كيف وصلت المعارضة السورية إلى هذا الدرك؟

فرض التدخّل الروسي في سوريا، عام 2015، خريطةً عسكريةً وسياسيةً جديدة في المعادلة، لصالح النظام السوري، مع خسارة فصائل المعارضة المسلّحة مدناً وبلداتٍ كبيرةً، لعلّ أبرزها حلب والغوطة الشرقية ودرعا، وخسارة الائتلاف للملفّ التفاوضي نسبياً، والاختراق الروسي للمعارضة عبر هيئة التفاوض، واختصار المسار السياسي بالدستوري، واستحداث مساراتٍ دولية سياسية جديدة، كآستانة وسوتشي.

أثّر ذلك على الموقف السياسي الإقليمي بشكلٍ كبير، بعدما أعلنت دولة الإمارات عودة العلاقات مع النظام السوري، ثم عودة سفارة البحرين إلى سوريا، وذلك مع سقوط مدينة درعا جنوب سوريا بيد روسيا، في حين كانت السودان أيام الرئيس عمر البشير، أول دولةٍ تقدِم على التطبيع.

هناك تحوّل ملحوظ في الموقف السعودي، على الأقل من حيث التنسيق الاستخباراتي مع النظام، والذي تبلور بزياراتٍ سرّية متبادلة

كمّا كان هناك تحوّل ملحوظ في الموقف السعودي، على الأقل من حيث التنسيق الاستخباراتي مع النظام، والذي تبلور بزياراتٍ سرّية متبادلة بين الطرفين، بدأها علي مملوك في الرياض قبل أكثر من سنتين. الأمر ذاته ينطبق على الأردن الذي خطا خطوةً نوعيةً بعد مكالمةٍ هاتفيةٍ أجراها العاهل الأردني الملك عبد الله مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، تبعتها خطوة أكثر جديّةً من قبل الإمارات، بزيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد لدمشق، ولقائه بشار الأسد.

 أفصح الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، على أنّ كلّاً من الجزائر والعراق والأردن، لديها رغبة في عودة النظام السوري إلى الجامعة

تحوّلت هذه التطورات والتغييرات السياسية من حالة الفردانية لبعض الدول، إلى مساعٍ لتنظيمها ومأسستها في إطار المجموعة والمركز، بعدما أفصح الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، على أنّ كلّاً من الجزائر والعراق والأردن، لديها رغبة في عودة النظام السوري إلى الجامعة، ومع تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي ألمح فيها إلى أنّ النظام قد يحضر القمّة العربية في آذار/ مارس 2022، التي ستقام في الجزائر، ليصبح التطبيع العربي أمراً لا ريب فيه. فكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟

سوء فهم النظام الدولي

عوّلت المعارضة السورية منذ بداية الثورة السورية، على التدخل الخارجي لإنهاء النظام السوري على الطريقة الليبية، كونها كانت تجربةً جيدةً في إطار التداخلات الدولية، لإسقاط الأنظمة الشمولية. المطالبات بتدخل الأمم المتحدة في سوريا تحت الفصل السابع، لم تتوقف، ولا سيما مع استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية، ولاحقاً في إدلب.

لكن القرارات الدولية، في معظمها، كانت تحت الفصل السادس الذي يركّز على العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية، بدلاً من التدخّل العسكري، فكان من الواضح أنَّه لا نية لما يُسمى دول أصدقاء سوريا في دعم المعارضة السورية عبر التدخّل العسكري، وتأكّد ذلك عندما امتنع الرئيس الأمريكي بارك أوباما، عن شنّ عملية عسكرية لإسقاط الأسد بعد هجوم الغوطة، وتأكد ذلك في عهدة الرئيس دونالد ترامب الذي قام بضربةٍ عسكريةٍ محدودةٍ غير مؤثّرة للحفاظ على اعتبار واشنطن دولياً، وذلك بعد استخدام النظام للسلاح الكيميائي للمرة الثانية.

القرارات الدولية، في معظمها، كانت تحت الفصل السادس الذي يركّز على العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية، بدلاً من التدخّل العسكري، فكان من الواضح أنَّه لا نية لدعم المعارضة

ويتّفق مراقبون على أن الأسباب التي دفعت الأمم المتحدة للتوافق والتدخل في ليبيا، غير متوفرة في سوريا، على الأقل من ناحية الثروات الباطنية، كما أنَّ موقع سوريا الجيوسياسي والإستراتيجي في قلب الشرق الأوسط، يعيق دعم أيّ عملية تحوّل ديمقراطي، أو انتقال سياسي مؤقت.

يقول الدكتور برهان غليون، أول رئيس للمجلس الوطني، في حديث إلى رصيف22، إنَّ “أزمة النظام الدولي التي نشأت نتيجة فشل نظام القطب الواحد، الذي خلف نظام القطبية الثنائية، وكانت الولايات المتحدة التي تصرّفت كالسيد الأول في تنظيم شؤون العالم قد ارتكبت أخطاءً لا تُحصى وفجّرت تناقضاتٍ واضطراباتٍ في العلاقات الدولية، بين الكتل الرئيسية، وواجهت هزائم متعددة دفعت الرؤساء، منذ باراك أوباما، إلى النأي بالنفس عن المشكلات الدولية. وفي هذا الفراغ الجيو إستراتيجي، حصلت الثورات العربية، ومنها الثورة السورية، فتقدّمت قوى إقليمية لأخذ دورٍ لم تكن تحلم به من قبل، ومن دون رادع حقيقي”.

موقع سوريا الجيوسياسي والإستراتيجي في قلب الشرق الأوسط، يعيق دعم أيّ عملية تحوّل ديمقراطي، أو انتقال سياسي مؤقت.

يضيف: “أزمة النظام الدولي، وسوء تقدير المعارضة، وانقسامها بين مؤيدٍ للتدخّل الخارجي، وأخرى بقيت في دمشق لإظهار حسن نواياها والتفاوض مع النظام لأجل الحل السياسي، عوامل شجّعت إيران وروسيا على التدخّل بقوّة، ومن دون خوفٍ، لتصفية حسابهما مع المعسكر الغربي الذي ضرب عليهما الحصار، وهو ما وجد فيه نظام على شفا الانهيار، الوسيلة الوحيدة للحفاظ على ملكه، ومعاقبة الشعب الذي ثار عليه، وهكذا وجدت الثورة الشعبية والسلمية نفسها من دون خيارٍ، ودخلت في تحدّي السلاح من دون قيادةٍ سياسية، ومن دون تنظيم”.

فشل المنصّة الجامعة

عشيّة تأسيس المجلس الوطني السوري في تشرين الأول/ أكتوبر 2011، بدأت الخلافات بين شخصيات المعارضة، ومنصّاتها، تخرج إلى العلن، فلم تكن هذه الخلافات وليدة اللحظة، وإنما كانت جزءاً من عدم وجود رؤية وبوصلة وطنيتين مشتركتين، وصعوبة فهم مطالب المتظاهرين السوريين، أو على الأقلّ قدرة الشخصيات السياسية السورية المعارضة على تحويل تلك المطالب إلى مشروعٍ سياسيٍّ موحّد.

تعددت المشاريع بين هيئة التنسيق التي حُسبت على المعارضة الداخلية، والتي قطنت على مدار سنوات الثورة، في سوريا، مشكّلةً من مجموعة أحزاب سياسية بعضها معترف بها بموجب قانون الأحزاب الذي أصدره النظام بعد التعديلات الدستورية التي أجراها نهاية العام 2011، وأخرى تبعت للمعارضة في الخارج، وهو ما عرقل إمكانية أن تكون هناك منصّة جامعة، ولعلّ أبرز ما نجحت المعارضة في تحصيله خلال عملها السياسي، هو بيان جنيف1، وانتزاع الاعتراف السياسي بها.

عانى الائتلاف من مشكلات أساسية عدة أهمها: الخلاف على التمثيل، الابتعاد عن مطالب الشعب، الهيمنة، أزمة الهوية، فقدان البوصلة الوطنية، والتدخل الدولي.

الأسباب ذاتها انتقلت من المجلس الوطني السوري إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والذي أُسِّس في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، بمساعِ دولية، بهدف توحيد شمل المعارضة، فعانى الائتلاف على مدار تسع سنواتٍ من مشكلات أساسية عدة يمكن تلخيصها بالتالي: الخلاف على التمثيل، وعدم القدرة على تمثيل كافة شرائح الشعب السوري، وهيمنة شخصيات محددة لا يتجاوز عددها خمس شخصيات، أو سبعة، على قرار الائتلاف، وأزمة هوية في فهم الدور الرئيسي له بين التفاوض والتركيز على عمل الدولة، وفقدان البوصلة الوطنية، والتدخل الدولي.

أعادت هذه المعوقات المعارضة السورية إلى نقطة البداية التي أصبحت بحاجة إلى منصّة جديدة تنوب عن الائتلاف -حبيس مشكلاته الداخلية- بهدف أن يكون هناك تمثيل أوسع، وبالفعل في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2015، بدأت التحضيرات لإنشاء منصّة جديدة للمعارضة تحت مسمّى “هيئة المفاوضات السورية“.

أعادت هذه المعوقات المعارضة السورية إلى نقطة البداية التي أصبحت بحاجة إلى منصّة جديدة تنوب عن الائتلاف -حبيس مشكلاته الداخلية- بهدف أن يكون هناك تمثيل أوسع

لم تكن مشكلات الهيئة مختلفةً عن مشكلات الائتلاف، مع اختلاف المسمّيات والدوافع، فأدّى التدخل الدولي في هيئة التفاوض، والخلافات الإقليمية السعودية-القطرية، إلى تأثّر المعارضة السورية بدءاً من الخلاف المستمر على ما يُسمّى “المستقلين”، رغبةً من الرياض في رفع نفوذها داخل الهيئة، مروراً بتعطيل رئاسة الهيئة بسبب عدم التوافق، والخلاف داخل منصة القاهرة الذي حُسم الأمر في نهاية المطاف بإغلاق مكتب الهيئة الرسمي في السعودية.

وتقول مرح البقاعي، وهي أحد أعضاء اللجنة الدستورية، لرصيف22، إنَّ “أبسط المعايير في عمل المؤسسات العادية لم تتوافر في مؤسسات المعارضة؛ كالشفافية، والمساءلة، والمحاسبة، واستقطاب الشباب، وتالياً، عندما تغيب هذه الأدوات الأساسية عن المؤسسات العادية، سيكون الفشل حتمياً، لذلك فشلت مؤسسات المعارضة التي ليست مؤسساتٍ عاديةً فحسب، وإنما وطنية مسؤولة عن إنقاذ وطن كامل”.

صراعات المنطقة

أثّر الصراع الخليجي، والذي تحوّل لاحقاً إلى صراعٍ إقليميٍّ على الملف السوري، وبالتحديد على المعادلة السياسية السورية ودعم المعارضة، فتقوقع المعارضة في تركيا، واصطفافها بجانب الموقف القطري، وانخراطها في هذا الصراع، سهّل الاستثمار فيها كورقةٍ سياسيةٍ وجزءٍ من الصراع.

مع الوقت، أدّى ذلك إلى تراجع دعم المعارضة السورية، وأبقاها رهينة التجاذبات الإقليمية، فاختارت المعارضة الاصطفاف مع الموقف القطري، كون أن علاقات ممتازة وإستراتيجية تربط تركيا بقطر، وانعكس ذلك بشكلٍ ملحوظٍ في الخلافات داخل هيئة التفاوض السورية بين منصّات سورية معارضة محسوبة على الموقف السعودي، أو مقرّبة منها، وبين أخرى محسوبة على الموقف القطري والتركي، وأدى ذلك إلى تشتّت المعارضة المشتتة أصلاً، ودخولها في صراعات هي في غنى عنها، ولربما من أكبر أخطاء المعارضة اهتمام منصّاتها بمصالح دولٍ تراعها وتدعمها، على حساب المصلحة السورية والثورية.

كانت المعارضة بحاجةٍ أكثر من أيّ وقتٍ إلى أن يكون مقرّها الرسمي في دولةٍ حياديةٍ لا تتأثر بسياسات دولتها، كمّا حدث مع الائتلاف في تركيا، وهيئة التفاوض في السعودية، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق

ومع عودة التقارب الخليجي، وتحسين العلاقات القطرية السعودية، وكذلك التركية الخليجية، ترأس سالم المسلط، الذي يُعدّ شخصيةً توافقيةً الائتلاف الوطني لقوى الثورة، كجزءٍ من المعادلة السياسية الجديدة.

في ظلّ هذه الأزمة، كانت المعارضة بحاجةٍ أكثر من أيّ وقتٍ سبق إلى أن يكون مقرّها الرسمي في دولةٍ حياديةٍ لا تتأثر بسياسات دولتها، كمّا حدث مع الائتلاف في تركيا، وهيئة التفاوض في السعودية، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق، ولم يتم العمل عليه بشكلٍ جدي.

المسار الروسي

ما زال الخلاف مستمراً داخل مؤسسات المعارضة السورية حول جدوى الانخراط في المسار الدستوري، بعد ست جولات فاشلة، بعدما كان نتاج مسارٍ مضادٍ لجنيف رسمته خريطة الصراع الجديدة، بعد التدخّل الروسي في 2015، واكتمل نصابه مع سيطرة تركيا على أجزاء من ريف حلب، واستفادت أطراف هذا المسار من الجمود الذي عانى منه مسار جنيف، وعدم قدرة الأطراف على الاتفاق على سلّة الحكم الانتقالي على مدار ثماني جولات.

فقدان القرار الوطني المستقلّ للمعارضة، والعمل بدلالة إرادة الدول، وتجاوب البعض مع الرؤية الروسية ونهجها، أدّى إلى تزييف الحل السياسي وتشويهه عبر ما سُمّي باللجنة الدستورية

وبمساهمةٍ دولية من قبل المبعوث الأممي الخاص لسوريا، ستيفان دي مستورا، عندما نقل أجندة المفاوضات من هيئة الحكم إلى اللجنة الدستورية في الجولة السادسة من مؤتمر جنيف في 16 أيار/ مايو 2017، وقدّم للأطراف ورقةً سُمّيت “المبادئ الأساسية لإنشاء آلية تشاورية حول المسائل الدستورية”.

استغلّت روسيا ذلك، وبدأت بالتحضيرات للإعلان عن مسارٍ جديدٍ، مستغلّةً الفراغ الدولي في سوريا عسكرياً، وقلّة خيارات منافستها تركيا، فأطلقت مسار آستانة الذي انتقل مع الزمن من مسارٍ لخفض التصعيد، إلى مسارٍ سياسي مضاد، بحضور المعارضة السورية والمبعوث الدولي وبعض الدول. ومع انعقاد مؤتمر سوتشي (2018)، الذي حضرته المعارضة، تم تثبيت المسار الدستوري، والاختراق الروسي للقرارات الدولية.

يقول الرئيس السابق للائتلاف جورج صبرا، لرصيف22، إنَّ “فقدان القرار الوطني المستقلّ للمعارضة، والعمل بدلالة إرادة الدول وسفرائها والمبعوثين، بديلاً من العمل وفق إرادة الثورة وناشطيها في الداخل، وتجاوب البعض في مؤسسات المعارضة مع الرؤية الروسية ونهجها في التطاول على الحلّ السياسي المحدد بالقرارات الأممية، وذلك بالمشاركة في مسار آستانة وسوتشي ومخرجاتهما، أدّى إلى تزييف الحل السياسي وتشويهه عبر ما سُمّي باللجنة الدستورية، وإيهام الناس بأنها مدخل للحلّ السياسي، والحصيلة سنوات من الفراغ والمخادعة، وست جولات من اللقاءات الفارغة من دون جدوى”.

اليوم، ونتيجة كُلّ ما سبق، نحت المعارضة السورية بنفسها عن الواجهة، ولم تعد مقررةً في ما يُحاك للسوريين، فيما دول العالم تُعيد تعويم الأسد الذي لم يُبدّل سياسته تجاه شعبه، منذ عام 2011 وحتى اليوم.

محمد السكري

لا يوجد تعليقات

تعليق إلغاء الرد

Exit mobile version