سُورِيُّو الباصات الخُضر: ما ذَنْبُ المرءِ أنْ يولد سوريًّا؟ | Palmyra Monitor

أكتوبر 25, 2020

سُورِيُّو الباصات الخُضر: ما ذَنْبُ المرءِ أنْ يولد سوريًّا؟

سُورِيُّو الباصات الخُضر: ما ذَنْبُ المرءِ أنْ يولد سوريًّا؟

صار ممكِنًا الآنَ تأكيدُ حضور «الربيع العربي» ثيمةً في الكتابة الإبداعية بعد أن تقوَّى عودُها في إصدارات العشريّة الأخيرة سواء أكان ذلك في الشعر أم في النثر. وإنْ كانت هذه الثيمة قد وجدت في الشِّعر والرواية والقصّة فضاءً للتخفّي المَجازِيّ، وذلك وَفْقًا للشروط الفنية لهذه الأنواع الأدبية، فإنها لم تملك إلا أن تظهرَ جليّةً في المقالة الثقافية من حيث ما هي كتابةٌ مباشِرة وجريئة ينعقد فيها الجَهدُ حول تحرير معنى قضيّة من قضايا معيش الناس وإبراز موقف الكاتب منها ومن الفاعلين فيها. وهو أمرٌ نُلفي له تمثيلاً في كتاب «سُوريُّو الباصات الخضر» (دار موزاييك للدراسات والنشر، تركيا، 2020) للصحافي والناقد الفلسطيني السوريّ راشد عيسى، وقد تضمّن اثنتين وثلاثين مقالة، انصبّت الغايةُ فيها جميعًا على تفكيك أحداث الثورة في سوريا منذ العام 2011 والإمساك بأعنف معنى فيها وهو معنى التهجير.
والحقَّ نقول إنّ في كتاب «سوريُّو الباصات الخضر» تحضر بجلاءٍ مُواجهتان، واحدةٌ أجراها كِتابُ راشد عيسى مع مادّةِ شكله من جهةِ كونه كتابةً تتطلّب بِنْيةً واضحةً تمنحها أحقيّةَ الانتماء إلى فنّ الأدب، وأخرى أجراها مع مادّة مضمونِه من حيث سعيُه إلى تعريةِ سوءاتِ العالَم خارجَه وتفنيد صدقيّة ادعاءاته.
في مواجهة الكِتابِ مع مادّة شكلِه المَقاليِّ نقف على تخيُّرِ الكاتب راشد عيسى بنيةً فنيّةً تكاد تكون ثابتة في تشييد عمران كلّ المقالات، وتفصيلُ ذلك هو أنّنا نلفيه يختار ظاهرةً من ظواهر معيش السوريين إبّان الثورة موضوعًا للنقاش، ثم يستدعي في مقدِّمة المقالة حدثًا شهيرًا أو طارئًا سواء أكان محليّا أم عالميّا، ليجعله أفقًا مرغِّبًا في مناقشة موضوعها المختار، ثمّ يوزّع الموضوع نفسَه إلى مجموعة من العناصر، ويتكفّل بتفكيك معنى كلّ عنصر في فقرة، حتى إذا جاء على جميع العناصر خرج منها بخلاصات يُثبت فيها موقفَه من الظاهرة المدروسة، وعادة ما يكون موقفًا مندِّدًا بعنف النظام الشموليّ السوريّ، أو بلؤم مثقّفيه، وحاضًّا على التعاطف مع آلام التهجير القسريّ لما يزيد عن ثلاثة عشر مليون مواطن سواء داخل سوريا أو صوب بلدان الجوار أو في اتجاه دول الغرب على غرار ما نقرأ في مقالة «اللاجئ السوري: يحبونني ميتًا».
وقد يقول قائلٌ إنّ في تكرارية بنية مقالات الكتاب ما قد يثير في القارئ الإحساسَ برتابتها، بل وربّما نفّره ذلك من الإقبال على قراءتها، وهو قولٌ وجيه، غير أنّ منطِقَ الكتابة المقاليِّة نفسَه يحفزنا على القول إنه من المستحيل على كِتاب مقالاتٍ أن تكون لكلّ واحدة منه بنيتها الفنية الخاصّة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخــرى، وجب علينا الإقرار بعد قراءة جميع متن الكتاب بحقيقةِ أنّ راشد عيسى بدا واعيًا بهذا الإشكال الكتابيِّ، فحرص على جعل موضوع المقالة طاغيًا معنويًّا على بنيتها الفنية.

تحوّلت هذه المقالات إلى مظاهراتٍ عارمة ضدّ كلّ نظام شموليٍّ، وإلى مُقاوماتٍ قويّة لعُنفِه، وإذا لم يتسنَّ للكاتب راشد عيسى أن يعيشها جميعًا على أرضِ الواقع السوريّ بسبب هجرته القَسْريّة إلى أوروبا فالمؤكَّد عندنا أنه قد أنجزها كلَّها بجُرأةٍ المناضلين في أرضِ اللغة.

وفي المواجهة الثانية التي أجراها الكِتابُ مع خارجه نلفيه ينصبُّ بجهده على حَبْكِ متنِه كي يكون قادرا على إعلان موقفه من العالَم خارجَه، وصورةُ ذلك حرصُه على سردِ حكايةٍ تشترك كلُّ مقالاته في القيام ببطولتها. وهذا ما يدعونا إلى القول إن كِتاب راشد عيسى قد نجح في أن يخلق وِحْدةً لمتنه النصيِّ رغم طبيعته المقاليّة المتشظّية، ذلك أنّه إذا كانت هَنةُ كُتب المقالات عامّة هي افتقارُها إلى وحدة المعنى النّاظم لمحتواها بسبب أنّ من طبيعة المقالة أن تتمايز عن غيرها بمعناها، ومتى كثُرَ عددُ المقالات كان تمايُزِ معانيها سببا في تشظّي فكرة الكتاب الذي يجمعها، فإنّ اللافت للنظر في هذا الأمر هو أنّ راشد عيسى قد تجاوز هذه الهَنةَ بفضل ما خلق بين معاني مقالاته من تصادٍ محمولٍ على خلفيّة وطنيّة واحدة هي سوريا، ويتردَّدُ في زمنٍ واحد هو زمن الثورة. وهو تصادٍ حاملٌ أيضًا لموقف الكاتب ممّا يحدث أمامه من عنف مسلّط على الناس وعلى ذاكرتهم الجمعية بأطيافها الثقافية والاجتماعية والوطنية، وفيه وَقْعٌ مُرٌّ لموقف المجتمع الدولي الخاذل لثورة الشعبِ على النظام، ناهيك عن انتهاج سياسة تهجير السكّان بعد هدم منازلهم وتهجيجهم من مرابعهم والزجّ بهم في رحلة تيهٍ داخليّ أو خارجيّ على حدِّ ما تُحيل إليه عبارة «الباصات الخضر» الواردة بعنوان الكتاب. وتفسير ذلك أنّ كلّ واحدة من مقالات الكِتاب تتشابك في بعض معناها مع ما قبلها وتُنبئُ في بعضه الآخر بما بعدها. وكلّما تقدّمنا في قراءتها تسارع حضورُ معانيها في الذّهن، وتفاعلت تلك المعاني مع بعضها بعضا كما تتسارع صُورُ المشهد السينمائي وتتفاعل لتزرع الحركةَ فيه، فإذا بذاك التباين في المعاني المفردة الموجودة بكل مقالة ينهض دعامةً لبناء معنى جمعٍ لمتن الكتاب كلّه، وذلك ضمن مشهديّة ثوريّة تتوالى فيها ضرباتُ المقالات على جسد النّظام الحاكم في سوريا، هادمةً بقوّةِ حُجَّتها معبدَه المقدَّسَ المزعومَ، وكاشفةً برصانةِ لغتِها عن تهافُتِ خطاباتِ سَدَنتِه من المثقّفين، ومن ثمّة فقد تحوّلت هذه المقالات إلى مظاهراتٍ عارمة ضدّ كلّ نظام شموليٍّ، وإلى مُقاوماتٍ قويّة لعُنفِه، وإذا لم يتسنَّ للكاتب راشد عيسى أن يعيشها جميعًا على أرضِ الواقع السوريّ بسبب هجرته القَسْريّة إلى أوروبا فالمؤكَّد عندنا أنه قد أنجزها كلَّها بجُرأةٍ المناضلين في أرضِ اللغة.

عبد السلام السلامي – كاتب تونسي – القدس العربي

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

اترك رد