بينها تدمر..ماذا قدّمت اليونسكو لستة من أصل 4500 موقع أثري في سورية

7

“حين تُسجّل المواقع الأثريّة في قائمة التراث العالمي عند اليونسكو تصبح هذه المواقع ملكًا للعالم كلّه وليس لسوريا فحسب، لذلك توضع شروط لترميم هذه المواقع، وتعمل اليونسكو على حمايتها”.

في سوريا ستة مواقع مُسجلة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وقبل العام 2011 كانت الجهات الأثريّة المختصة في البلاد تجهّز ملفات لتسجيل مواقع أخرى في القائمة نفسها. لكن اشتعال الثورة وتحولّها لاحقًا إلى حرب أهلية أوقفا هذه الملفات، وأدرجت لجنة التراث العالمي لليونسكو في دورتها المنعقدة سنة 2013 المواقع الستة للتراث العالمي في سوريا على قائمة التراث المهدّد بالخطر، “بهدف لفت الانتباه إلى المخاطر التي تحدق بهذه المواقع بسبب الأحداث التي تشهدها البلاد”.

“اليونسكو لم تقم بشيء يُذكر فيما يخص سوريا، إذا ما قارننا مثلًا بين ما فعلته في الموصل وما فعلته في حلب”

 وقتذاك، علق المدير السابق لدائرة التنقيب والدراسات الأثريّة في المديريّة العامة للآثار والمتاحف السوريّة، ميشيل المقدسي على هذا القرار، في حوار صحافي بالقول إنّ اليونسكو تعمل دائمًا بعد فوات الأوان في سوريا، وذلك “لأنَّها منظمة متراخية خاملة للغاية، تعمل ضمن إطار ضيِّق جدًا”.

يوافق الباحث في مجال الآثار، طارق عوّاد على هذا التعليق، إذ يقول إنّ “اليونسكو كمؤسسة هي منظمة غير فعّالة، وأقصى ما يُمكن أن تقدّمه هو التدريبات وورشات العمل”، ويضيف أنّ وضع المواقع على قائمة التراث المهدّد بالخطر يهدف إلى حشد الدعم لترميمها وصيانتها، إلّا “أنّ اليونسكو لم تقم بشيء يُذكر فيما يخص سوريا، إذا ما قارننا مثلًا بين ما فعلته في الموصل وما فعلته في حلب”، مشدّدًا على أنّ الترميمات في مدينة حلب القديمة ما زالت محدودة بمبادرات من بعض المؤسسات.

اهتمام نسبي

في سوريا أكثر من 4500 موقع أثري، أُدرج منها على قائمة التراث العالمي ستة مواقع فقط، وهي تلقى اهتمامًا إعلاميًا ودوليًا كبيرًا مقارنة بباقي المواقع، وذلك يعود لإدراجها ضمن القائمة.

أول المواقع السوريّة المسجل عام 1979 في القائمة هو المدينة القديمة في العاصمة دمشق، باعتبارها أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ.

(المدينة العتيقة بدمشق – المصدر: موقع اليونسكو)

في السنة التاليّة تمّ تسجيل مدينة تدمر، عاصمة الثقافة للحضارة السوريّة، حسب تعبير مدير المؤسسة العامة للآثار والمتاحف السابق، مأمون عبد الكريم.

(من كنوز مدينة تدمر – المصدر: موقع اليونسكو)

وتلاها تسجيل مدينة بُصرى الواقعة في محافظة درعا، جنوب البلاد، والتي تشتهر بمدرجها الروماني الدائري.

(المسرح الروماني بمدينة بُصرى – المصدر: ويكي كومونز)

عام 1986 تمّ تسجيل مدينة حلب القديمة، التي تعتبر إحدى أقدم الحواضر المأهولة في التاريخ، وعام 2006 جرى إدراج قلعة الحصن الواقعة في محافظة حمص، وقلعة صلاح الدين الواقعة في محافظة اللاذقية، كخامس المواقع السوريّة على قائمة التراث العالمي.

(قلعة الحصن في حمص- المصدر: موقع اليونسكو)

أخيرًا، عام 2011، تمّ إدراج المدن المنسيّة في القائمة، وهي منطقة تتضمن حوالي أربعين قريّة موجودة في ثمانية مجمعات بمحافظات حلب وإدلب وحماة.

أثر هذه المواقع بالحرب

لا يُمكن ذكر مواقع التراث العالمي في سوريا والأضرار التي لحقت بها، من دون ذكر عالم الآثار البارز عالميًا خالد الأسعد، الذي أعدمه تنظيم داعش عندما استولى على مدينة تدمر عام 2015.

وأعلنت السلطات السوريّة أخيرًا أنّها عثرت على رفات الأسعد في منطقة كحلول*، شرق مدينة تدمر. إلا أن نجل عالم الآثار الراحل نفى في تصريح رسمي علاقة والده بالرفات المعثور عليها. 

عاثت داعش بالمدينة فسادًا، فدمرت وحطمت الكثير من الآثار والقطع الأثريّة القيّمة، وانتشرت صور الحطام في جميع وسائل الإعلام العالميّة، لما تمثله مدينة تدمر بالنسبة للتراث الإنساني، إلّا أنّ مدير المؤسسة العامة للآثار والمتاحف آنذاك قد صرّح بأنّ “نسبة الدمار في مدينة تدمر (تصل إلى) 30%، تحتاج خمس سنوات لإعادة إعمار الآثار التي جرى تدميرها”.

شمل التدمير كذلك المدن المنسيّة في شمال غربي سوريا، بسبب المعارك والاشتباكات طوال السنوات الماضيّة، وكذلك الأمر بالنسبة لمدينة بصرى التي دكّتها الاشتباكات بين الجيش السوري الحر وقوات النظام السوري.

كان الأمر كارثيًا بالنسبة لمدينة حلب، حيث هُدّمت أجزاء واسعة من المدينة، بسبب القصف المتبادل بين القوات النظاميّة والقوات المعارضة، وربما كان الجامع الأموي الكبير في حلب من أكثر الأماكن المتضرّرة، إذ هُدّت مئذنة الجامع الشهير في العالم الإسلامي، وتبادلت آنذاك قوات النظام وقوات المعارضة الاتهامات حول المسؤولية عن هدم المئذنة.

لم تتوقف “هزيمة آثار سوريا” عند الهدم والتحطيم، بل إنّ عمليات نهب واسعة طالت مئات المواقع، حسب تقارير منظمات دوليّة وتقارير صحافيّة وشهادات. يوافق طارق عوّاد على الفكرة السابقة، ويضيف: “بالإضافة إلى أعمال النهب، فإنّ أعمال التنقيب غير الشرعيّة التي تقوم بها أطراف عديدة استغلالاً للنزاع الدائر في البلاد، تعتبر جريمة بحق مجتمع سوريا وتاريخه”.

لماذا قلّ الاهتمام العالمي؟

يعزو الباحث طارق عوّاد عدم وجود تقارير توثيقيّة حديثة عن سوريا (تعود آخر التقارير المنشورة على موقع اليونسكو إلى عام 2018) باستثناء بعض التقارير المنشورة هنا وهناك، إلى ثلاثة أسباب، أولها قلّة التمويل الخاص بالتوثيق، وذلك بسبب توجيه التمويل نحو أعمال الحفظ والترميم مثلما يحدث في محافظات إدلب والرقة وحلب. ثاني الأسباب قلّة التفاعل العالمي مع قصص دمار الآثار، ممّا قلّل الاهتمام بالتوثيق، مثلما حدث في موقع عين دارة في منطقة عفرين إذ نهبت منه آثار فريدة عقب الاجتياح التركي للمدينة. والسبب الثالث قلّة الشباب الناشطين الفاعلين ممن يعملون على التوثيق داخل سوريا، باستثناء أعمال المديريّة العامة للآثار والمتاحف، ومركز آثار إدلب.

 المصدر

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق