واحدٌ وأربعون عاماً مر على تلك المجزرة المروعة، التي ارتكبها النظام بحق معتقلين عزَّل، كان قد جمعهم في سجن تدمر العسكري لتصفيتهم.

كانت تلك المجزرة فاتحةً لسلسة لم تتوقف من المجازر، التي لم ينفك نظام الأسد عن اقترافها في الشارع السوري إلى يومنا هذا، دون أدنى تفريقٍ بين طفل وشيخ وامرأة.

وكان يراد منها في البدء إيصال رسالة النظام الصريحة، أنه لا يجد غضاضة في أي شكل من أشكال القتل والإبادة في سبيل بقائه سيداً مستبداً مستعبداً للسوريين.

القانون “49” الذي سيرتكب حافظ الأسد بموجبه سلسلة طويلة من المجازر، فهذا القانون يحكم بموجبه بالإعدام على أي شخص تثبت علاقته بتنظيم الإخوان المسلمين

عقب ذلك اليوم الأسود يوم 27-6-1980 والذي قتل فيه رفعت الأسد ما يقارب ألف سجين أعزل إلا قليلاً، عبر قوة مجوقلة من عناصر سرايا الدفاع داهمت سجن تدمر ليلا ونفذت مجزرتها بدمٍ بارد، عقب ذلك مباشرةً صدر القانون “49” الذي سيرتكب حافظ الأسد بموجبه سلسلة طويلة من المجازر، فهذا القانون يحكم بموجبه بالإعدام على أي شخص تثبت علاقته بتنظيم الإخوان المسلمين، ولم يكن إثبات ذلك بالأمر العسير، فبمجرد اعتقال أي شخص حتى لو كان مسيحياً أو درزياً، ستكون هناك عشرات الصفحات المليئة بالتهم والاعترافات التي لا تحتاج لأكثر من توقيع الضحية وهي معصوبة العينين، وقد أنهكها الضرب والتعذيب، والتي ستوقع صك إعدامها عن رضا وشوق لذلك الموت المريح الذي انعقدت عليه الآمال كباب وحيد وأخير للخلاص من هذا الجحيم.

في معظم الأمم المعاصرة، هناك محطات مضيئة تتنقل عبرها الذاكرة الحية لتشهد السبيل الذي سلكته تلك الأمة في مسرى نهوضها، ولتكون الجسر الحي الذي ينبض بالنجاحات بين من مضوا ومن بقوا، إلا السوريين فهذه الذاكرة التي ما تزال تحفر بمعاول القهر في عظم الذاكرة ولحمها المدمى، حافلة بعشرات المجازر والمحطات الدامية، التي تطغى على أي تفصيل مضيء ربما ورد في هذا الزحام الأسود، من دون أن يترك أدنى أثر يذكر.

لم تكن مجزرة تدمر التي يؤرخ لها بـ 27-6-1980 إلا تسمية رمزية لسلسلة طويلة من المجازر الأسبوعية التي كانت تأتي على ما يقارب مئة وخمسين شهيداً، يزيدون تارة وينخفضون عن هذا العدد تارة أخرى.

ما يميز تلك المجازر الأسبوعية، التي تحدث عنها وزير الدفاع آنذاك مصطفى طلاس متباهيا في مذكراته، أنه كان يمهر بختمه أسبوعيا أمر تنفيذ حكم الإعدام بما يقارب مئة وخمسين شاباً ممن ينتمون للإخوان المسلمين، ما يميز تلك المجازر عن المجزرة الأولى أننا كمعتقلين، كنا نرقبهم وهم يعلقون على حبال المشانق ويطلقون صرخاتهم الأخيرة، التي تمتزج بها أعمق معاني القهر والظلم بمعاني البهجة الطاغية بالخلاص من هذا الجحيم، وهم يودعون تلك الحياة البائسة مظلومين، بينما قٌتل شهداء المجزرة الأولى بصمت مطبق في عتمة الليل من دون أن يرثيهم أو يبكيهم أحد.

ليس المهم أن نكرر الإدانة لنظام مجرم مستمر في طغيانه وإرهابه منذ بدء حكم الأسد الأب واستمرارا بحكم الابن، هذا النظام الذي بلغ من تغوله وسطوة إرهابه والإيغال في جرائمه حداً لم يعد هناك ما يزيد في رتبته الجرمية فقد بلغ بها المدى الأعتى، ربما الأهم إعادة النظر في تلك القوى العالمية التي لا تتوقف طبولها عن عزف نشيد الحرية والتبجح الفائق بقيم وشعارات العدالة والديمقراطية.

يبقى الحديث المتكرر وإنعاش الذاكرة بتلك الجرائم التي ارتكبت بحقنا جميعاً، تأكيداً على حتمية المواجهة المستمرة مع هذا النظام الإرهابي ومولد الإرهاب،

إن تجربة إحدى وأربعين سنة من معايشة المجازر المستمرة، المقترنة بصمت العالم الحر، وتفاهة شعاراته التي لا تتجاوز الموجات الصوتية العابرة، مع ذلك الحجم الكبير للمعونات والدعم العميق الذي يحافظ على هكذا نظام حكم متهالك، لا يملك من مقومات البقاء إلا الاتكاء على أصابع داعميه، يؤكد أن القوى العظمى المتنفذة بشؤون المنطقة، ما هي إلا قيادات أممية لمافيا عالمية تربطها شبكات هائلة من المصالح التي لا يمكن العبث بها، وبطرق مرورها ونقاط حمايتها، والتي يشكل نظام الأسد واحدة من تلك النقاط التي لا يسمح العبث بها أو مواجهتها.

يبقى الحديث المتكرر وإنعاش الذاكرة بتلك الجرائم التي ارتكبت بحقنا جميعاً، تأكيداً على حتمية المواجهة المستمرة مع هذا النظام الإرهابي ومولد الإرهاب، ورد اعتبار والقيام ببعض حق الضحايا وواجبهم علينا، كيلا تضيع دماؤهم هباء، وألا نصافح يوماً مهما كانت العلل والمبررات، تلك اليد التي تلطخت بدمائهم ودمائنا.

وحري بنا أن نخلد أسماءهم وأسماء من لحقوا بهم في الذاكرة السورية، كي لا نكون شركاء بالصمت، وكي لا يقتل القتيل مرتين.

محمد بروالمصدر

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق