لا أعتقد أننا سنختلف إذا قلنا إنه لم يبقَ ركن من أركان الدولة السورية إلا وتعرّض لتخريب عميق خلال العقد الماضي. ولا أظن أن السنوات الأخيرة تركت مفصلاً من مفاصل حياة السوريين ولم تعرّضه للاهتزاز العنيف. ما وصل إليه البلد من تمزّق سياسي واجتماعي هائل وانهيار اقتصادي غير مسبوق، فضلاً عن التقسيم الذي نعيشه كأمر واقع، أكبر شاهد على هذا الوضع المأساوي.
هل كان السوريون يعيشون فعلاً في بلد واحد قبل الثورة؟ سؤال يبدو أنه بات مشروعاً الآن، لا سيما في ظل نشوء ثلاث مناطق يتحكم فيها قادة لا همّ لهم سوى السلطة. الأمر الوحيد الذي يجعلنا نقول إننا لا نزال نعيش في بلد واحد، هو تفشّي الفقر وانعدام الأمن والأمان على امتداد المساحة الكلية للوطن.
بعد مضي عقد ونيّف على اندلاع ثورة الشعب السوري، لا يمكن لأي مراقب أن يتجاهل دور النظام ومسؤوليته الأولى عن هذه النتائج المخزية التي نعيشها حالياً. وبالتأكيد، لا يمكننا في الوقت ذاته إغفال دور المعارضة السياسية التي أثبتت أنها لم تتجاوز العقلية الانقلابية الصرفة، فكان هدفها الأساسي إسقاط النظام لتجلس مكانه من دون أي اعتبار لمطالب الشعب وتطلعاته التي حلم من خلالها بالعيش في وطن ديمقراطي حر خالٍ من الطغاة.
لا النظام امتلك الوعي لمعالجة الأزمة من بداياتها للخروج بأقل الخسائر، وهو الذي كان يملك كل الوسائل الممكنة في الـ2011 وما بعده، ولا المعارضة فكرت في غير ركوب الثورة وتفريغها تدريجياً من المطالب المشروعة والمُحقة، فكان جلّ اهتمامها هو الحصول على السلطة بأي ثمن، فدخل البلد والناس في نفق مظلم لا أفق لنهايته.
لا أعتقد أن ثمة جدوى حالية من نكء الجراح، فاستحضار التاريخ سهل لمنع أي عملية بناء للمستقبل، لأن البناء يستلزم أن نكون أبناء الغد وليس الماضي. كذلك، الغرق في التفاصيل لن يقدم أي فائدة لأحد، فالشيطان وحده يدخل فيها. ومن نافل القول إن رمي الكرة في ملعب الآخر ليس أكثر من مجرّد ملهاة لا طائل منها. وتالياً، لا بد لنا من الاعتراف بأننا أمام واقع يُحتّم العمل بإرادة صلبة للخروج منه بأقل الخسائر الممكنة ضمن الإمكانيات التي يمكن التحرك من خلالها.
الحاجة باتت مُلحّة إلى أن نعطي الأولوية للجانب الإنساني بعيداً عن هول الصراعات السياسية والعسكرية. الوقت يمرّ والمعاناة تستمر، ولا بد من التفكير في خلق وعي جديد يحاكي الواقع ولا يقفز فوقه
وأنا هنا لا أشجع على التسامح الذي لا يؤسس لوطن الحق والعدل، فلا بد للعدالة أن تأخذ مجراها، والذي يقوم على مبدأ محاكمة المجرم كفرد بغض النظر عن دينه أو انتمائه. ولا بد للمتضرر أن يحصل على حقوقه المشروعة كاملةً لا نقص فيها بغض النظر عن أي انتماء له. وإذا أردنا الذهاب أبعد من ذلك، علينا أن نوجه أصابع الاتهام إلى كل من ساهم في سرقة حلم الحرية للشعب السوري، انطلاقاً من إدراكنا أنه لا سبيل للعمل بمشروع يعيد بناء وطن حر وديمقراطي بعيداً عن تطبيق العدالة المنصفة.
آن الأوان للبحث عن حلول تنتشلنا من غرقنا الذي لا يمكننا النجاة منه بغير إرادتنا. آن الأوان لفك الحصار عن الأمل بعيش حياة كريمة فيها كهرباء وماء وغاز ودواء، حياة لا ينتظر فيها المواطن رسالةً تأتيه من أجل ربطة خبز أو جرّة غاز، حياة يتوقف فيها ذل الوقوف في طوابير الأفران ومحطات وقود السيارات.
الخلاص من هذه الأوجاع هو ما يجب أن يشغل بال العقول الوطنية بعد 11 سنةً عجافاً، فالحاجة باتت مُلحّة أكثر من أي وقت مضى إلى أن نعطي الأولوية للجانب الإنساني بعيداً عن هول الصراعات السياسية والعسكرية. الوقت يمرّ والمعاناة تستمر، ولا بد من التفكير في خلق وعي جديد يحاكي الواقع ولا يقفز فوقه، وعي متقدم يساهم في إنقاذ أجيال تتوالد بلا أمل، وعي قادر على إعادة إنتاج ثقافة تهيئ لمجتمع جديد وإنسان حر بعيداً عن أي أفكار أيديولوجية أو مكاسب دينية وقومية.
ما العمل الذي يمكننا فعله إزاء معيشة الذل والفاقة؟ وكيف يمكن خلق بصيص من نور لنهاية هذا النفق؟
لا شك في أن الشعارات التي طالب بها ثوار سوريا مطلع 2011، مثل: نريد العيش في ظل دولة مدنية ديمقراطية تعدّدية خالية من الفساد والمحسوبية، هي مطالب محقة، وهي شعارات كانت مطمحنا ولا تزال. لكن، نحن اليوم أمام وقائع لا يمكن تجاوزها؛ بلد مقسّم بإدارات مختلفة، كل إدارة لديها حساباتها التي لا تتفق مع حسابات المنطقة الأخرى. دول الجوار تتدخل في كل شاردة وواردة إلى درجة أنها ستعرقل أي مشروع لا يخدم مصالحها وأمنها القومي. تدخلات دولية تبحث في أدق التفاصيل ولن تسمح بخروج أي ملف عن مساره المرسوم له.
لا نريد أن نسلّم ولا أن نقبل بتقسيم البلد، لكن قد يكون العمل ضمن الإمكانات الحالية فرصةً ممكنةً أمام كل المتحكمين في مناطقهم، وأن يفكروا جدياً في عمليات إنعاش اقتصادي للمناطق التي تقع تحت سيطرتهم
وسط هذه الظروف وضمن الواقع الحالي الذي يفرض منطقه على الجميع، العمل المجدي يكون ضمن المعطيات الممكنة لنا كسوريين، وفي بيئة يمكننا التحرك فيها، وهي إمكانات إن وجدت من يدعمها فإنها ستثمر وتعطي نتائج تترك أثراً إيجابياً على جميع المواطنين.