مناطق انتشار قوى أطراف الصراع في البادية السورية

15

سعى المسؤولون الإيرانيون الكبار للسيطرة على البادية السورية، بالاستعانة بمصادر خارجية لأجل الإشراف على تلك المنطقة، مثل حزب الله ومختلف الميليشيات الشيعية التي ترعاها إيران في العراق وسوريا، لتجنب استخدام قواتها العسكرية الخاصة للسيطرة على الطرق. (فلدى إيران نفور طويل الأمد من استثمار القوى العاملة في الخارج).

وتمكنت طهران من إرسال ميليشيات متعددة الجنسيات، يتراوح عدد أفرادها عشرات الآلاف، من بينهم 18000 شيعي أفغاني و3000 إلى 4000 شيعي باكستاني بالإضافة إلى ميليشيات مسيحية ودرزية صغيرة. وقد تم بالفعل نشر بعض هذه القوات في قطاعات مختلفة”20″ على طول الممرات البرية العابرة للبادية على شكل مجموعات قتالية تتمركز على النحو التالي: “المحطة الثانيةt2 , وحميمة، والمحطة الثالثة t3, وجبل الغراب، وفيضة ابن موينع، والسخنة، والعليانية،  ومفرق ظاظا، ومعبر الوليد مع القاعدة الجوية h-3  في الأراضي العراقية المواجهة لمعبر التنف”, وأشهر الميليشيات المدعومة من إيران هي, الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية. وحزب الله اللبناني في منطقة التنف للمشاركة في عمليات نظام الأسد في الصحراء السورية المعروفة باسم البادية.

 فيما ينتشر تنظيم “داعش” في جيوب صحراوية وعرة التضاريس في كل من ( جبل البشري, جبل الضاحك, وادي المياه, وادي الهيل, روض الوحش, وشرق تل أصفر, وفي المفاوز القريبة من قاعدة التنف), وكذلك على طول خط نهر الفرات داخل المنطقة الصحراوية, من البوكمال صعوداً إلى مدينة دير الزور بمسافات متفاوتة عن مقرات الميليشيات الإيرانية، التي تستولي على مدن وقرى الضفة اليمنى من نهر الفرات, ويُقدّر عدد مقاتلي التنظيم في الجيوب الصحراوية شرقي سوريا، بنحو 1000 عنصر، إضافةً إلى أكثر من 800 ينتشرون في بادية السويداء الشرقية. وترتفع أعداد مقاتلي التنظيم في الصحراء، حالياً بشكل كبير، بعد هزيمته شرقي الفرات على يد “التحالف الدولي” و”قوات سوريا الديموقراطية”. وتلتحق بهم أعداد أخرى من وافدي العراق ومناطق التنظيم السابقة في سوريا. أما قوات الولايات المتحدة العسكرية تتموضع في قاعدة التنف عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، حيث قررت الولايات المتحدة في عام 2014 تأسيس قاعدة عسكرية حملت اسم التنف، وهذه القاعدة النائية محاصرة من جميع الجهات بالميليشيات الإيرانية, وقالت مصادر دبلوماسية غربية في لندن، إن أحد المقترحات هو “مقايضة الوجود الأميركي بما فيها قاعدة التنف شرق سوريا بالوجود الإيراني بما في ذلك القواعد العسكرية والميليشيات في كل سوريا”، مشيرة إلى رغبة واشنطن في الاحتفاظ بالقاعدة في زاوية الحدود السورية – العراقية – الأردنية لـ”مراقبة” تنفيذ إخراج إيران.

دوائر الاشتباك وتداعيات المعارك

تجري معارك البادية السورية وفق خطط تفرضها الأحداث العسكرية على كل طرف وسط منطقة مترامية الأطراف, ولا يمكن فصلها عما يجري في ريف السويداء الشرقي أو منطقة التنف, والبوكمال, أو جبل البشري والسخنة وما حولها, بمعنى أن الصورة هنا وهناك تصعيد عسكري واستماتة لكسب مزيد من الأرض يقابله تصعيد واستماتة للتشبث بالأرض واستردادها, وفي جانب التكتيك المتبع في معارك البادية, فالملاحظ أن تنظيم “داعش” في المعارك التي يخوضها, قد تحوّل من وضعية الدفاع إلى الهجوم وتطويره، مما مهد عملياً لإطلاق معارك استنزافية

قامت إيران بزج ميليشياتها الشيعية المتعددة الجنسيات وإطلاق سلسلة عمليات على محاور عدة بهدف توسيع مناطق سيطرتها على جانبي طريق دمشق- بغداد, واقتربت من منطقة الـ” 55″كم المحميّة بقاعدة التنف العسكرية بهدف الضغط على قوات التحالف التي تقوده واشنطن, ولكنها تراجعت نتيجة قصف الطائرات الأميركية الذي وصفته واشنطن بالدفاع عن النفس”24″, مما أتاح للتنظيم تكثيف هجماته ضد الميليشيات الإيرانية, وتقطيع أوصال الميليشيات إلى جزر يسهل الإطباق عليها وحصارها في المنطقة الممتدة من السخنة جنوبا إلى جبل البشري شمالاً, بعدما تقدم التنظيم من عدة محاور في شمال غرب السخنة من منطقة الكوم والطيبة تزامناً مع الاندفاعة في جنوب السخنة من منطقة “t2″ ويطلق عليها محلياً ” كامب الصواب”، وفي حال اتصال مجموعات التنظيم ببعضها سيتم حصار مناطق الميليشيات الإيرانية في مدينة السخنة, مثلما تمكن من السيطرة على كامل المنطقة الفارغة خارج طريق بغداد – دمشق, وتدمر – دير الزور, والملاحظ نشاط التنظيم في هذه المنطقة، التي باتت المجال الحيوي لحركته بعد فقدانه غالبية مناطق نفوذه شرقي الفرات، وذلك يعود للأسباب التالية:

القيام بعمليات عسكرية في إطار استراتيجية “الكمائن والإغارة ثم الانسحاب”، معتمداً على مرونة مقاتليه وسهولة حركتهم، من خلال استخدامه عربات رباعية الدفع تحمل أسلحة مختلفة وتتحرك في كل الاتجاهات، والطرق، والظروف، في منطقة صحراوية مترامية الأطراف، يركز من خلالها على عدة محاور، كمحور “حميمة” والمحطة الثانية -t2، ومحور ريف منطقة البوكمال من الزاوية الجنوبية الغربية، وهو مجال عمل ميليشيا “حزب الله” اللبناني، وقوات نظام الأسد، والمحور الأخير باتجاه أطراف مدينتي السخنة وتدمر مما أدى لخلق وضع ميداني وسياسي يخدم مصالح التنظيم باستنزاف الميليشيات عسكرياً، بحيث باتت الميليشيات تتكبّد يومياً عشرات القتلى.

تزايد عملية التنظيم الأخيرة ضد النقاط العسكرية الروسية في البادية، سيعمق الخلاف الروسي – الإيراني، بعد مقتل عدد من الضباط والجنود الروس”26″, ولعلّ تنامي قدرات تنظيم “داعش” في البادية وامتداده نحو مناطق أخرى، يعود إلى تواطؤ الميلشيات الإيرانية وإتاحة الفرصة لتنامي نشاط التنظيم.

التواطؤ الروسي – الإيراني، فإيران تربط استمرار وجودها في سوريا ببقاء التنظيم حيّاً، فيما ترى روسيا أن وجود التنظيم يدخل في حسابات استنزاف الميليشيات الإيرانية التي تزاحمها على النفوذ في مناطق سيطرة نظام الأسد، لذلك تغيب طائراتها بشكل ملحوظ عن مناطق نفوذ التنظيم.

 

مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق