الأسد وزوجته أمام معبد البارثينون بأثينا في ديسمبر/كانون الأول 2003 (رويترز)

تسييس علم الآثار وتجنيده لخدمة مصالح ذاتية من قبل الأحزاب القومية والدكتاتوريات يجعل من الروائع الأثرية والمعمارية وسيلة لمحو ذاكرة الشعوب بدلا من حفظها.

تعج وسائل الإعلام بتقارير عن نهب الآثار بالشرق الأوسط الذي يعاني على مستوى التراث الثقافي والأثري، لكن هناك نوع آخر من التهديد لا يأتي من نهب الآثار وإنما من إساءة توظيفها واستخدامها لمصالح فردية وسلطوية.

وفي تقرير لمجلة نيولاينز (New Lines) الأميركية كتبت أوليفيا سنيجي -وهي مؤلفة وصحافية ومحررة مهتمة بالترجمة والأدب بالشرق الأوسط- أن 3 دول عربية، هي العراق وسوريا وليبيا، تمتلك تراثًا استثنائيًا من المواقع الأثرية القديمة، والعديد منها الآن مهدد بالاندثار. وحكمت هذه البلدان بواسطة أنظمة دكتاتورية، ولا يزال الحال كذلك بالنسبة لسوريا. وتناقش الكاتبة كيف استخدم الحكام تراثهم الثقافي بطرق مختلفة لتشكيل الهوية الوطنية، وتحديد كيف يرون أمتهم.

تقول الكاتبة إن استلهام الحكام للتاريخ القديم لتشكيل دولهم ليس بالأمر الجديد، فقد نظر الزعيم الإيطالي الفاشي موسوليني إلى الإمبراطورية الرومانية، في حين طور هتلر والحزب النازي عرقهم الأسطوري القديم “الآري” من الماضي البعيد. وأقام شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي واحدة من أكثر الحفلات فخامة بالتاريخ في برسيبوليس عام 1971 خلال الاحتفالات الوطنية التي احتفت بعظمة الإمبراطورية الفارسية التي يبلغ عمرها 2500 عام وأسسها كورش الكبير في القرن السادس قبل الميلاد.

وهكذا، تتابع الكاتبة، وصل الرؤساء العرب صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي إلى السلطة أواخر الستينيات والسبعينيات، وحكموا على التوالي لمدة 24 و29 و42 عامًا. لقد استلهموا جميعًا تراث العروبة لكنهم طوروا نهجهم الفردي منها.

تراث عربي في أتون الحكم

أدرك كل من صدام والأسد قيمة التراث الأثري لبلديهما، وقاموا بتكييفه ليناسب تفسيراتهم لما اعتقدوا ما يجب أن يكون عليه الحزب الحاكم، وكلاهما رأى أنه من الضروري توحيد الناس من مختلف المعتقدات واستخدموا لذلك المواقع الأثرية، بحسب الكاتبة.

جدارية لصدام وخلفه نبوخذ نصر الذي توفي 562 قبل الميلاد (غيتي)

سوريا

في سوريا أيضًا، كان ترويج الأسد للآثار، كما وصفه الكاتب الصحفي الراحل باتريك سيل (1930-2014)، جزءًا من سعيه لبناء الأمة. كما درس ستيفان فالتر، وهو عالم سياسة فرنسي متخصص في الثقافة والحضارة العربية، علاقة الأسد بعلم الآثار السوري في كتابه عام 2002 “البناء الوطني السوري”. وكتب أنه لهشاشة التماسك الاجتماعي في سوريا بسبب تنوع مجتمعاتها العرقية والدينية، كان من المهم للأسد أن ينشئ هوية إقليمية وتاريخية يمكن لجميع الأقليات أن تجد فيها مكانًا شرعيًا، ولا شك أن الثراء الأثري ساعد في بناء هوية وطنية قائمة على ثقافة تم الترويج لها على أنها سورية أصيلة.

رؤية علمانية

في سوريا، يصف فالتر كيف أسس حزب البعث في السبعينيات لجنة لإعادة كتابة التاريخ برؤية علمانية، بحيث يكون الإسلام مجرد تعبير عن الحضارة العربية. بهذا المعنى، كانت الفترة الأموية من التاريخ مفيدة للحزب بسبب طبيعتها المتعددة الأعراق.

وكتب فالتر أن الجامع الأموي في دمشق كان من أفضل رموز حزب البعث، بسبب سمات هذا الحزب الثقافية السورية الآرامية والرومانية والكنسية والإسلامية.

وظهر المسجد على أغلى ورقة نقدية في سوريا ذلك الوقت، خلف صورة الأسد. وتضمنت الأوراق النقدية صوراً لقلعة حلب، والمدرج الروماني لبصرى والملكة زنوبيا من تدمر، وقد أظهرت بوضوح رغبة النظام في الخلط بين المراجع العرقية الثقافية العربية والفخر القومي وقليل من الإسلام، كما كتب فالتر.

ومن جانبه أوضح علي عثمان، عالم الآثار السوري وأمين التراث المقيم الآن في باريس، أن هناك عنصرًا للسياسة الخارجية للمواقع الأثرية في سوريا، رغم أن مؤرخي الحزب كان لهم اليد العليا في إعادة كتابة التاريخ، وأن رؤساء أقسام الآثار بالمواقع المختلفة كانوا مع حزب البعث، إلا أن التنقيب في المواقع غالبًا ما ترك لعلماء الآثار الأجانب، من فرنسا وبولندا واليابان، على سبيل المثال. وأضاف عثمان أن النظام استخدم تراثه الأثري “كمفاتيح دبلوماسية. لقد حل الأسد مشاكله الدبلوماسية مع أوروبا والولايات المتحدة باستخدام الثقافة كنقطة مساومة”.

ووفقًا لعثمان، فإن الأوساط الأثرية الأجنبية فهموا الرهانات السياسية والثقافية، وقبلوا اللعبة لأنهم أحبوا العمل بالمواقع في سوريا، وقال عثمان إنه عندما كان موظفًا حكوميًا يعمل في مديرية الآثار، كان دائمًا يخشى زيارة موقع تدمر لأنه لم يستطع الابتعاد عن حقيقة وجود سجن رهيب (سجن تدمر) في الجوار.

وأضاف أن “تصرف علماء الآثار كما لو أن السجن غير موجود” وأن أوغاريت من أهم المواقع الأثرية للأسد قرب مدينة اللاذقية على البحر المتوسط. ومع وجود 5 طبقات من الثقافات تعود إلى العصر الحجري الحديث، فهي لا تشتهر فقط بألواحها الطينية ذات الأبجدية المكتوبة بخط مسماري، ولكن أوغاريت أيضًا شمال القرداحة كانت مهمة للنظام لأنها المكان الذي ولد فيه الأسد ودُفن.

وعلى عكس ما حدث في عراق صدام أو سوريا الأسد وفي ليبيا القذافي، عانت دائرة الآثار من نقص مستمر في التمويل. ويتذكر فكرون “ميزانيتنا كانت شبه معدومة. نسوا ذات مرة أمر دائرة الآثار عندما كانوا يضعون ميزانية الدولة. لم يكن لدينا راتب لمدة 6 أشهر. نحن نتحدث عن بلد به أطنان من المال من البترول، وقد أعطانا قروشا قليلة، ولدينا 5 مواقع للتراث العالمي.

 

المصدر : مواقع إلكترونية

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق