“عقاب جماعي” يطارد آلاف اللاجئين.. سوريون يروون مأساتهم بعد حرق خيامهم بشمال لبنان

226

عند حافة خيمتها المحروقة في مخيم اللاجئين السوريين في بحنين-المنية شمالي لبنان، تجلس فادية محمد (38 عاما) تمسح دموعها، بعد أن فقدت الأمل بالعثور على محتويات خيمتها التي كانت مدعمة بشوادر النايلون، قبل أن تلتهم نيران حريق مروّع المخيم بأكمله.

هذه المرأة السورية التي هربت من مسقط رأسها بحمص إلى لبنان قبل 8 سنوات، وجدت أن الحرب تلاحقها بعد أن دمرت النيران خيمتها التي كانت تؤوي أطفالها.

وقالت للجزيرة نت “لحظة بدء اندلاع الحريق لم أفكر إلا بإنقاذ أطفالي من الموت، كنتُ أبدّل ملابس الرضيع فحملته شبه عارٍ، وأمسكت بأيديهم لأركض بحثًا عن مخرج، وعدنا صباحًا ولم أجد خيمتي التي ذابت وصارت كالفحم الأسود”.

وعلى بُعد أمتارٍ، كانت تقف أم علي (43 عامًا) التي هربت من الحسكة السورية إلى لبنان في 2011، وهي أم لـ6 أولاد، شكت للجزيرة نت بالسؤال “ما ذنبنا لكي ندفع ثمن إشكال فردي لا علاقة لنا به؟ ما ذنب أطفالنا كي يهربوا من النيران والرصاص منتصف الليل وهم يرتجفون من البرد؟”.

وكان عدد من المواطنين اللبنانيين أضرموا النار في مخيم للاجئين السوريين في بحنين-المنية ليل السبت، إثر خلاف فردي دار بين مجموعة من إحدى عائلات المنطقة وعمال سوريين في المخيم، مما أدى إلى سقوط عددٍ من الجرحى.

وفي وقتٍ ما زالت الروايات المحلية تتضارب حول خلفيات الحادث الذي شرّد عشرات العائلات السورية، أصدرت قيادة الجيش اللبناني بيانًا رسميًا أوضحت فيه أن مديرية المخابرات أوقفت الأحد مواطنين لبنانيين و6 سوريين على خلفية إشكال فردي وقع في بلدة بحنين بين شبان لبنانيين وعدد من العمال السوريين، ما لبث أن تطور إلى إطلاق نار في الهواء من قبل الشبان اللبنانيين الذين عمدوا أيضا إلى إحراق خيم اللاجئين السوريين.

وروى أحد شهود العيان للجزيرة نت اللحظات المريرة التي عاشها اللاجئون قبل إضرام النيران، إذ أقدم المعتدون على قطع أسلاك الكهرباء عن المخيم، وأطلقوا الرصاص عشوائيًا في الهواء، وهدد بعضهم اللاجئين بحرق أي مخيم قريب يلجؤون إليه.

وبعد فشل الهروب من البوابة الرئيسية، هرب عشرات الشبان والنساء والأطفال إلى السور الخلفي، وكان بعضهم يركضون حفاة، فاستعانوا بدرجٍ صغيرٍ بدؤوا يسقطون عنه نحو البساتين المحيطة على وقع دوي انفجار قوارير الغاز جراء الحريق.

ومن بين اللاجئين الهاربين، كان الطفلان الصديقان أحمد العيسى وأمير محمد (10 سنوات)، وهما من مدينة القامشلي السورية، وقد بدت ملامح الخوف على وجهيهما، وقال أحمد للجزيرة نت “جئت إلى المخيم لأتفقد دراجتي لكنني لم أجدها، وقد ضرب المعتدون عمي على رأسه، وكنت أخشى من وصول النار إلى جسدي قبل أن أركض بعيدا في البستان”.

ويقاطعه أمير متمنيًا العودة إلى سوريا، لأنه يعيش هنا بظروف صعبة ومن دون مدرسة، ولا يمكن أن ينسى “ليلة الرعب من الحريق” كما وصفها.

ومخيم بحنين-المنية هو واحد من عشرات المخيمات المنتشرة في لبنان، ومعظمها بنيت بطريقة عشوائية وفي مساحته التي لا تتجاوز 1500 متر مربع، يوجد به 86 خيمة تسكنها نحو 76 عائلة، أي أن هناك 379 لاجئا سوريا، بحسب ما يشير المتحدث باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين السوريين في شمال لبنان خالد كبارة.

استنكار

وقد أثار حريق مخيم اللاجئين استنكارا لبنانيا واسعا على المستويين الرسمي والشعبي، لا سيما أن شمال لبنان معروف كبيئة حاضنة للاجئين السوريين وقضيتهم، ووصفه كثيرون بالفعل المدان والعنصري والإجرامي، كما طالبوا بالقصاص من المعتدين.

كما تواصل وزير الشؤون الاجتماعية رمزي المشرفية مع وزيرة الدفاع زينة عكر، وأكد حرص الوزارة على سلامة اللاجئين وضرورة معالجة أسباب الحادثة وتداعياتها ومحاسبة الفاعلين.

وأعطى المشرفية توجيهاته إلى فريق الاستجابة الذي قام بالتنسيق بين السلطات المحلية والجهات الأمنية والمنظمات الدولية الفاعلة، وحرص على ألا يبيت أحد من العائلات في العراء ودون مأوى، بحسب بيان وزارة الشؤون.

من جهته، دان مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان إحراق مخيم النازحين السوريين في بلدة بحنين-المنية، واصفا ما جرى بـ “الجريمة النكراء التي تستحق العقاب الشديد من الذين قاموا بهذا العمل المشين بحق الإنسانية”.

خلفيات الأزمة

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها اللاجئون السوريون إلى التنكيل والطرد من أماكن سكنهم، وآخر حادث كان قبل شهرٍ في نهاية نوفمبر/تشرين الأول، حين غادرت نحو 270 عائلة سورية بلدة بشري الجبلية شمالي لبنان، بعد أن أثار حادث مقتل شاب لبناني على يد لاجئ سوري توترًا دفع مجموعة من شباب المنطقة لطرد السوريين المقيمين لديهم، كرد فعل على الجريمة.

وفي السياق، يعتبر ناصر ياسين، أستاذ في الجامعة الأميركية مهتم بقضايا اللاجئين، أن إحراق مخيم بحنين-المنية لم يكن مستغربا وليس جديدا والمفارقة بحجم عدوانية الحادث، ويرى أن اللاجئين غالبا ما يتعرضون عند كل إشكال فردي إلى “عقاب جماعي” صار يطارد آلاف السوريين في لبنان.

ويربط ياسين -في تصريح للجزيرة نت- ما يتعرض له اللاجئون السوريون بـ3 عوامل أساسية:
أولًا، تحول اللاجئ في لبنان إلى إنسان مستباح، في ظل تصاعد خطاب الكراهية منذ أكثر من عامين ومطالبة بعض الفئات والمسؤولين برحيل السوريين، كما يحملهم البعض مسؤولية الأزمات باعتبارهم يشكلون ضغطًا إضافيًا على المجتمع اللبناني مع وجود ما لا يقل عن مليون لاجئ سوري.

ثانيًا، غياب الدولة اللبنانية عن مقاربة ملف اللاجئين منذ 9 سنوات بشكل كامل، مما أدى لخلق نوع من الشرائع الجماعية التي تمارسها فئة من المجتمع المضيف بحق اللاجئين من دون أي رادع قانوني.

ثالثا، الأزمة الاقتصادية والمعيشية في لبنان التي زادت حدة الاحتقان بين المجتمعين اللبناني والسوري، خصوصا أن اللاجئين يقيمون في المناطق الأكثر فقرا، لسهولة العيش فيها بطرق غير قانونية، وهو ما يزيد من التوترات نتيجة تشاركهما في المعاناة نفسها.

ويلفت ياسين أن نحو 90% من اللاجئين السوريين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر، وحجم المساعدات التي تصلهم لا تكفي لسد أدنى حاجاتهم، والمشكلة أن معظمهم لا يتمتعون بحماية قانونية، إذ هناك نحو 70% من اللاجئين لا يملكون أوراق إقامة رسمية، إما لأنهم لجؤوا هربا بطريقة غير شرعية، وإما لأنهم لم يجددوا إقامتهم لعدم امتلاك كلفة نفقاتها.

هذه العوامل مجتمعة وغيرها، بحسب ياسين، أسست أرضية للعنف، ولولا تضامن فئة واسعة من اللبنانيين مع اللاجئين لأخذت ردود الفعل الانتقامية وتيرة أشد عنفًا، يخشى من تفشيها مع توالي تداعيات الانهيار الكبير الذي يعصف لبنان.

المصدر : الجزيرة

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق