عمليات داعش بالبادية السورية: كيف يستمر التنظيم في الجغرافيا الأصعب بالمنطقة؟

عمليات داعش بالبادية السورية، تثير كثيرا من الأسئلة عن الطريقة التي يتحرك بها التنظيم في هذه المنطقة صعبة التضاريس. إذ ينتشر عناصر داعش على جانبي الحدود السورية العراقية، ويشكلون تهديدا كبيرا، يمكن أن يُطال عمق الأراضي السورية والعراقية.

كما أن وجود تنظيم داعش بين مجموعة نقاط قوة لجيوش عظمى، يدفع للتساؤل عن الكيفية التي يستمر بها في منطقة مغلقة تماما، حدودها كالتالي: من الجنوب الغربي الأردن ودرعا وصولا إلى دمشق؛ من الشمال أطراف القلمون وحمص وصولا للرقة؛ من الشمال الشرقي الحدود العراقية-السورية وصولا إلى بغداد؛ ومن الجنوب الحدود السعودية.

وتشهد محافظة دير الزور كثيرا من عمليات التنظيم، مع العلم أن الحدود السورية-العراقية تبعد عن مركز مدينة دير الزور قرابة مئة وثلاثين كيلومترا، وتنحصر القرى، والمدن في ريفها الشرقي بين نهر الفرات وبادية الشام، وفي هذه المنطقة ينتشر قليل من مقرات القوات الروسية؛ وكثير من مقرات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له، التي تسيطر على مدينة البوكمال بشكل مطلق. ويعتبر الحرس الثوري هذه المدينة بمثابة قاعدة انطلاق لتواجده في سوريا.

عمليات داعش بالبادية السورية، تعني إذا التماس الدائم مع نقاط القوة الإيرانية والروسية في مساحة مفتوحة. فما الاستراتيجية العسكرية للتنظيم وخصومه؟ وما المآلات المتوقعة للمعركة الدائرة في البقعة الأصعب، والأوسع من الأراضي السورية؟

الاستراتيجية العسكرية لداعش في البادية

 

العقيد المنشق فايز الأسمر أكد أن “التنظيم لم ينتهِ بشكل كامل، ومازال مستمرا في المنطقة، وعملياته بالبادية السورية دليل على ذلك”.

ويقول الأسمر، في حديثه لموقع “الحل نت”: “عندما فقد التنظيم السيطرة المكانية على كثير من المناطق، بفضل الحرب التي شنها التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية ضده، استمر بطرق أخرى في البادية الشامية، وبادية الجزيرة. وما زال قادرا على شن عمليات استنزافية ضد القوات النظامية وقسد والميليشيات الإيرانية، بل حتى القوات الروسية. ما جعل البادية منطقة صراع مفتوح بين التنظيم وخصومه”.

إلا أن ما يتطلب القراءة أكثر، هو قدرة التنظيم على الوصول إلى مناطق واسعة داخل الأراضي السورية، واستهداف مقرات وثكنات تابعة للقوات النظامية وروسيا وإيران، في مناطق تعد بعيدة عن نقاط قوته، خاصة أن الأمر يتم رغم امتلاك روسيا ،وحكومة دمشق سلاح الجو، الذي يُعد فارقا في المعارك التي تدور على الأرض السورية.

كثير من المحللين العسكريين، المعنيين بعمليات داعش بالبادية السورية، تحدثوا عن تقسيم التنظيم للبادية إلى قطاعات بأبعاد مختلفة، ولكل قطاع عدد معيّن من العناصر، وأمير جماعة منفصلة تماما عن الجماعات الأخرى. وهذا التكتيك العسكري استخدمته الجماعات الجهادية سابقا في أفغانستان والعراق، وكان له تأثير كبير على تنظيم العمليات العسكرية وتحديد المهام، وأيضا تحديد التكاليف بدقة، وهو أمر يهتم به التنظيم كثيرا، خاصة مع انحسار الموارد التي كان يسيطر عليها في العراق وسوريا.

اعتماد تكتيك المجموعات يقلل من تكلفة التسليح، لأن المجموعات الصغيرة تستخدم السلاح الخفيف، الذي يمكّنها من الكَر والفر بسهولة؛ وكذلك فإن ذخيرة البنادق الآلية الخفيفة متوافرة بشكل كبير في سوريا والعراق، مثل الكلاشنكوف الروسية، وM16 الأمريكية، إضافة إلى رشاش BKC، الذي يناسب كل أوضاع الرماية.

 

أهم عمليات داعش بالبادية السورية

 

ولكن ما أهم عمليات داعش بالبادية السورية، التي تؤشر إلى عدم نهايته في تلك المنطقة؟

عمر أبو ليلى، المدير التنفيذي لشبكة دير الزور 24، العاملة في شرق سوريا، قال لموقع “الحل نت” إن “أكبر ضربة، تعرضت لها القوات الروسية في دير الزور، كانت قتل اللواء فياتشسلاف جلادكيخ. والظاهر في تصوّري الشخصي، ومن خلال مراقبتنا كشبكة، حجم الاختراق الذي يعصف بالميليشيات الروسية في المنطقة، مثل ميليشيا الدفاع الوطني. وبرأيي فإن إيران لها دور أساسي في ذلك الاختراق، وربما هي من أوصلت المعلومات إلى خلايا داعش، ما مكّنها من تصفية قياديين روس بارزين في منطقة دير الزور”.

ويضيف: “هذا الاختراق يشير إلى أن العلاقة بين روسيا وإيران غير مستقرة، بسبب سكوت روسيا عن الضربات الجوية الإسرائيلية ضد المواقع الإيرانية في سوريا؛ وأسباب أخرى تتعلق بتقاسم الثروات والنفوذ في شرق سوريا”.

.يذكر أن اللواء فياتشيسلاف جلادكيخ شغل قيادة “الفرقة 36” في الجيش الروسي، وكانت وزارة الدفاع الروسية، قد اعتبرته “مستشارا عسكريا” في سوريا، وتم اغتياله عام 2020، ومعه تيسير الظاهر، قائد ميليشيا الدفاع الوطني في مدينة الميادين، بعبوة ناسفة، زُرعت على طريق أرتال روسية في منطقة البادية جنوبي دير الزور. وأصيب في التفجير جنديان روسيان أيضا، ومجموعة من عناصر الدفاع الوطني.

إضافة لهذا شنّ تنظيم داعش سلسلة هجمات في بادية دير الزور، أوقعت خسائر كبيرة في صفوف القوات الروسية. ففي عام 2017 أعلنت وزارة الدفاع الروسية مقتل قائد مجموعة “المستشارين العسكريين” الروس في سوريا، الفريق فاليري أسابوف، قرب دير الزور، في هجوم شنه داعش في موضع يبعد عن الحدود السورية-العراقية قرابة مئة وسبعين كيلومترا.

ووفق وكالة رويترز، فإن مئة وثلاثين جنديا روسيا قتلوا أثناء الحرب، التي دارت وسط سوريا وباديتها، وخاصة في محافظة دير الزور، في الفترة بين شهر كانون الثاني/يناير، وشهر أيلول/سبتمبر عام 2017. هذه الخسائر أجبرت الروس على تهدئة الأعمال العسكرية، إلى أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سحب جزء من مقاتليه من البادية السورية، في بداية كانون الأول/ديسمبر عام 2017.

أما عن أهم عمليات داعش بالبادية السورية ضد القوات النظامية، فقد شنّ التنظيم في عام 2021 سلسلة هجمات، جعلت خسائر القوات النظامية هي الأكبر بين القوى المسيطرة على المنطقة. إذ قُتل عشرات الضباط والعناصر، أثناء تنفيذهم دوريات مختلفة، على رأسهم محمد فخرو، العقيد في سلاح الهندسة، من مرتبات الحرس الجمهوري، جنوب قرية البوليل في دير الزور.

ومن الملاحظ، أن عمليات داعش بالبادية السورية ضد القوات والميليشيات الإيرانية هي الأقل عددا وتأثيرا. ويُرجع بعض المحللين السبب إلى التحفظ العسكري الكبير لقوات الحرس الثوري الإيراني، وعدم مجازفتها بزج عناصر يتبعون له في البادية السورية، وكذلك عدم قيامها بعمليات تمشيط في بادية دير الزور الجنوبية، واكتفائها بالتحصّن في النقاط المقابلة لها.

استراتيجية داعش في منطقة الفرات

 

أما على ضفتي نهر الفرات الشرقية والغربية، فيستخدم التنظيم أسلوبا مشابها لأسلوبه بالبادية السورية، إذ يعتمد على تقسيم مناطق نفوذه إلى قطاعات، تمثّل المدن والقرى الكبرى، مثل قطاع هجين، قطاع الشعيطات، قطاع الشحيل، وقطاع البصيرة في ريف دير الزور، وفي الحسكة هناك قطاع مركدة، قطاع الشدادي، وقطاع غويران.

وبهذا يتحرك التنظيم وفق تراتبية معينة، تشبه تراتبية سباق التتابع، إذ تستمر عمليات المراقبة، والرصد من قطاع لآخر، حتى يصل الهدف لمنطقة التنفيذ، وهنا يتحمّل العناصر الموجودون في القطاع المحدد مهمة تنفيذ عملية الاستهداف.

التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية يؤكدان أن تنظيم داعش ما زال ينتشر في بعض القرى جنوبي الحسكة وفي ريف دير الزور، الأمر الذي يفسّر كم المداهمات الكبير، التي تجريها قسد، للقرى القريبة من نهر الفرات شرقي دير الزور، إضافة إلى الاعتقالات المستمرة في تلك المناطق، بتهمة الانتماء للتنظيم.

العقيد الأسمر علّق على استراتيجية التنظيم في القتال والتمركز شرقي الفرات وغربه بالقول: “استراتيجية التنظيم، بعد فقدانه السيطرة الجغرافية، واحدة، سواء في شرق الفرات أو غربه، وهي القتال بمجموعات صغيرة، والاعتماد على تكتيكات حرب العصابات والكمائن، والغارات الخاطفة الليلية والنهارية، والتفخيخ والتلغيم، ومهاجمة الحواجز والاغتيالات، وتنفيذ أسلوب: أُهجم، أُقتل واغتنم، انسحب واختف بسرعة، قبل الوقوع تحت ضربات الطيران”.

عمر أبو ليلى، يرى أن “التنظيم يستغل ما يحدث بين إيران وروسيا من منافسة، لبسط النفوذ في شرق سوريا، وعلى هذا الأساس يبني استراتيجيته، سواء غرب الفرات أو شرقه، وبهذا يعمل على رد الفعل أكثر من الفعل”.
ويرى كثير من المراقبين، أن استراتيجية انتشار التنظيم الجديدة شرقي الفرات وغربه تزيد من حرية الحركة لدى عناصره، ما يفسّر وجود زعيم داعش عبد الله قرداش في محافظة إدلب، البعيدة عن مواطن ثقل التنظيم. الأمر الذي يعطي صورة واضحة عن تنقّل عناصر التنظيم، وقادته بين سوريا والعراق، والوصول إلى مدن وبلدات في عمق البلدين. وهكذا تصبح عمليات داعش بالبادية السورية، منطلقا لتحركات واسعة للتنظيم في المنطقة، وإن كانت لا تقيه من الضربات الموجعة، التي تطال قادته وعناصره.

تعليق

Powered by Facebook Comments

لا يوجد تعليقات

تعليق إلغاء الرد

Exit mobile version