الإعلانات
رغم أن هجمات “تنظيم الدولة” (داعش) لم تتوقف منذ إعلان هزيمته في آذار/مارس 2019، إلا أنها ارتفعت على نحو غير مسبوق خلال الأسبوعين الماضيين، مخلفة أعداداً كبيرة من الضحايا، لاسيما في صفوف قوات نظام الأسد.
وقد شملت الهجمات خصوصاً استهداف حافلات تقل جنوداً للنظام، وقوافل صهاريج نقل النفط إلى مناطق سيطرة الأخير، وخطوط نقل الثروات المعدنية من البادية إلى مدن سورية. وهو ما قد يشير إلى استراتيجية جديدة للتنظيم، ترسم معالم مستقبله في المشهد السوري.
 

الولادة من جديد؟

هجمات “داعش” الأخيرة التي بلغت منذ مطلع العام الحالي ما يقارب 14 عملية، نفذها ضد أهداف مختلفة في البادية السورية، تشكل حتماً حملة دعائية كبرى يحاول التنظيم من خلالها التأكيد على أنه ما يزال موجوداً ويمتلك القوة لتنفيذ ضربات موجعة لخصومه من خلال أهداف مختلفة.
إذ يوم أمس السبت، تبنى التنظيم هجوماً شمال شرق مدينة تدمر ضد “الفرقة الرابعة” في قوات النظام، والتي يقودها ماهر الأسد، أسفر عن مقتل أكثر من 9 جنود وجرح آخرين، بحسب وسائل إعلام محلية معارضة. وهو الهجوم الثاني للتنظيم خلال أقل من أسبوعين ضد الفرقة الرابعة. إذ أسفر استهداف حافلات تقل عناصر “الرابعة” على طريق دير الزور -تدمر، في 30 كانون الأول/ديسمبر الماضي، عن مقتل أكثر من 25 عنصراً على الأقل وإصابة 13 آخرين، بحسب وكالة “سانا” التي زعمت أن القتلى جميعهم مدنيون، فيما أعلن التنظيم في بيان تبني مسؤوليته عن العملية، عن مقتل 40 عنصراً من الفرقة.
وتندرج هذه العمليات في سياق استراتيجية التنظيم المعروفة بـ”حرب الاستنزاف” أو “حرب العصابات”، والتي ينتهجها “داعش” منذ زوال خلافته المزعومة في آذار/مارس 2019، بدلاً من “الحروب الكلاسيكية” والسيطرة المكانية التي كان يعتمد عليها سابقاً. وهي استراتيجية ترتبط بالظروف الراهنة للتنظيم وقدراته، وتعرف وفق أيديولوجية التنظيمات الجهادية بـ”جهاد المستضعفين أو جهاد النكاية”، بحيث لا تهدف إلى السيطرة على مساحات جغرافية، وإنما إلحاق الخسائر والأذى بالخصوم.
ولعل ما يعزز هدف “داعش” الدعائي من عملياته العسكرية الحالية، لاسيما ضد قوات دمشق، الرسائل التي أراد التنظيم إيصالها عبر فيلمه الوثائقي الأخير “النهاية والبداية”، الذي نشر في 2 كانون الثاني/يناير الحالي، وتضمن استعراضاً لتدخله في الملف السوري منذ اليوم الأول وحتى الآن.
إذ حاول التنظيم من خلال سرد الأحداث التأكيد على أنه لم يكن صناعة غربية، وأنه قاتل النظام السوري، على عكس ما يشاع. كذلك شدد الفيلم على عودة التنظيم وبقوة إلى الساحة.

 

قطع الطرق

تشكل الأهداف المتحركة على الطرق الرئيسة في البادية السورية صيداً مهماً لـ”داعش”. وقد أعلنت وسائل إعلام موالية لدمشق في العديد من المرات عن هجمات طالت أهداف عسكرية واستراتيجية تابعة للنظام على الطريق الوحيدة التي تربط دير الزور بالعاصمة دمشق، مروراً بمدينتي السخنة وتدمر وسط البادية، وكذلك الطريق الواصلة بين مدينة السلمية وريف الرقة الجنوبي.
وتكمن أهمية شبكة طرق البادية، عدا عن كونها الوحيدة التي تصل بين شرق سوريا ومركز مدينتي دمشق وحمص، في أنها أساسية لنقل الإمدادات النفطية والعسكرية، وكذلك نقل الثروات المعدنية المستخرجة من البادية السورية، لاسيما الفوسفات.
ومنذ هزيمته، أعلن “داعش” عن عدة هجمات استهدفت صهاريج نقل النفط بين مناطق الإدارة الذاتية والنظام السوري أثناء مرورها في البادية السورية. كما أعلن عن هجمات استهدفت سكة القطار الرئيسة لنقل الفوسفات السوري، وكذلك خطوط نقل الغاز والنفط من البادية.
ففي 5 كانون الثاني/يناير الحالي، قال التنظيم إنه استهدف قافلة مؤلفة من 10 صهاريج لنقل النفط تعود لشركة “قاطرجي الدولية” شرق مدينة السلمية بريف حماة الشرقي. كما أعلن عن مقتل سبعة عناصر من المليشيات المرافقة للقافلة. وهي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها صهاريج نقل النفط التابعة لشركة “قاطرجي” لهجمات “داعش”.
إذ هاجم عناصر التنظيم رتلاً لصهاريج نقل النفط للشركة ذاتها في بادية الرقة الجنوبية، لأول مرة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ما تسبب في مقتل عدد من موظفي الشركة والسائقين وعناصر الحماية، وكذلك أسر التنظيم لآخرين.
ورغم استمرار الهجمات ضد القوات الحكومية والروسية والمليشيات الإيرانية، وضرب مصالحهم التجارية، فإنه يصعب على النظام وحلفائه وقف تلك الهجمات، نظراً لطول الطرق وصعوبة حمايتها.
لكن الباحث الاقتصادي السوري كرم شعار، يقلل في هذا السياق من تأثير ضربات التنظيم ضد الأنشطة التجارية على مصالح روسيا ودمشق. مرجعاً ذلك، إلى ضعف الأنشطة الاستثمارية لهما في البادية السورية.
ويعتقد الشعار، في حديثه لـ”سوريا على طول”، أن “التأثير قد يكون بشكل أكبر على نقل الفوسفات، على عكس خطوط نقل الغاز والنفط الموجودة تحت الأرض والتي ربما يجهل التنظيم أماكن مرورها”. مع ذلك فإن “التأثير على الفوسفات لا يبدو كبير جداً، نتيجة تراجع كميات الفوسفات المستخرج”، كما أضاف.

 

إلى أين؟!

يوم الجمعة الماضي، قالت وكالة سبوتنيك الروسية إن خلايا تابعة لـ”داعش” حاولت التسلل لمواقع القوات الحكومية في محور بلدة الرهجان شمال شرق مدينة السلمية، ما استدعى تنفيذ المقاتلات الحربية الروسية عشرات الضربات الجوية ضد ما يعتقد أنها مجموعات للتنظيم. لكن بعد ساعات من ذلك، تحدثت وسائل إعلام عن ضربات جوية استهدفت عن طريق الخطاً مليشيات إيرانية في محيط محور الرهجان.
تعليقاً على ذلك، قال العميد الركن أحمد رحال، عبر حسابه على “تويتر”، إن الطيران الروسي قصف القوات المتسللة، “ليتبين لاحقاً أنهم يتبعون الميليشيات الإيرانية وحزب الله من فرقة الرضوان [قوات النخبة في الحزب] تقمصوا دور داعش”.
وفيما لم يتسن لـ”سوريا على طول” التأكد من صحة الرواية، فإنه صحتها، فرضاً، يكشف عن استثمار أطراف الصراع السوري لوجود “داعش”. يعزز ذلك عدم جدية موسكو ودمشق في القضاء على فلول التنظيم في البادية السورية، وانتهاء العمليات العسكرية المتعددة التي تم الإعلان عن إطلاقها بعد فترة قصيرة من دون تحقيق أهدافها.
ولعل آخر تلك العمليات ما عرف بـ”الصحراء البيضاء”، والتي أعقبت مقتل جنرال روسي بعبوة ناسفة استهدفت موكبه، في 18 آب/أغسطس الماضي، في دير الزور شرق سوريا.
إذ جاءت “الصحراء البيضاء” ثأراً لمقتل الجنرال الروسي، وكذلك لوقف تنامي قوة “داعش” والحد من تحركاته. لكن بعد فترة قصيرة، توقفت العمليات العسكرية الأرض، من دون إعلان رسمي عن ذلك أو حتى النتائج التي حققتها.
واستناداً لمقدرات التنظيم وواقعه، فإنه قد يستمر في نمط عملياته الحالي المعتمد على “الكر والفر”، من أجل توجيه ضربات محدودة لخصومه في منطقة عملياته.
الإعلانات

تعليق

تعليق

Powered by Facebook Comments

 

 

تعليق