“ممرات آمنة” من “الركبان” تنتهي في السجون ومحاكم الإرهاب

كان وقع خبر اعتقال الحكومة السورية أشخاصاُ عائدون من مخيم الركبان، على الشريط الحدودي مع الأردن، ثقيلاً على الرجل الستيني أبو عبد الرحمن الحمصي؛ إذ قضى على فكرة مغادرته المخيم في الفترة الراهنة.

الحمصي (65 عاماً)، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، كان يترقب أخبار أقاربه الذين غادروا المخيم سابقاً، متأملاً سماع ما يشجعه على العودة إلى مدينته القريتين في ريف حمص، بعد أن “تقطعت بي السبل” كما قال لـ”سوريا على طول”. لكن فيما انقطع الاتصال بهم، تواردت الأنباء باعتقال عشرات المغادرين للمخيم في وقت سابق، أحدهم من أقاربه، وسوقهم إلى محكمة الإرهاب، بينهم أشخاص في سنّ الحمصي.

وكانت الرابطة السورية لكرامة المواطن، أصدرت تقريراً، في 13 كانون الأول/ديسمبر الحالي، ذكرت فيه قيام أجهزة الأمن السورية باعتقال 174 شخصاً عائداً من مخيم الركبان إلى مراكز الإيواء في حمص، تتراوح أعمارهم بين 18 و42 عاماً. وهو ما أكدته مصادر أخرى لـ”سوريا على طول”، لافتة في الوقت ذاته إلى كون بعض المعتقلين في الخمسينات والستينات من العمر.

ذريعة الخدمة العسكرية

صنفت “الرابطة”، معتقلي الركبان إلى مجموعتين. تضم الأولى المنشقين الذين فرّوا من الخدمة العسكرية الإجبارية والاحتياطية، وقد تم الزج بهم في سجون عسكرية. بينما تشمل المجموعة الثانية شباباً لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية الإجبارية، وأودعوا في سجون مدنية. وقد تم تحويل المعتقلين كافة إلى محكمة الإرهاب.

وكان مجلس الشعب السوري أقرّ، في تموز/ يوليو 2012، استحداث محكمة، مقرها دمشق، تختص بالنظر في جرائم الإرهاب والجرائم الأخرى التي تحال إليها من قبل النيابة العامة الخاصة بالمحكمة. ويشمل اختصاصها المدنيين والعسكريين.

ويكشف عضو في الإدارة المدنية في الركبان، شارك في آذار/ مارس الماضي، في اجتماع نظمته روسيا لمناقشة مصير المخيم، ونقل مطالب ومخاوف سكانه بالتزامن مع إعلان روسيا عن فتح ممرات آمنة لخروج الأهالي، عن انعدام التواصل مع مركز المصالحة الروسي أو حكومة دمشق من أجل المعتقلين.

الأجهزة الأمنية السورية تجري دراسات على نازحي مخيم الركبان في حمص

وكانت وزارة الدفاع الروسية أعلنت في شباط/فبرايرالماضي، عن فتح معابر تابعة لها في محيط الركبان لاستقبال ومساعدة الأشخاص الذين يغادرون المخيم.

وقال العضو الذي تحدث إلى “سوريا على طول” شريطة عدم الكشف عن هويته إن “من بين المعتقلين أشخاص كانوا على متن آخر قافلة خرجت من المخيم، بإشراف الأمم المتحدة، في أيلول/سبتمبر الماضي”.

وكانت الأمم المتحدة قد شاركت في آخر عملية إجلاء من المخيم، إلا أنها دورها كان “كضامن فقط خلال عملية نقل النازحين من الركبان إلى مراكز الإيواء، بحسب ما ذكر لـ”سوريا على طول”، في آب/أغسطس الماضي، مسؤول في الإدارة المدنية. وقد حاولت “سوريا على طول” الحصول على تعليق من مكتب الأمم المتحدة في عمان بشأن عمليات الاعتقال، إلا أنها لم تتلق أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير. 

ابتزاز مالي بتهم “إرهاب”

توزع معتقلو الركبان، وفق ما ذكرت مصادر لـ”سوريا على طول”، على عدة سجون منها سجن حمص المركزي، وسجن دمشق المركزي (المعروف بسجن عدرا)، والسجن البالوني في حمص، وسجون فروع أمنية مختلفة. 

منسيون بين 3 بلدان.. مخيم الركبان بالصحراء السورية يواجه “خيارين من الموت”

وفيما تلزم الحكومة السورية، وإعلامها الرسمي، الصمت إزاء مصير الخارجين من “الركبان”، وضمن ذلك التهم الموجهة للمعتقلين منهم بحسب تقارير غير حكومية، يضيف أبو عبد الرحمن الحمصي، أن أحد أقاربه الموقوفين تم اعتقاله على خلفية “قضية فساد أثناء عمله في دائرة حكومية قبل اندلاع الثورة السورية”.

الداخل سيء والخارج مجهول

مع حلول فصل الشتاء، فإن “موسم الخير” كما قال أبو عبد الرحمن الحمصي، لم يعد يحمل المعنى ذاته بالنسبة لأهالي الركبان، حيث تبدو الحياة لهم أكثر قسوة. إذ “يعرّي الشتاء خدمات المخيم؛ فلا مساكن مهيأة تقينا برد الشتاء، ولا مساعدات إنسانية، وفوق ذلك ليس لدينا قدرة مالية لشراء المواد الأساسية ووسائل التدفئة، لعدم وجود عمل”.

فرغم كبر سنه، سعى أبو عبد الرحمن إلى إيجاد فرصة عمل مع منظمة “عالم أفضل” التي تشرف على نقل المياه إلى المخيم، لكن من دون نجاح. 

وكما أوضحت المنظمة لـ”سوريا على طول”، فإن “التوظيف في برنامج المياه لا يقوم على عمال ثابتين، [بل] يتم تغييرهم بين فترة وأخرى لإعطاء فرص متساوية لجميع العمال”.

كما إن المخيم الذي يعتمد على التهريب من مناطق الحكومة السورية لتأمين المواد الأساسية “تأثر بتدهور سعر صرف الليرة”. إذ يبلغ سعر لتر المازوت (الديزل)، في “الركبان”، 700 ليرة سورية (0.80 دولار أميركي)، وسعر كيلو السكر 500 ليرة (0.57 دولار)، وربطة الخبز 500 ليرة (0.57 دولار)، بحسب ما ذكر عضو المكتب الإعلامي في الإدارة المدنية للمخيم، عمر الحمصي، لـ”سوريا على طول”.

لكن إذا كان الواقع المعيشي سيئاً بالنسبة لأكثر من 12 ألف شخص ما يزالون يعيشون في الركبان، بحسب آخر إحصائية للأمم المتحدة، فإن الأخبار الواردة من خارج المخيم حول مصير من غادروه، لا تجعل من خيار لسكان المخيم سوى “التمسك بقرار البقاء في المخيم رغم كل الظروف”، بحسب تعبير أبو عبد الرحمن الحمصي.

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق