معالم أثرية إسلامية غير متعرّف عليها ضمن أنقاض آثار مدينة تدمر

إذا كانت كل الحِـقب مهمة بالنسبة لتاريخ شعب أو أمة أو الإنسانية جمعاء، فإن الاهتمام بالتنقيب في الحقبة الإسلامية بالنسبة لبلد مثل سوريا، وباستعمال الطرق الحديثة، يُـعدّ من اهتمامات المسؤولين عن الآثار في سوريا، 

“الفترة الإسلامية، هي فترة ازدهار على مستوى العالم، وصلت فيها الخلافة الإسلامية إلى أطراف أوروبا وشرق آسيا، وبالتالي، لا يمكن لأي باحث أو منقب، إلا أن يطَّـلع على معطيات هذه الفترة الإسلامية ودراستها والوقوف عليها”.

وتشكِّـل الفترة الإسلامية بالنسبة لسوريا، وبالأخص في منطقة تدمر، فترة مهمّـة جدا، لأن الإنسان الذي عاش في هذه المنطقة، تأثر بتعاقب الحضارات والأديان عليها منذ العصور القديمة. وقد اشتملت المنطقة على الكثير من المعابد التي تحولت الى كنائس، والكنائس التي تحولت إلى مساجد.

“لقد عرفَـت تدمر تعايُـشا دينيا بشكل ممتاز جدا… ومن الأمثلة، معبد بل، الذي تحوّل في الفترة البيزنطية إلى كنيسة، ثم حُـوِّل في الحقبة الإسلامية إلى مسجد وما زال حتى اليوم يحمل بقايا رسوم على أحد جدرانه للسيدة العذراء والحواريين والسيد المسيح، وهذا دليل على التسامح الديني والفهم الواسع لمتغيرات العصر والبُـعد عن التعصب”.

قصر الحير الشرقي

تدمر.. لم تكشف عن آثارها الإسلامية كاملة

بالإضافة إلى اهتمام البعثة الأثرية السورية السويسرية سابقا بالتنقيب في قصر الحير الشرقي، قامت من حين إلى آخر بأعمال تنقيب في قسم من المدينة الأثرية في تدمر.

وإذا كانت مدينة تدمر تتميَّـز بمعالمها الأثرية، التي تعود إلى الحقبة الرومانية، وبالأخص عهد الملكة زنوبيا، فإن أعمال التنقيب التي تقوم بها البعثة الأثرية البولندية، سمحت باكتشاف سوق تجارية تعود إلى القرن الثامن.

وبما أن ذلك يتزامن مع الحِـقبة الأموية، كان هذا عامل جلْـب الفريق السويسري السوري للاهتمام بإمكانية وجود معالم أثرية إسلامية غير متعرّف عليها ضمن أنقاض آثار مدينة تدمر، ويقول دونيس جانكان، رئيس البعثة السويسرية “هذا الاكتشاف للسوق، دفعني الى التساؤل: أليس ذلك راجع إلى تدخل عمراني في العهد الأموي ضِـمن بنية المدينة التاريخية، على غِـرار ما عُـرف في بيسان بفلسطين، حيث قام الخليفة هشام ابن عبد الملك بإعطاء أمر ببناء سوق داخل المدينة القديمة “سيتوبوليس”؟

تساؤل دونيس جانكان سمح للبعثة الأثرية السورية السويسرية في قصر الحير الشرقي في الشروع في عمليات تنقيب جانبية في مدينة تدمر، وفي منطقة سبق أن نقبت فيها فرق أخرى. وقد تكللت هذه الأبحاث باكتشاف مسجد كبير أقيم في زاوية السوق، ولم يسبق أن أشارت إليه أي دراسات، وإلى جانبه مسجد أصغر.

وبخصوص الفترة التي بُـنِـي فيها المسجِـدان، يقول دونيس جانكان “المسجد الأصغر، يعود إلى الحقبة الأيوبية، أي القرن الثالث عشر ميلادي، بينما ننتظر إنهاء بعض الدراسات في العام القادم لتحديد الفترة التي بُـني فيها المسجد الكبير”.

بعثة ترميم قصر الحير الشرقي

وقد اهتمت الدراسات المتواصلة منذ سنوات، بتحديد بُـنية المسجديْـن وإعادة رسمهما، إضافة إلى تحديد رسم المبنى العتيق الذي أقيم على أنقاضه. كما يرغب الفريق السوري السويسري في التعرف على حجم التدخلات العمرانية، التي قام بها الأمويون داخل المباني العتيقة لمدينة تدمر وفي ضواحيها. وكان الفريق قد قام ببحوث في البحة، التي كانت عبارة عن معسكر روماني، استولى عليه أحد صحابة رسول الله (ص) نعمان ابن البشير في القرن السابع، وفيه قتل أحد آخر الخلفاء الأمويين الوليد ابن يزيد في عام 744م.

وينهي رئيس البعثة الأثرية السويسرية دونيس جانكان حديثه بالقول “إذا كانت ضواحي مدينة تدمر قد استُكشفت من حيث التواجد الأموي بها، فإن قلب مدينة تدمر يتطلب مجهودا واهتماما اكبر، لمحاولة معرفة ما الذي حدث في العهد الأموي في المدينة، لأن الأمويين لم يكتفوا بالمرابطة في الضواحي”.

قلة الإهتمام بالتكوين الأثري للحِـقب الإسلامية؟

في الوقت الذي كان يتم فيه التشديد على أهمية التنقيب في الحِـقب الإسلامية والرغبة في القيام بتنقيب محايِـد ونزيه، يلاحَـظ نقص في مجال التكوين المتخصص في الحِـقب الإسلامية في المعاهد الغربية، ونقص أيضا في اهتمام الطلبة السوريين بهذه الحِـقبة أو بالمشاركة في بعثات متخصصة، مثل البعثة السورية السويسرية في قصر الحير الشرقي، إذ بالمقارنة مع البعثة السويسرية العاملة في حوض الكوم وعلى بُـعد 30 كيلومترا فقط، والتي شهدت تنافسا كبيرا بين الطلبة من سوريين وسويسريين للحصول على فرصة تدريب، عانت بعثة قصر الحير الشرقي من عدم توافُـد طلبة سوريين للتدريب ضِـمن صفوفها، وهذا على الرغم من الإلحاح المتكرّر لرئيسها دونيس جانكان.

وفي معرض تفسيره للظاهرة، يقول جانكان: “ربما يعود ذلك إلى أن التخصص في الحِـقب الإسلامية، ليس بالتخصص المتوفر بكثرة في الجامعات السويسرية، بل على مستوى العالم أيضا. وما هو متوفر كشُعب لتدريس عِـلم الآثار الإسلامية في الجامعات، كثيرا ما يكون مقرونا بدراسة تاريخ الفن الإسلامي، باستثناء جامعة كوبنهاغن وشيكاغو، إضافة إلى بعض المختصِّـين في بريطانيا وفرنسا”.

ويضيف دونيس جانكان: “كان يجب بذل مزيد من الجُـهد في هذا المجال في الجامعات، للرقي بعِـلم الآثار الإسلامية إلى عِـلم قائم بحاله، وليس الاستمرار في ربطه بدراسة تاريخ الفنون الإسلامية، لأن علوم الآثار الخاصة بالعهديْـن الروماني واليوناني، أصبحت تُدرَّس في كل مكان، رغم أن الامتداد الجغرافي للحِـقبة الرومانية أو اليونانية، أقل بكثير من الامتداد الجغرافي للحضارة الإسلامية”.

وما يراه مُـلِـحّـا بالنسبة للدول الإسلامية، التي تشهد تطوّرا عمرانيا كبيرا، هو تكوين طلبة متخصِّـصين في التنقيب الإضطراري أي “الذين ينقبون عن الآثار المعرضة للتهديم لتسجيلها قبل بداية أشغال الإعمار”.

أما بالنسبة لمدى إقبال الطلبة السوريين على المشاركة في مثل هذه البعثات، وبالاستناد إلى تجربة بعثة قصر الحير الشرقي، فإن البعثة لم تحصُـل على مشاركة أي طالب سوري، رغم إلحاح رئيسها. أما بالنسبة للطلبة السوريين الذين أصبحوا توافدوا في الآونة الأخيرة على المعاهد الفرنسية المتخصصة في الحقبة الإسلامية، فيقول دونيس جانكان: “لست أدري ما إذا كانوا يرغبون في التوجه إلى مثل هذه المناطق، للحصول على تجربة ميدانية وقضاء شهر إلى شهرين في الظروف المناخية الصعبة”، ويضيف “المعروف عن الطلبة السوريين، أنهم يفضِّـلون التخصص في الحِـقبة البرونزية، بينما يفضل الطلبة الأردنيون، التخصص في الحِـقب الرومانية والبيزنطية”.

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق