كيف يحمي تنظيم “الدولة” مملكته في البادية السورية؟

7
15 / 100

في تقريره التحليلي السنوي حول واقع التنظيمات المصنّفة على “قائمة الإرهاب” أشار مجلس الأمن إلى وجود نحو عشرة آلاف مقاتل في صفوف تنظيم “الدولة” متوزّعين على طرفي الحدود بين العراق وسوريا، ولم يغفِل التأكيد على تصاعد نشاط التنظيم في كلا البلدين، وعزا ذلك إلى قدرة التنظيم على الاختباء في أماكن سرية، وحصوله على دعم من مجتمعات محلية سواء في العراق أو البادية السورية.

وبالعودة إلى تنظيم “الدولة” ذاته فإننا نراه قد تبنّى أواخر عام 2020 تنفيذ 596 عمليّة في سوريا، بينما يزيد هذا العدد إلى أكثر من الضِّعف في العراق، بالرغم من أن المتابعة الدقيقة لعمليّات التنظيم تؤكد أن الرقم أقرب للضعف من المعلَن عنهُ في كل بلد، فإن هذا يضع إشارات استفهام حول استراتيجية التنظيم في تبنّي العمليات التي تقوم بها خلاياه.

التنظيم والنظام لمن الغلَبة في البادية؟

مهما يكُن من حالٍ، فإن عمليات تنظيم “الدولة” في مساحات البادية السورية لم تتصاعد بين ليلة وضحاها، إذ تشهد هذه المنطقة منذ آذار الماضي تصاعدا مطّردًا لعملياته فيها، حتى بات من الطبيعي في الربع الأخير من العام المنفرِط أن تتراوح عملياته في مساحة البادية بين 40- 60 عمليّة تستهدف النسبة العظمى منها قوات النظام والميليشيات المنضوية تحت قيادة الروس أو الإيرانيين.

تحوّلت البادية –خاصة في الربع الأخير من 2020- إلى ميدان من المواجهات الواسعة بين خلايا “تنظيم الدولة” وبين قوات النظام والميليشيات الإيرانية والروسية التي تساندها، وقد فقد التنظيم فيها عناصر لا يُعلَم عددُها بشكلٍ دقيق، إلا أن الخسائر التي منيَ بها النظام وحلفاؤه كانت كبيرة فمن ضمنها قيادات كبيرة في قوات النظام والجيش الروسي وقوات الدفاع الوطني، وأثبتت هذه العمليات القدرة التي وصلت إليها خلايا التنظيم من حيث تنويع أساليب الهجمات والكمائن والاستخبارات وجمع المعلومات.

لقد دفعت هذه التطورات روسيا إلى شن عملية عسكرية –بجزأين حتى الآن- في البادية تحت مسمى “الصحراء البيضاء” بدءًا من 25 آب/أغسطس أسفرت بحسب تصريحات روسيّة عن مقتل ما يزيد على 350 عنصرًا من التنظيم، إضافة إلى تدمير 134 مخبأ لهم، و17 نقطة مراقبة، و7 مخازن للذخيرة، و5 مستودعات سريّة للأسلحة والذخيرة.

إلا أنه بالرغم من ذلك فقد عاد نشاط التنظيم للتصاعد واستهداف قوات النظام في المنطقة، حيث سجّل في المنطقة منذ مطلع العام أكثر من 100 هجمة متفرّقة ضد لواء القدس والميليشيات الإيرانية والدفاع الوطني وقوات النظام، في المنطقة الممتدة من منطقتي التبني والشولا غربي دير الزور إلى تدمر غربًا، وجنوبي الرقة وحلب وشرقيّ حماة.

تحذيرات لا تتوقف

بالرغم من إعلان العراق النصر على تنظيم الدولة في 2017 وإعلان التحالف الدولي عن السيطرة على آخر البلدات التي يتمركز بها التنظيم في دير الزور في آذار/مارس 2019 إلا أن التحذيرات لم تفتأ توجّه الأنظار إلى خطر التنظيم واحتمالات عودته، في آب/ أغسطس من عام 2019 أعلن البنتاغون عن وجود ما بين 10- 14 ألف مقاتل من التنظيم ينتشرون في العراق وسوريا مع أموال تقدّر ب300 مليون دولار ، كما حذّر التحالف الدولي من هذه العودة في سبتمبر/أيلول الماضي 2020 على لسان الكولونيل واين ماروتو الناطق باسم التحالف وأكد تصاعد احتماليتها، وهو ما أعادت وزيرة الدفاع والجيوش الفرنسية قوله بعد شهور: “إن تنظيم “الدولة الإسلامية” قد يعود إلى الظهور مجدّدًا في سوريا والعراق”.

هذا الوضع في الحقيقة يذكّرنا بعمليّة “إعادة بناء” التنظيم لقدارته نفسها التي قام بها أواخر عام 2010 إلى 2012

نسخة أخرى توضّح لنا دهاليز هذه التحذيرات ففي أيار/ مايو 2020 حذّر باحثون دوليون من تنامي قدرة تنظيم الدولة وبَدئه بإعادة إنشاء شبكته مرة أخرى حيث ليس بإمكان قسد أو الحكومة العراقية التعامل معه رغم أن التنظيم لم يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي ومناطق هامة مثلما فعل من قبل، إلا أن وتيرة الهجمات التي شنها زادت عدة أضعاف، بالتوازي مع امتلاك التنظيم خطوطًا واسعة على الحدود بين البلدين يستطيع من خلالها نقل مقاتليه أصحاب المهارات من العراق إلى من سوريا.

هذا الوضع في الحقيقة يذكّرنا بعمليّة “إعادة بناء” التنظيم لقدارته نفسها التي قام بها أواخر عام 2010 إلى 2012، في حالٍ كانت المنطقة تنعم فيه ببعضٍ من الاستقرار، فكيف الحال الآن وقد انتشرت خلاياه في بلدَين تتهَدّدُهما الهشاشة المفرطة والاضطراب الداخلي في ظل جوٍّ من انعدام الخيارات المعقولة أمام أبناء البلدين.

أهميّة البادية السورية

تتحرك خلايا تنظيم الدولة على امتداد مساحة تزيد على 80 ألف كيلومتر مربع، وتمتد من شمال منطقتي حوران وشرقي ريف دمشق وريفي حماة وحمص غربًا إلى الحدود السورية العراقية شرقاً، ومن الحدود السورية الأردنية جنوباً إلى أطراف محافظتي دير الزور وصولاً إلى الرقة وجنوبي حلب شمالاً، وهو ما يمنح التنظيم القدرة على مهاجمة قوات النظام وأرتاله التي تتحرك في طرق البادية.

تتميّز هذه المناطق بتضاريس مواتية للتخفّي، مثل الجبال والوديان والكهوف الجيرية الطبيعية شديدة العمق، بالإضافة إلى اتساع حجم المنطقة والعواصف الترابية اليومية، التي تحجب الرؤية الجوية، وتزيلُ آثار التحركات بسرعة، وقد كان لقطاع البادية في التنظيم منذ عام 2016 نشاط واضح في تجهيز المنطقة بالمخابئ والمستودعات للمرحلة القادمة، أي مرحلة الاستنزاف.

تعدّ بعض المناطق في البادية كمدينة السخنة من أهم العُقد التي تشكّل هدفًا قويًّا للتنظيم، نظرًا لموقعها الاستراتيجي وثرواتها الباطنية وأهميتها لروسيا والنظام، الأمر الذي تقابله روسيا بالسعي المستمر لتأمين هذه المنطقة وتمشيطها باستمرار، إذ تشكّل عائقًا أمنيًّا أمام تمدّدها إلى شرق الفرات، كما أن التنظيم يسعى لتوسيع حضوره في المنطقة وتصعيد عملياته فيها بهدف وصل شبكاته في العراق بها، وجعلها منطلقًا للسيطرة المستقبلية على أهم طرق البلاد الرابطة بين شرقها وغربها، علاوة على ذلك فإن المنطقة تحتوي العديد من الثروات كوجود بعض حقول النفط والغاز التي بقيت بيد النظام، مثل: حقول الشولا والمزرعة والمهاش والتيم وشميتة النفطية في دير الزور، إضافة إلى حقل الضبيان الغازي وحقل الهيل والشاعر، وآراك، وحيان، والمهر، وجحار، وأبو رياح النفطية في محافظة حمص.

هل من لغزٍ لدى التنظيم؟

الجواب بسيطٌ ولا يحتاج إلى رسم خرائط من التخطيط والتآمر بين الأطراف الفاعلة، فالتنظيم مجتَمَعٌ مقاتِل في بيئة حربٍ مستمرة منذ عشر سنوات، وفي مثل هذه الأجواء لا تتوقف الاختراقات في أجساد الفصائل والتنظيمات والجيوش النظامية ذاتها.

تعلّمنا التجارِب أن التنظيمات المقاتلة –من جميع التيارات- أقدر على التأقلم مع بيئة الحرب من الجيوش النظامية التي تتفكك داخليًّا –في حال الحروب الأهلية- وتصبح أشبه بعصابات أمراء الحرب –لكن بزيٍّ رسميّ-، وهذا ما يتيح للتنظيمات التغلغل والتحرّك بناء على ما تنتجه بيئة الحرب نفسها، أعني الفسادَ والخوف واللعب في الهوامش، فما هي الهوامش التي ساعدت التنظيم على بناء مملكة جديدة في البادية السورية؟

كثيرةٌ هي، بكل تأكيد، لكن أهمّها أربع ورقات، تبدأ بالتحرك في المناطق الهشّة حيث إنه من المؤكد أن استراتيجيات التنظيم الجديدة بعد خسارته مناطق السيطرة اتجهت نحو توسيع النفوذ في المناطق الهشة أمنيّا، كالمناطق الصحراوية المفتوحة كالبادية الشامية وسط سوريا والمساحة الممتدة في مثلث صلاح الدين الموصل الأنبار غربي العراق، وكالجبال حيث تمركز في مثلث كركوك ديالى صلاح الدين.

ولن يغيب عن عيوننا اعتماد التنظيم للعب ورقة الهجمات الليلية بدءًا من تطوير قدراته على التحرك ليلًا بمجموعات صغيرة لشن هجمات قاسية ضد خصومه من العسكريين والمتعاونين الأمنيين معهم من المدنيين وتضمن هذه الهجمات تفوّقًا للتنظيم حيث تسير مجموعاته بأشكال يصعب الشك بها أو رصدها من قبل طائرات الاستطلاع.

يفتقر خصوم التنظيم من القوات الأمنية والميليشيات في العراق وسوريا إلى الأعداد والقدرات الكافية على مواصلة عمليات تطهير المناطق وتمشيطها والاستقرار الدائم فيها

الاستنزاف المستمر المرهِق، ثالث أوراق التنظيم الرابحة، وهو نمط نراه في هجمات التنظيم في مختلف مناطق انتشاره كإفريقية والهند وأفغانستان واليمن ولن تكون العراق وسوريا استثناءً بل هي النموذج المحتذى لبقية الخلايا التي بايعته وسارت على نهجه.

يفتقر خصوم التنظيم من القوات الأمنية والميليشيات في العراق وسوريا إلى الأعداد والقدرات الكافية على مواصلة عمليات تطهير المناطق وتمشيطها والاستقرار الدائم فيها، وهو ما يسمح لمقاتلي التنظيم بالانسحاب منها والعودة إليها باستمرار.

تعَدّ السجون الورقة الأقوى بيد التنظيم فهي القنابل الموقوتة حيث إن عودة نشاطات التنظيم قد تهيئ له الأرضية للسيطرة على المدن مرة ثانية، وذلك باستغلال الاحتياطي “الخفي” للقوة البشرية التي ما تزال محتجزة في السجون العراقية، أو سجون قسد ومخيماتها التي تحوي عشرات آلاف الأفراد من أسر التنظيم الذين يلاقون الأمرّين فيها وينتظرون لحظة الخلاص منها وربما لحظة الانتقام، فما هو الحَدَثُ القادم؟

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق