قصر الحير مدينة سورية أثرية أسسها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في الصحراء الشامية

عندما يقرر أحدهم مراجعة تاريخ سوريا، لا بد أن الذهول سيكون مرافقه وشغف معرفة المزيد ستكون رغبته، فأينما تفتل المرء وتمعن في الجغرافية السورية، سيجد نفسه أمام بحر من الحضارات التي تمتد لآلاف السنين، وسيقرأ بين أسطر الجدران الصامتة عن حضارات سكنت واستوطنت ها هنا، خاضت الحروب وعاشت السلام واشتغلت بالتجارة، وبعد كل تلك الحقب التاريخية، بقيت آثارهم لتحكي لنا قصصهم بلغات متعددة، ففي تلك القلاع والمدن الأثرية سيقف المرء طويلا أمام شخصيات تاريخية نعرفها رغم عدم مقابلتنا لها، وأما الحضارات فتروي لنا الجهود الجبارة التي بذلتها شعوب تلك الأمم في البناء والتطور العمراني، حتى أصبحت منجزاتهم كنوزا يقدرها العالم، وتقام الورش لترميمها بهدف الحفاظ عليها للأجيال القادمة أيضا.
نقف اليوم أمام قصر الحير الواقع وسط البادية الشامية، ويعدّ هذا القصر من أشهر القصور الأمويّة التي أنشأت في سوريا، فنال أهميته انطلاقا من الشخصية التي أمرت ببنائه، ألا وهو الخليفة هشام بن عبد الملك، وهو عاشر خلفاء بني أمية وأشهرهم، وقد حكم 105-125 هـ/724-743 م.

التأسيس والوظيفة

أجمعت العديد من المصادر السورية والغربية أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، كان قد أمر بتأسيس قصر الحير الغربي سنة 109 هـ / 727 م، ويقع القصر على بعد نحو 60 كم جنوب غرب تدمر، فيما أشارت المراجع إلى أن بناء القصر تم على أنقاض دير يعود إلى العهد الغساني.
أما قصر الحير الشرقي، فتم تشييده سنة 110 هـ/ 728 م، ويقع القصر ضمن نطاق مدينة أثرية كاملة كانت منتجعا للخليفة في العصر الأموي، على بعد 105 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة تدمر وسط سوريا.
شكل القصر مدينة متكاملة، وهو عبارة عن قصرين، قصر كبير ذو شكل مربّع، يمتدّ على مساحة تبلغ الـ 11200 متر مربّع، ويبلغ 170 متراً طول ضلعه، في حين أن القصر الصغير، فشكله مربع أيضا، إلاَ أنه غير منتظم، وطوله هو 70 متراً، محاط بأسوار حجرية مدعومة بـ 12 برجاً نصف دائري، ولعل أكثر ما يميزه هو المدخل الوحيد فيه، والقوس الذي يتوسطه، بينما تفصل بين القصرين مئذنة مربعة الشكل بارتفاع عشرة أمتار، وهي ذات مدخل جنوبي ودرج حلزوني دائري.
القصر الكبير يحوي العديد من المزايا، فجدرانه الخارجية مدعومة بـ 26 برجًا، ويبلغ قطر البرج الواحد 4 أمتار بشكل نصف دائري، بمعدل 6 أبراج لكل جدار، ما عدا الواجهة الرئيسية للقصر، ففيها برجان فقط، لكنها محاطة بعدد من الأبواب والدهاليز المخصصة لحماية مدخل القصر.
كما يتألف القصر الكبير من طابقين وله بوابة ضخمة محاطة ببرجين دائريين وثلاث بوابات في محيط القصر وأبراجه مستديرة وتحيط به البساتين والبيوت الخاصة بالحاشية ودور الخدمة والمخازن والمطابخ والحمامات. يزيد طول السور المحيط بهذه المدينة على ست كيلومترات بحسب ويكبيديا، وتحوي المدينة كافة الخدمات إضافة للمباني ومسجد ومعاصر للزيت وصناعة الزجاج وخزانات ماء.
وقد اكتشفت قناة تمتد لمسافة 5700 متر تنقل المياه إلى داخل أسوار المدينة وإلى القصر من الدير البيزنطي القريب من المكان وتحيط بالقصر البساتين والزراعة.
وقد أوضح هرزفيلد أحد الأثريين الذين عملوا في الموقع أن بناء المسجد وبعض المرافق قد سبقت بناء القصر ويعد قصر الحير الشرقي مع قصر الحير الغربي الواقع غرب مدينة تدمر نموذجا للفن الأموي الذي انتشر في المدن الإسلامية والأندلس بعد ذلك.
فيما يعتبر الحجر الكلسي، هو الأساس المستخدم في بناء القصر وهذا ما يشير وفق بعض المراجع إلى تأثر الجهات التي أشرفت على البناء بالفنون الساسانية في تشييد المباني الضخمة والقصور.
المعلومات البحثية، أفادت باستخدام الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك لقصر الحير الشرقي كمركز عسكري وكذلك كقصر للصيد بسبب الحياة البرية الصحراوية الغنية بها، وربما كمكان للتجارة.
كما يتميز القصر الكبير بوجود مداخل متقابلة من بعضها البعض وعددها أربعة، وعرضها ثلاثة أمتار، وفيها عوارض معشقة شكلها أفقي، إضافة لوجود قوس قلبه مفصص وشكله مدبب، في حين تمت إضافة هذا الموقع إلى القائمة المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو في 8 حزيران/يونيو 1999 ضمن الفئة الثقافية.
وأشارت منظمة اليونسكو إلى أن قصر الحير الشرقي نجح في الحفاظ على الخصائص والميزات الأموية الأصيلة، أكثر مما فعلت أيّ قلعة أخرى، كافلاً استمرار التقاليد الثقافية السورية (الفن البيزنطي والساساني) بالرغم من وصول الإسلام.
متحف كيلسي للآثار، هو متحف علم الآثار في جامعة ميشيغان البحثية الأمريكية، اعتبر في تقرير له، أن الأدلة المعمارية والخزف والزخارف الجصية وغيرها من المواد، تعكس تطوراً وانحداراً في قصر الحير الشرقي يتوافق بشكل وثيق مع المنطقة العامة. كما يبدو أن المباني قد اكتملت على مدى 75 عامًا قبل وأثناء القرن الثامن، وبعد ذلك ظهرت أدلة على التراجع والدمار بالنيران في القرن العاشر، ونهضة في القرن الحادي عشر، وهجر نهائي في القرن الرابع عشر، بعد ذلك، تم استخدام الموقع فقط كمأوى مؤقت في الصحراء.
وأشار متحف كيلسي للآثار، إلى أن التنقيب عن الوحدات الأربع الرئيسية – الجدار الخارجي، والحاوية الصغيرة، والحمام الخارجي، والهيكل الكبير – قدم أدلة معمارية أساسية ووفرة من مواد السيراميك، والجص، والزجاج، والبرونز. ويبدو أن الجدار الخارجي القوي قد حمى السكان من الحيوانات واللصوص، مع نظام سد للحماية من الفيضانات الطبيعية. أنتجت أيضًا نظامًا متقنًا للغاية لإمدادات المياه.

مسجد القصر

يقع المسجد في الزاوية الجنوبية الشرقية للقصر، فقد اكتشف علماء الآثار مسجدًا كان يحتل ركنًا من أركان القصر وأعادوا ترميمه جزئيًا؛ يشبه تصميمه تصميم بازيليك بثلاث بلاطات. أعمدة الغرانيت وتيجان الرخام التي تزين المسجد مأخوذة من المباني القديمة، وذلك وفق عدة مصادر متطابقة.
فيما يُعرف المجمع الثاني (الأصغر) باسم الخان، على اعتبار أن تصميمه مشابه لتصميم الخان مع فناء مركزي محاط بمباني من طابقين مع مستودعات واسطبلات في الأسفل وغرف فوقها.
بين المجمعين مئذنة مقطوعة. دفع حجمه وموقعه وتقنية بنائه علماء الآثار إلى الاعتقاد بأنه تم بناؤه بعد عدة قرون من المجمعين، عندما كانت قرية صغيرة متداخلة داخل الخان.

حمام قرب الخان

مبنى ثالث تم اكتشافه في أوقات سابقة على بعد سبعين ياردة من الزاوية الشمالية الغربية للخان، يحتوي على حمامات تم تصميمها وفقًا لمخطط الحمامات الرومانية مع قاعات بدرجات حرارة مختلفة ومسبحين وغرف تغيير ملابس ومراحيض.
إن حقيقة أن القصر والخان والحمامات لم يتم توحيدهما في مجمع واحد، بل وقفت منفصلة، على الرغم من كونها قريبة جدًا من بعضها البعض، ربما ترجع إلى رغبة الخليفة هشام في إعطاء الشكل الفعلي لمختلف المباني الخيالية المصورة، في فسيفساء الجامع الكبير بدمشق.

طرق مذهلة لنقل المياه

مركز بالميرا مونيتور للدراسات والأبحاث، نقل عن الخبير دونيس جنيكان، رئيس البعثة الأثرية السويسرية التي زارت قصر الحير الشرقي أنه «يعتبر أحد أكبر هذه المدن الأرستقراطية التي شيدها الأمويون في المناطق الصحراوية، وأغلب هذه المدن تشتمل على قصر ومسجد وبعض المباني السكنية والمنشآت الزراعية، ولكن في قصر الحير الشرقي يتعلق الأمر بمشروع أكبر من ذلك، إذ يتعلق الأمر بقصر بمعنى الكلمة، أضيف له قسم يؤوي مباني ومساكن ارستقراطية، ومسجدا عاما ووحدة اقتصادية بها معصرة لزيت الزيتون. وحول هذه المباني تمتد أحياء سكنية لعامة الناس القاطنين طوال السنة وهي مصنوعة من الطوب اللبن وتمتد على حوالي 30 هكتارا، وإلى الجنوب من القصر يوجد بستان تناهز مساحته 10 كيلومترات مربعة، محاط بسور من الطوب اللبن يرتفع لأربعة أمتار ومزين، وهو موصول بقنوات للري وقد استخدم لزراعة العديد من أنواع الثمار والمحاصيل».
كما أظهرت البعثة السويسرية التي زارت سوريا في عام 2010 «كيف برع العرب في قنوات جلب المياه إذ أن قصر الحير الشرقي المتواجد في منطقة خالية من مصادر المياه، كان يغذى بالمياه من منطقة الكوم التي تبعد عنه بحوالي 30 كيلومترا، وهذا عبر قناة أرضية مصنوعة من الحجر الخالص بها نقاط تنظيف وتفتيش، وقد قمنا في أحد المواسم بالكشف عن الجانب القريب من القصر من هذه القناة وكان به موقع نصبت فيه طاحونة تدار بقوة المياه لطحن الحبوب». وفق ذات المصدر.

مدينة محصنة

كتب خالد الأسعد وعدنان البني في كتاب «تدمر، التاريخ والآثار والمتحف» أن هذه المدينة المُحصنة التي عرفت باسم «القصر الكبير» كانت مربعة الشكل ومحصنة بجدار له نقاط مراقبة دائرية، كانت تشتمل على القصر وعلى خزان للمياه بسعة 3000 متر مكعب في وسطها، وعلى معصرة للزيت. وقد شيد في زاويتها الجنوب شرقية مسجد هشام الذي يعتبر نموذجا مصغرا للمسجد الأموي في دمشق. أما الحمامات التي كانت تقع إلى الشمال من القصر فكانت تشتمل على ثلاث قاعات متفاوتة الحرارة، رصفت أرضيتها بقطع من المرمر. أما البستان الممتد على مساحة 6 كلم على 3 كلم فقد أحيط بسور ما زال جزء منه قائما حتى اليوم. وقد كان البستان وكذلك سكان المدينة يزودون بالمياه العذبة عبر قناة صخرية تمتد لمسافة 30 كلم وتجلب المياه من ينابيع منطقة الكوم». وفق ما نقله موقع هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية.

النظام السوري أهمل القصر

الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني، يرى في تصريحات أدلى بها لـ«القدس العربي» أن النظام السوري أهمل بشكل عام الآثار والمواقع التاريخية السورية، وخاصة منها ما يشكل الذاكرة الجمعية للدولة ودورها عبر مراحل التاريخ المختلفة.
فقصر الحير الذي يعود تاريخ بنائه إلى العصر الأموي، لم يكلف النظام نفسه بإحيائه واستثماره كمعلم على الأقل لتعريف السوريين بتاريخهم وتراثهم لأنه هدف إلى بناء ذاكرة جمعية للسوريين على مقاسه عنوانها «سوريا الأسد» فالمعالم الحضارية تعود لحقبة الأسد في الحكم، والمنشآت الصناعية، والمؤسسات التعليمية وكل مرافق الدولة.
عسكريا، يتميز القصر وفق الباحث بقربه من مطار التيفور العسكري الذي يتبع للنظام السوري، وبالتالي فإن الطرف المسيطر عليه يتمكن من تعطيل حركة المطار ولهذا حاول النظام استمرار سيطرته على القصر، لكيلا يعطل حركة الطيران العسكري.
ورغم تناوب سيطرة النظام وتنظيم «الدولة» على القصر في العام 2017 واندلاع المعارك بالقرب منه، إلا أن القصر بقي خارج العمليات العسكرية، ويبدو أن أطراف الصراع تعمدت ذلك، مع العلم أن النظام طالت غاراته الجوية مناطق قريبة منه كمنطقة حقل غاز الهيل.
ويمكن القول من ناحية عسكرية أن القصر على الرغم من أهميته كحصن إلا أنه لا يمكن توظيفه للأعمال العسكرية الخاطفة واعتماده كمركز دعم لوجستي لظهوره وبروزه ووضوحه كهدف.
كما يمكن القول من ناحية عسكرية أن الأطراف استفادت من شبكة الطرق التي تربط المناطق به (مدينة السخنة – الحدود العراقية السورية).

قصر الحير الغربي

إلى الغرب من مدينة تدمر، أقام هشام ابن عبد الملك قصر الحير الغربي الذي نقبت فيه بعثة فرنسية ما بين عامي 1936 و1938.
وإذا كان قد تم ترميز جزء من بعض الجدران من قبل الإدارة العامة للآثار والمتاحف، فإن واجهة القصر نقلت إلى دمشق وهي تُزين اليوم مدخل المتحف الوطني في دمشق.
فيما يشتمل قصر الحير الغربي، على حمامات بغرفتين تستقبلان المياه الواردة من سد خربقة. وعلى بعد 10 كيلومترات من القصر أقيم خان لم يتبق منه اليوم سوى باب المدخل الذي نقل إلى حديقة متحف دمشق وقد كتب عليه بخط كوفي «أمر هشام ابن عبد الملك ببناء هذه المرافق في عام 109 هجرية»-727 ميلادية.
هذا وتتميز زخرفة القصر بحسب موقع هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية بأنها عبارة عن نقوش مخصصة لها والتي كانت تحيط بالقصر من جميع الأقسام من داخله وخارجه، كما أنه معمار ضمن سلسلة من المحارب والقناطر.
فيما بنيت النزل من الطوب اللبن فوق الحجر، وتبلغ مساحتها حوالي 55 مترًا مربعًا، يتم تنظيمه حول فناء مركزي يمتد إلى رواق بعمق 2.5 متر وتحيط به ثلاث غرف طويلة تمتد كل منها على طول الجدران الشمالية والغربية والجنوبية وست غرف فردية إلى الشرق.
بينما يقع المدخل الرئيسي في وسط هذه الواجهة، بالإضافة إلى ذلك، يمتد كلا من الجدارين الخارجيين الشمالي والجنوبي إلى الخارج عند النقاط الشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية من المبنى، إلى الشمال، يوفر هذا الامتداد حوضًا للشرب خلف رواق مكون من ثلاثة أعمدة بينما استخدم في الجنوب كمسجد صغير مستطيل الشكل (تم العثور على بقايا محراب في الموقع). من السمات المهمة للخان نقش محفور على عتب يؤكد تاريخ وتكليف الموقع تحت حكم الخليفة هشام بن عبد الملك، بحسب مصادر أرشيفية غربية.
يعد قصر الحير من أهم المعالم التي تأسست في العصر الأموي وفي سوريا بأكملها، وعلامة مميزة في الدول الإسلامية.

المصدر: القدس العربي

تعليق