عشائر البادية السورية ضحية “إرهاب” ميليشيات النظام وداعش

تبدو العملية العسكرية التي يحضر لها النظام وحلفاؤه ضد “تنظيم الدولة” في البادية السورية مختلفة هذه المرة من ناحية التجهيزات العسكرية بالعتاد والأعداد الضخمة، والمشاركة غير المسبوقة لأبناء البادية المنقسمين على طرفي القتال وبشكل قسري، ومن ناحية النتائج السلبية المتوقعة للعملية العسكرية على العشائر عموماً في البادية باعتبارهم الجهة الأكثر تضرراً من التطورات الميدانية هناك وعلى مدى عام كامل تقريباً من المواجهات ويظهر ذلك جليا في (التغييرات الحاصلة في التوزع الديموغرافي وتهجير القرى المأهولة والانتهاكات المرتبكة بحق أبناء البادية).

الحشد للمعركة

يتواصل حشد قوات النظام والميليشيات الروسية والإيرانية للعملية العسكرية ضد “تنظيم الدولة” في البادية السورية، وبدأت فعلياً مقدمات المعركة المفترضة، وتم إشغال أكثر من محور بمواجهات محدودة مع التنظيم في بوادي حلب وحماة وحمص، ويشارك طيران النظام وروسيا على نحو متصاعد في التمهيد وضرب مواقع التنظيم وتحركاته بهدف إضعافه ومن ثم التهيئة للهجوم الكبير متعدد المحاور.

بدأت الحشود العسكرية تتدفق نحو جبهات البادية منذ منتصف شهر أيار/ الماضي، ودفعت القوات الروسية بتعزيزات كبيرة من عتادها المتمركز في قواعد الساحل وريف حماة نحو باديتي حمص وحماة، وسلمت قيادة العمليات في قطاع البادية الشمالي لزعيم “قوات النمر” سهيل الحسن، والذي اتخذ من معمل السكر في مسكنة ومطار كويرس شرقي حلب غرفتي عمليات للدعم البري والجوي ومن المفترض أن يقود الحسن عمليات بوادي الرقة وحلب وحماة في حين ستتولى المليشيات الإيرانية العمليات في الجبهات الشرقية في باديتي حمص ودير الزور.

تغيير تكتيكات المعركة

فشل النظام وحلفاؤه من الميليشيات الروسية والإيرانية في الحد من توسع خلايا “تنظيم الدولة” في البادية السورية، وشهدت العمليات الهجومية للتنظيم تطوراً لافتاً من ناحية تكثيف الهجمات وتنويع تكتيكاتها وتوسعها نحو معظم مناطق البادية الموزعة على محافظات (حمص وحماة وحلب والرقة ودير الزور).

المحلل العسكري، النقيب عبد السلام عبد الرزاق، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، يرجع فشل النظام في معارك البادية “إلى مجموعة من العوامل، أهمها، الزج بتشكيلات غير مدربة على القتال في المناطق الصحراوية الوعرة، والفاعلية المحدودة للأسلحة المستخدمة في المواجهات مع التنظيم الذي اتبع تكتيك حرب العصابات، بالإضافة إلى اعتماد النظام والميليشيات على تكتيك التمشيط في ملاحقة عناصر التنظيم والذي نتج عنه زيادة كبيرة في أعداد القتلى بالألغام والكمائن، وعودة عناصر التنظيم إلى مواقعهم بمجرد انسحاب القوات المهاجمة من منطقة العمليات المؤقتة”.

وأضاف النقيب عبد الرزاق، أن “النظام وحلفاءه يحاولون تغيير التكتيكات في المواجهات مع التنظيم وذلك من خلال تحقيق انتشار أوسع وتثبيت مواقع عسكرية متقدمة وتأمين الطرق وإنشاء نقاط دعم وإسناد وتقطيع أوصال البادية لشل حركة الخلايا المتحركة، وأهم تلك المتغيرات في الحشد للمعركة هو الاعتماد بشكل أكبر على العناصر المحلية من أبناء المنطقة، أي التجنيد القسري لأبناء العشائر في البادية السورية لأنهم الأعرف بجغرافية المنطقة ويسهل عليهم كشف وتوقع هجمات عناصر التنظيم ومخابئهم”.

تجنيد أبناء العشائر

نجح النظام والميليشيات الروسية والإيرانية في تجنيد أعداد كبيرة من أبناء العشائر في البادية السورية خلال العام الحالي، وأخضع المجندين الجدد في صفوف التشكيلات العشائرية تحت مسمى “جيش العشائر” لدورات عسكرية محدودة وقصيرة، وتبدو حملات التجنيد أكثف في بادية حماة في مناطق (السعن وسلمية وأثريا)، واعتمد النظام على شخصيات ووجهاء عشائر من أبناء المنطقة في الحملة، الأمر ذاته حصل في بوادي حلب والرقة ودير الزور وحمص وبطرق وأساليب تجنيد متنوعة.

مصادر محلية في بادية حماة قالت لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “أبناء البادية السورية يتوزعون على عشائر (الغناطسة وبني عز والمعاطة والبوحسن والعكيدات والفنير والبشاكم والجماجمة والبوصليبي والموالي والحديديين) وغيرها من العشائر” وأشارت المصادر إلى أن “الشخصيات النافذة في مجتمع عشائر البادية والمقربة من النظام والميليشيات هي، الشيخ حاكم الصفوك الرجو من الغناطسة، وعبد الكريم معاط وأحمد الدرويش من بني عز، والشيخ محمد جاسم السليم من المعاطة، والشيخ نايف النوري، والشيخ أحمد العموري من العكيدات، والشيخ نواف الطراد من البوحسن، والشيخ طلال المذري من الفنير، والشيخ حسين العواد من البشاكم، والشيخ سليمان الصطم من الجماجم، و الشيخ سلطان الجوني من البوصليبي”.

الانتهاكات ضد العشائر

يأتي النجاح المفترض لحملات التجنيد بين عشائر البادية بعد سلسلة طويلة من الانتهاكات والاعتداءات التي تعرضوا لها على يد قوات النظام والميليشيات الإيرانية والروسية، والتي كانت منظمة وممنهجة منذ بداية العام 2020، وسجل في الفترة ذاتها أكثر من 60 هجوما مسلحا على قرى العشائر وتجمعاتهم المؤقتة، وإحصائية الهجمات حصل عليها تلفزيون سوريا من مصادر محلية في البادية.

وتنوعت الاعتداءات بين حوادث سرقة وسلب ماشية، وقتل واختطاف أبناء العشائر وإحراق منازل وهدمها، وسرقة سيارات وكمائن ليلية استهدفت رعاة الأغنام، ومن أهم الهجمات تلك التي استهدفت الجدوعية التابعة لناحية الحمراء ببادية حماة، وقرية الدفاعي في بادية حمص، والهجوم الذي استهدف قرية الدك ببادية حماة، والهجوم الذي استهدف قرية الحميدة التابعة لناحية الفرقلس ببادية حمص، وهجمات أخرى استهدفت بادية الدوة وجب الصفا والفاسدة وريف السعن والطار وغيرها من الهجمات التي استهدفت بوادي الرقة ودير الزور وحلب.

وجردت قوات النظام والميليشيات أبناء العشائر من أسلحتهم الفردية الخفيفة، وفرضت عقوبة على من يحمل سلاحا من أي نوع، وهي في الغالب أسلحة يستخدمها الرعاة وأبناء البادية لحماية أنفسهم وقطعان الماشية من هجمات الذئاب والضباع، ويتعرض رعاة الأغنام وسكان القرى الصغيرة بشكل شبه يومي لهجمات الذئاب وتتسبب في نفوق أعداد كبيرة من رؤوس الماشية، وفي أحدث هجوم لها هاجمت الذئاب قرية جليب العجيل ببادية حماة.

تسببت انتهاكات قوات النظام والميليشيات بحق أبناء العشائر في البادية بنزوح أعداد كبيرة منهم نحو المناطق الداخلية، وتهجرت قرى بكاملها كما في باديتي حماة وحمص، في حين اضطر من بقي منهم للقبول بالانضمام إلى التشكيلات العشائرية المسلحة والاشتراك في قتال التنظيم، ومن يرفض ستكون تهمته جاهزة، التعامل مع داعش وبالتالي سيكون هو وعائلته عرضة للاعتقال والاعتداء في أي لحظة.

العشائر والتنظيم

لم تسلم العشائر في البادية من هجمات التنظيم، وقتل العشرات من أبنائها في هجمات متفرقة وانفجار الألغام، ويتهم التنظيم بعض المكونات العشائرية بمساعدة قوات النظام والميليشيات في حربها عليه لذلك ناصبها العداء وجعلها في قائمة أهدافه، وفرض التنظيم على بعض الرعاة وسكان القرى التي وقعت تحت سيطرته لفترات محدودة الضرائب (زكاة الأموال)، ونجح التنظيم أيضاَ في تجنيد عدد كبير من أبناء العشائر الفارين من قراهم التي تعرضت لهجمات النظام والميليشيات الإيرانية.

يبدو أن وقوف العشائر في البادية السورية على الحياد أمر مستحيل في ظل الواقع الميداني الحالي هناك، الخيارات ثلاثة، إما الانضمام إلى صفوف قوات النظام والميليشيات في حربها ضد التنظيم، أو النزوح عن المنطقة وخسارة قراهم وأملاكهم وربما استحالة العودة إليها لاحقاً، أو القتال إلى جانب التنظيم، وفي كل الخيارات المتاحة الآن تبدو العشائر السورية الخاسر الأكبر.

خالد الخطيب – موقع تلفزيون سوريا

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق