ليست مجرد ملكة… إنها زنوبيا

أسطورة السيدة التي أطلت على العالم من تدمر السورية ما زالت تلهم الكتّاب والمؤرخين في العالم

“منذ اللحظة التي وصلت فيها زنوبيا إلى السلطة، كانت مصدر انبهارٍ لدى المؤرخين. فالشرق لم تحكمه الملكات إلا نادراً، لكنهنّ حكمن بالفعل”…

هكذا استهلّ الكاتب والمؤرّخ الهولندي فيليب ماتيشاك في كتابه الصادر قبل شهور بعنوان “أعداء روما”، سرده حول حياة الملكة زنوبيا التي وعلى ما يبدو ما زالت تبهر المؤلفين وكتّاب التاريخ.

أثار مملكة تدمر التي تعرضت للتدمير خلال الحرب في سوريا (غيتي)​​​​​​​

ملكة الشرق الخائنة

صورة زنوبيا عند ماتيشاك، مربكة ويتخللها كثير من التفاصيل والشكوك. يعترف بها حاكمةً عظيمة وامرأةً قوية بشخصيةٍ صلبة، لكنه في الوقت نفسه يشكك في أحقيتها بالمُلك ويراها خائنة، مشيراً بأصابع الاتهام إليها في مقتل زوجها وابنه البكر من زواجٍ آخر نحو عام 268 م، فأن يموت الابن والأب في وقتٍ واحد، هو أمر بحاجة إلى مزيدٍ من البحث والتحري.

يقول: “كان من غير المحتمل أن يتولى أي من أطفال زنوبيا العرش. لكن الآن، زنوبيا، من خلال ابنها، حكمت إمبراطورية تمتد من جبال طوروس في الشمال إلى الخليج العربي في الجنوب، بما في ذلك قيليقية وبلاد ما بين النهرين والجزيرة العربية وأجزاء من سوريا”.

لم يكن ماتيشاك وحده الذي ألحق بزنوبيا صفة التآمر على زوجها أوديناتوس (أذينة)، ففي كتاب “هيستوريا أوغوستا” وهو كتاب تجميعي لقصص الأباطرة الرومان من سنة 117 إلى سنة 284، أُشير إلى أنها كانت تبلغ من العمر بين 20 و30 عاماً عندما تآمرت مع مونيوس ابن عم زوجها على عملية القتل، راغبةً بأن يحكم أبناؤها تدمر. لكن الكتاب ذاته لا يلومها بشكلٍ مباشر، فمونيوس قتل ابن عمه بدافع الغيرة وشهوة السلطة إلى جانب انحلاله الأخلاقي.

نسخة قديمة من كتاب هستوريا أوغوستا من القرن السابع عشر (أمازون)

الملكة الرومانسية والساحرة الجمال

عندما يشار إلى تاريخ ميلادها، تستخدم صيغة الشكّ أيضاً. لم تعتمد المراجع يوماً محدداً، قيل إنها ولدت حوالى عام 240 بعد الميلاد. لكن في المقابل اتُفق على سحر وقوة شخصيتها.

وصفت في كتاب “هيستوريا أوغوستا”: “كان وجهها داكناً ولونها داكناً، وعيناها سوداوان وقويتان بما يتجاوز المعتاد، وروحها عظيمة بشكل إلهي، وجمالها لا يصدّق. كانت أسنانها بيضاء لدرجة أن كثيرين اعتقدوا أن لديها لآلئ بدلاً من الأسنان. كان صوتها نقياً مثل صوت الرجل”.

بدأت صورة زنوبيا الآسرة والقوية بالظهور في مؤلفات وكتب الغرب في وقتٍ متأخر، هذا ما يؤكده كل من آني وموريس سارتر اللذين أشارا في كتابهما “زنوبيا: من تدمر إلى روما” المنشور عام 2014، إلى أنه وعلى الرغم من أن الرهبان قاموا بنسخ تاريخ “أغسطس” والمؤلفين الذين تحدّثوا عن زنوبيا بحماس، لكن لم يترك هذا صدى في أدب العصور الوسطى قبل القرن الرابع عشر. كان من الضروري بالفعل انتظار بترارك وبوكاتيسو وهما شبه معاصرين، حتى تظهر زنوبيا بين البطلات الجديرات بالذكر”..

ولربما أسهمت إعادة اكتشاف مدينة تدمر في نهاية القرن السابع عشر، بتسليط الضوء على زنوبيا. إذ وفي عام 1697 جعل الإيطالي ألبينوني زنوبيا بطلة الأوبرا التي أبدعها، ومعه بدأت هذه الشخصية التاريخية تتكشف أكثر أمام المجتمع الغربي، وتحوّلت إلى مادة غنية لكتّابه وفنانيه في قصصهم الجادّة. وبلغ تصويرها كامرأة قوية وجميلة بروحٍ رومانسية وساحرة، ذروته في مسرحية روسيني “أورليان في تدمر” التي قُدّمت بميلانو في 26 ديسمبر عام 1813، حيث جسّدها كملكة لا تسقط..

وماتيشاك نفسه الذي اتهمها بالتآمر قال: “في بعض المناسبات، ظهرت زنوبيا مرتديةً درعاً كاملةً أمام قواتها وخاطبتهم بصوتٍ عالٍ- وبعض الوثائق تؤكّد أنه غير أنثوي”.

رآها آني وموريس سارتر شخصيةً أسطورية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها استثنائية وهي صاحبة السيادة على العصور القديمة، ولحسن الحظ أُنصفت، أخيراً، بقصةٍ تليق بها…

كتاب “زنوبيا من تدمر إلى روما” (أمازون)

الملكة والسياسة

في القرون الأولى بعد الميلاد، كانت تدمر مدينة تابعة لروما وجزءاً من مقاطعة فينيقيا. في عام 260 سارت الإمبراطورية الرومانية ضد ملك بلاد فارس شابور الأول الذي غزا المناطق الشرقية من الإمبراطورية الرومانية. ساعد أوديناتوس “أذينة” وهو من أصل تدمري، الإمبراطور الروماني في هذه الحرب، وكان السبب في الهزيمة التي أُلحقت بالفرس.

في المقابل، منحت روما أذينة لقب “ملك الملوك” وقلّدته كثيراً من الأوسمة. وبعد مقتله، لم تواجه زوجته الثانية زنوبيا معارضة سياسية عندما اعتلت عرش تدمر ولم تعترف بتسلمها الحكم بمفردها. استطاعت أن تصدّر للآخرين أنها وصية فقط على ابنها البالغ من العمر 10 سنوات الذي يملك الأحقية بالسلطة لكونه ورث من والده كل ألقابه الشرعية، علماً أنه- أي ابنها- لم يمارس حكمه الخاص أبداً وبقي في ظل والدته.

ويتفق العديد من المؤرخين أن زنوبيا حكمت دولة مكونة من دول مختلفة. وباعتبارها من سكان تدمر، كانت معتادة على التعددية الثقافية واللغوية، حيث كانت مدينتها بوتقة تنصهر فيها الأمم وتنقسم ثقافياً إلى قسمين: جزء سامي شرقي وجزء هلنستي حاولت التوفيق بينهما…

يقول مارسين غيزدالاسكي Marcin Gwizdalaski في بحثٍ له نشر على موقع imperium romanum: “كانت زنوبيا حاكمة مستنيرة وفضّلت تطوير العلم في بلاطها الذي كان مفتوحاً للعلماء والفلاسفة. كانت متسامحة مع رعاياها والأقليات الدينية المحمية. حافظت الملكة على إدارة مستقرة حكمت إمبراطورية متعددة الثقافات والأعراق. كان صعودها إلى السلطة وسقوطها مصدر إلهام كثير من المؤرخين والفنانين والكتاب، وتعتبر حتى يومنا هذا البطلة الوطنية لسوريا”.

كتاب “أعداء روما” (أمازون)​​​​​​​

ويشير كل من آني وموريس سارتر إلى أنها منحت نفسها لقب الإمبراطورة وجعلت من تدمر لفترة ليست بالقصيرة، أحد مراكز القوة والذكاء. حتى بعد تدمير هذه الإمبراطورية عام 273 استمرت أسطورتها بالنمو سواء في التقاليد الأدبية والفنية الغربية أو في التأريخ العربي. لقد امتلكت جوانب مختلفة في شخصيتها تطوّرت ضمن بيئتها الثقافية والسياسية آنذاك، وأسهمت في تشكيل واستغلال أسطورتها بأشكال متعددة عبر آلاف السنين هي أقرب ما يكون إلى الوثائق التاريخية.

ويتحدث كتاب “زنوبيا… وريثة كليوبترا” للكاتبة الفرنسية فيولين فانويكي Violaine Vanoyeke عن قوة ملكة الشرق زنوبيا ويشبه سيرتها بالملكة المصرية حتشبسوت وبكليوبترا أيضاً، واللاتي جمعهن الجمال والسلطة. ومما جاء فيه: “في القرن الثالث اشتبك الفرس مع الرومان، وما بين هاتين الإمبراطوريتين نشأت تدمر في سوريا، مدينةً قوية دعمتها قوافل طريق الحرير. استولت زنوبيا على السلطة واحتلت بلداناً أخرى. اشتهت روما بقيادة أوريليان، فبدأت الحرب بين هاتين الشخصيتين الأسطوريتين”.

أسطورة بنهايات مفتوحة

تطرح فيولين فانويكي Violaine Vanoyeke في ذات الكتاب، كثيراً من التساؤلات حول هذه الشخصية التاريخية: من هي زنوبيا ملكة مصر وتدمر التي حلمت بحكم العالم، هل قتلت زوجها وابنها وريث العرش، هل أغوت الإمبراطور أوريليان، هل قُتلت، هل انتحرت؟

يستند الكتاب على عدد من الأدلة التاريخية في محاولاته الإجابة عن كل تلك الأسئلة، لكنه يعترف بأن الشك حول أسطورة زنوبيا لا يمكن أن يزول.

في ذات الخصوص يقول جوست فيرميولين في مقالةٍ له نشرتها مجلة “علم الآثار” عام 2008: “إذا كانت حياتها قد أثارت بالفعل شائعات، فإن موتها يكتنفه الألغاز. هل كانت ترتدي عباءة ذهبية مزركشة وتزين بالجواهر في موكب نصر الإمبراطور أورليان الذي حمله عبر روما كما لو كانت متساوية معه، وهل ماتت زنوبيا الحقيقية على الطريق إلى روما، هل قتلها أوريليان، أخيراً، انتقاماً لمقتل 1000 روماني في تدمر بعد عامين من توقيع السلام، أم هي، كما يدّعي آخرون، نفيت وقتلتها الشيخوخة في قصر على البحر الأدرياتيكي، وما حقيقة ثروتها التي لا تحصى، هل تم نقل جميع كنوز تدمر (بما في ذلك الغنائم التي حملتها زنوبيا من بلاد فارس) إلى روما، أم لا تزال هناك كنوز لا يمكن تصورها تنتظر تحت رمال الصحراء السورية؟”

رضاب نهار – اندبندنت عربي

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق