت الطينية التي يسكنونها، خوفاً من التعرض للإصابة بـ«ضربة الشمس».

يشتكي سكان المخيم من ارتفاع درجات الحرارة مع غياب الحلول أو الاستجابة لما يعيشونه من قبل المنظمات الإنسانية، ويصف أبو خالد ما يعيشه سكان الركبان في أشهر الصيف بـ«المأساة»، لا سيما أنهم موجودون في بيئة صحراوية قاحلة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

يقول أبو خالد إنه يكرر عملية نقل المياه عدة مرات يومياً لتلبية احتياجات المياه المتزايدة، بعد أن أصبحت وسيلة لتبريد أجساد أطفاله كبديل عن وسائل التكييف باهظة الثمن، كما أن قلة فرص العمل تمنعه من دفع ثمن صهريج المياه، مما يدفعه للاعتماد على ذراعيه وعلى أطفاله في عملية النقل، إذ تصل كلفة نقل خمسة براميل من المياه داخل الساتر إلى نحو 3 آلاف ليرة، تزيد كلما ابتعدنا عن الساتر لتصل إلى 10 آلاف ليرة على أطراف المخيم، والتي تبعد نحو خمسة كيلو مترات عن مناهل المياه.

ويقول أبو حسين، أحد سكان مخيم الركبان، إنه نتيجة ارتفاع درجات الحرارة يرشّ المياه داخل البيت وخارجه «للحصول على نسمة هواء باردة تخفف من معاناة أمه الكبيرة في السن، والتي لا تحتمل هذه الحرارة المرتفعة». ويضيف أبو حسين بأن رش المياه هو الحل المتاح عند معظم سكان المخيم، في ظل ارتفاع أسعار أجهزة التكييف الأخرى كالمراوح والمكيفات وأجهزة الطاقة الشمسية المستخدمة لتوليد الكهرباء.

حاول أبو شادي، أحد النازحين المقيمين في مخيم الركبان، مقاومة ارتفاع درجات الحرارة بشراء «شمسية» وضَعها في منتصف البيت، ورش المياه تحتها ليجلس وعائلته تحت ظلالها. يقول إنه يستخدم «عبوات رش المياه الشبيهة بتلك التي يستخدمها الحلاقون لمنح بعض البرودة لأجساد أطفاله».

يمر الهواء الساخن على أجسادهم المبتلة ليمنحها بعض البرودة، يضحك محمد وهو يخبرنا بأن هذه العملية يطلق عليها اسم «التكييف في مخيم الركبان».

إلى ذلك، يستمر ضخ المياه حتى ساعات بعد الظهر في المناهل، لكن ارتفاع الطلب عليها واستخدامها في أشهر الصيف يزيد من ساعات انقطاعها، بحسب ما يخبرنا به عبد الرحمن، أحد العاملين على طنابر نقل المياه في المخيم، والذي أضاف: «هناك أزمة مياه ترافق أشهر الصيف، المياه المتوافرة لا تلبي حاجة الأهالي في هذا الوقت من السنة مع ازدياد درجات الحرارة».

وتساعد البيوت الطينية بالتخفيف من حرارة الشمس، لكن ذلك يشترط وجود أسقف طينية، بحسب أبو أحمد، المعماري وأحد سكان مخيم الركبان، والذي قال: «إن البيوت الطينية تساعد في التخفيف من حرارة الشمس أكثر من البلوك والجدران الإسمنتية، لكنها تتطلب أسقفاً مناسبة قوامها الخشب والطين. ولكن هذه الأسقف مكلفة، إذ تتجاوز قيمة السقف للغرفة الواحدة نحو 800 ألف ليرة سورية، وهو ما يدفع سكان في المخيم للاعتماد على البطانيات وشوادر البلاستيك، والتي تزيد من ارتفاع درجات الحرارة، مشبهاً إياها بالبيوت البلاستيكية».

يقول من تحدثنا معهم من مخيم الركبان إن القسم الأكبر من سكان المخيم لا يمتلك القدرة المالية لتأمين وسائل التكييف، إذ يبلغ سعر المروحة الأرضية نحو 50 دولاراً، بينما يصل سعر المكيف الصحراوي مبلغاً يزيد على 250 دولاراً. هذه الأجهزة تحتاج للكهرباء التي تصل عبر الطاقة الشمسية والبطاريات ومحولات الجهد (إنفيرتر)، والتي تصل كلفتها لنحو ٧٠٠ دولار، إذ يحتاج المكيف لأمبير واحد لتشغيله، والمروحة لنصف أمبير.

وتقدر نسبة من يمتلك أجهزة تبريد (مروحة أو مكيف) في مخيم الركبان بنحو ١٥٪ فقط. يقول محمد: «حتى المراوح لا تفيد، الهواء ساخن والمروحة تزيد حياة الركبانيين صعوبة».

يراجع النقطة الطبية حالات يومية تشتكي من الصداع والغثيان وتشنجات عضلية، إضافة للوهن والإرهاق. يقول شكري شهاب إنها أعراض الإصابة بضربة شمس، لكن النقطة الطبية لا تمتلك أجهزة طبية لفحص المصابين أو مخابر لفحص الأعراض التي من الممكن أن تسببها هذه الإصابات.

ويوصي شهاب الأهالي في حال الشك بالإصابة بضربة الشمس بالابتعاد عن المكان المكشوفة وخلع الملابس الخارجية، ورش الماء البارد على كامل الجسم وتهوية المصاب لمساعدة الجسم على التعرق، كما يمكن استخدام العبوات الثلجية، إن تواجدت، ووضعها أسفل الإبطين وبين الفخذين وعلى العنق والظهر، لتبريد الجسم والتقليل من درجة حرارة الجسم.

وينصح شهاب بتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس وارتداء القبعات، خاصة للعاملين الذين تتطلب مهنهم قضاء وقت طويل تحت أشعة الشمس، والتزام المنازل وقت الظهيرة وعدم السماح للأطفال بالخروج منها خلال موجات الحر.

الكلفة العالية للأدوات الكهربائية، فضلاً عن ارتفاع ثمن الحصول على تغذية التيار الكهربائي في مخيم الركبان، وذلك بالنظر إلى معدلات الأجور المنخفضة والفقر المدقع الذي يعانيه معظم سكان المخيم، كلها عوامل جعلت من الحصول على برادات لحفظ الأغذية أمراً شديد الصعوبة. حالياً، ومع موجة الحر التي يعيشها المخيم صار الأهالي يلجؤون إلى وضع الطعام قبالة النوافذ أو في صينية مليئة بالماء وبداخلها الطعام، أو تغطية الطعام بقماش مبلول للحفاظ على صلاحيته للأكل، لكنّ ذلك لا يجدي نفعاً في كثير من الأحيان.

مريم الفيصل – شبكة الركبان

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق