“لكل حجر فيها تاريخ”… لماذا لا يعرف السوريون إلا القليل عن آثار بلادهم؟

2

كم مرة تساءل المارون في دمشق عبر الطريق الدولي الذي يصلها بالمحافظات الشرقية والساحلية والوسطى، عن جبال القلمون التي تحيط بهم يميناً ويساراً؟

كثيرون لا يعرفون عن المدن التي تحميها تلك الجبال، غير حلويات “الهريسة النبكية” التي تشتهر بها مدن القلمون، وعلى وجه الخصوص النبك، وغير الهواء العليل، والمتّة بالسكر المُكَرمَل. ولكن في هذه البقعة من سوريا تاريخٌ يعود بآثاره إلى أزمنة سحيقة، من مغاور، وأديرة، زيارتها متاحة لمَن لا يتهيب صعود الجبال.

القلمون تعني “القلم”، أما الواو والنون فإضافة ذات أصل كنعاني. هي جبال ثلاثة على شكل أقلام، فيها آثار بشرية تعود بالحد الأدنى إلى 2500 سنة قبل الميلاد، وفي كل جبلٍ منها تاريخ أثري “لا يعرف عنه السوريون الكثير”، حسبما يقول رئيس اتحاد الآثاريين العرب الدكتور محمد بهجت قبيسي لرصيف22.

حنكة مهندسي العصور القديمة

يوم 31 آذار/ مارس 2021، وفي الساعة التاسعة صباحاً، اجتمع فريق من الصحافيين لإجراء مقابلة مع أحد الرهبان في دير مار موسى الحبشي في مدينة النبك. “لا تلبسن كعباً، وخذن معكن ماء. بدنا نطلع ألف درجة”، قال أحد الزملاء من أبناء المدينة.

ألف درجة، أو 800، تقريباً، من الحجارة المرصوفة والثابتة بحنكة مهندسي العصور القديمة، تخترق الجبل، وهي حتى الآن لا تختل تحت أقدام الزائرين عندما تطؤها.

كان كل من الزملاء يعدّ الأدراج، على هواه، وحسب تَعبه، ومغامرته التي تنتهي بدخول دير مار موسى، عابرين طريقاً تنقطع عنها الاتصالات.

دير مار موسى الحبشي في مدينة النبك

تُحدّث سارة خضر (30 عاماً)، وهي صحافية من مدينة سلمية، وتقطن في دمشق، الفريق في أثناء انتهاء مهمة العمل، وهبوط درج الدير، قائلةً لرصيف22: “كان أكبر حلم عندي أن أزور تدمر، لأني أسمع دائماً أنها المكان الأثري الأهم في سوريا، لكن عندما صعدت إلى القلمون، عرفت لأول مرة بوجود مكان أثري بهذا الجمال، وهذا التاريخ، واتضح لي أن كثيرين غيري لا يعرفونه، وخصوصاً بعدما حمّلت صوراً على فيسبوك من دير مار موسى الحبشي”.

رهف الجاسم (34 عاماً)، وهي طالبة دكتوراه في الفلسفة، من ريف الرقة وقضت طفولتها في الشرق السوري ثم انتقلت بحكم دراستها إلى دمشق، بدأت تكتشف العاصمة السورية وآثارها بحكم شغفها بالتراث وفلسفته.

تقول لرصيف22 إنها لم تكن تسمع أبداً عن مواقعَ أثرية سورية غير قلعة “جعبر” الأثرية التي تقع في منطقة الجزيرة السورية، على الضفة اليسرى لنهر الفرات، وتبعد عن الرقة 53 كيلومتراً، وقلعة صلاح الدين الواقعة في جبال الساحل السوري في مدينة اللاذقية، وبُنيت أيام الصلبيين، وقلعة دمشق الواقعة وسط العاصمة السورية، وبنيت في العصور الوسطى، وتُعَدّ واحدة من أهم معالم فنون العمارة العسكرية والإسلامية، وقلعة حلب المطلة على المدينة، وبُنيت في العصور الوسطى، وهي من أكبر قلاع العالم، ويعود تاريخ البشر على التل الذي بنيت عليه إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد.

السوريون كلهم يتغنون بأن حضارتهم من أقدم الحضارات في التاريخ. هذه البلاد لا تزال تحتفظ بموقعٍ أثري من كل حضارةٍ مرّت عليها. لكن معظمهم لا يعرف الكثير عن هذه الآثار

أتاحت دمشق لرهف، بحكم استقلاليتها فيها، أن تشاهد عن كثب المواقع الأثرية التي تعود إلى زمن الآراميين، مثل مدينة صيدنايا الأثرية الموجودة في منطقة القلمون، بحكم شهرة المنطقة، لكنها لا تعرف أي معلومة عن المناطق التي تحيط بالطريق الدولي.

ظروف الحياة أيضاً لم تتح لمنهل حسن (35 عاماً)، من مدينة اللاذقية، ويعمل مدرساً للغة العربية، أن يزور مدن القلمون السوري، أو مناطق أثرية سورية بعيدة عن مدينته. اكتفي بزيارة آثار أوغاريت في الساحل السوري حيث خُلقت أولى الأبجديات البشرية.

عند سؤاله عن آثار القلمون، أجاب بأنه لا يعرف سوى معلولا، درة القلمون التي تحتضن آثاراً وكنائس قديمة تعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وفيها كهوف صخرية.

يروي حسن لرصيف22 أسطورة سمعها، مفادها أن سبب وجود هذه الصخور والكهوف في معلولا، يعود إلى أن كل شاب كان ينوي الزواج، كان يُسأل أولاً: “هل حفرت بيتاً في الصخر؟” فإذا أجاب بنعم يُقبل به.

ويشير إلى أنه بحث كثيراً للحصول على معلومات تتعلق بالمواقع الأثرية السورية غير المدرجة في الكتب الدراسية، إذ لا تهتم المناهج السورية سوى بتدمر، وقلعة دمشق، وقلعة حلب، والحصن، على الرغم من وجود آلاف المواقع الأثرية السورية الجديرة بالذكر والاهتمام.

ويلقي المتحدثون الثلاثة اللوم في قلة المعرفة هذه على الإعلام والمناهج الدراسية.

عشرة آلاف موقع أثري

السوريون كلهم يتغنون بأن حضارتهم من أقدم الحضارات في التاريخ. هذه البلاد لا تزال تحتفظ بموقعٍ أثري من كل حضارةٍ مرّت عليها، سواء عرفها الناس، أم لم يعرفوها.

في سوريا اليوم عشرة آلاف موقع أثري، حسبما يقول الأستاذ في كلية الآداب، قسم الآثار والمتاحف، مجد منصور، لرصيف22، وتتوزع على مناطق البلاد كافة، ولا يعرف السوريون منها إلا ما يذكره الإعلام، والمناهج الدراسية، وما ذُكر على شاشات التلفزة بعد الحرب، عندما كانت هذه المواقع ميادين قتال.

في سوريا اليوم عشرة آلاف موقع أثري تتوزع على مناطق البلاد كافة، ولا يعرف السوريون منها إلا ما يذكره الإعلام، والمناهج الدراسية، وما ذُكر على شاشات التلفزة بعد الحرب، عندما كانت هذه المواقع ميادين قتال

وعن العوامل الرئيسية التي تجعل السوريين لا يعرفون كل شيء عن آثار بلادهم، يتحدث الصحافي أدونيس شدود، وهو خريج قسم الآثار والمتاحف في كلية الآداب، لرصيف22، قائلاً إن أهم العوامل الرئيسية تتمثل في قصور المناهج الدراسية، وفي عدم التركيز على المواقع الأثرية المحلية فيها، وهي كثيرة، ومنها ما يقع في في القلمون السوري، إذ تُسلط الأضواء على المناطق المشهورة، والمدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو فحسب، وهذا خلل تدريسي واضح.

قلعة حلب

على سبيل المثال، مدينة يبرود هي الأقدم في القلمون، وتعود أصولها إلى 3،200 سنة قبل الميلاد، وتظهر فيها بوضوح معالم العصر الحجري، بشهادة قبيسي الذي يعلل سبب وجود كثرة المغاور القديمة والأثرية في جبال القلمون، بأن الناس حينها كانوا يخافون ويلجأون إلى حفر المغاور قرب بعضها البعض، ليزدادوا بها قوة.

وبخصوص قصور المناهج الدراسية التي ألقى عليها شدود اللوم، تشير سلمى مصطفى، وهي طالبة دكتوراه في قسم المناهج الدراسية في كلية التربية، إلى أن المناهج السورية الحديثة لا تُعرّف بالآثار في سوريا بشكل صحيح، وتفتقر إلى التماسك.

وتضيف لرصيف22: “ربما فكرة التطوير جميلة، وفيها تغيير للأسلوب، لكن التماسك مفكك، إذ تغفل المناهج بعض المناطق الأثرية المهمة، وتركّز على مناطق أخرى. مثلاً، لم تذكر المناهج الدراسية قلعة سمعان، ولا قلعة المرقب”، وتطرح سؤالاً توجهه إلى مَن يهمه الأمر: لماذا لا تكون المواقع الأثرية على شكل خريطة؟

في سياق توضيحي عن موضوع المواقع الأثرية السورية، والمناهج الدراسية، يؤكد الدكتور في التاريخ مجد هرمز لرصيف22، وهو مطلع على المناهج السورية، أن “المناهج الدراسية في سوريا غير مطالَبة بسرد مفصل عن المواقع الأثرية الموجودة على الجغرافيا السورية”.

ويضيف أنه على الرغم من ذلك، فإن ما تذكره من مواقع أثرية غير كافٍ لتعريف الطالب السوري بتراثه، وحضارته الضاربة في القدم منذ آلاف السنين، فالسرد التاريخي يجب أن يخضع لخطة منهجية مدروسة، لا تركز على المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي فحسب.

وهنا يتقاطع هرمز مع شدود، ويشير بالأمثلة إلى أن الجامع الأموي، وقلعة حلب، وأبجدية الساحل السوري، ومدرج بصرى الشام، ذُكرت في كتاب التاريخ للصف الأول الابتدائي، بينما لم يتطرق كتاب التاريخ للصف الثاني الابتدائي إلى المواقع الأثرية السورية، واقتصر على التراث السوري.

وهكذا، اقتصر الأمر في المنهاج الابتدائي حسب هرمز على ذكر بعض المواقع الأثرية كالمتحف الوطني، ونواعير حماة، وقلعة جعبر، أو المدن الأثرية كمدينتي حلب وتدمر، فيما ذهبت المعلومات في المرحلة الإعدادية في اتجاه الاكتشافات الأثرية في مناطق مختلفة من دول الجوار، كتحفة البيرق من بلاد أور في منطقة الرافدين، وفي المرحلة الثانوية ذُكرت حضارات قديمة كالحضارة الآرامية، وبعض المدن، مع ذكر بعض الأوابد الأثرية في مدينة دمشق.

الخلاصة أن التراث السوري زاخر بالمواقع الأثرية، ونقطة الضعف فيه هي الاقتصار على ذكر ما هو مدرج على قائمة التراث، وتغييب مواقع مهمة في مناطق مهمة وإستراتيجية، مثل تل البحارية في دمشق، ودير مار موسى في ريف دمشق، وتل حويري في اللاذقية، وعين دارة في حلب، وغيرها الكثير، على الرغم من تعديل المناهج الدراسية أكثر من مرة.

ثلث الآثار في إدلب

الفريق الصحافي نفسه الذي صعد أدراج دير مار موسى، والتي يقال إنها من أيام البيزنطيين، تحدثوا عن أحلامهم في اكتشاف مواقع البلاد الأثرية، وهي أحلام تراوحت بين زيارة الشرق السوري حيث الرقة، ودير الزور، والحسكة، وبين زيارة الساحل السوري والمناطق الوسطى، وزيارة الشمال السوري حيث حلب وإدلب. وكل واحد منهم راح يتحدث عن معلومات بسيطة جداً يعرفها عن كل منطقة من تلك المناطق، علماً أن سوريا فيها كمية ضخمة من الآثار. تحتوي إدلب على ثلثها تقريباً، متمثلة في مواقع وتلال أثرية.

“لكل حجر في سوريا تاريخ”، حسب الدكتور منصور، وتقتصر معرفة الناس بالآثار والمواقع الأثرية على الدارسين والهواة، فمثلاً عند غالبية الناس “آثار القلمون، تتلخص بمعلولا”، وهذا يعود إلى ضعف الترويج السياحي، واقتصار الرحلات قبل الحرب على مناطق محددة، وأيضاً إلى قصور الإعلام، وتركيزه على مناطق أثرية قليلة، وإقامة الفعاليات السياحية في مناطق مشهورة، وغيرها من العوامل.

 

رنيم غسان خلوف

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق