“سماسرة أمير الإيراني”.. هكذا يشتري “حراس الحرم” عقارات السوريين

2
A general view shows the Khaled Ibn al-Waleed mosque (R) amid damaged buildings in the old city of Homs, Syria December 8, 2015. Humanitarian aid has reached a besieged rebel-held area in the central Syrian city of Homs, part of a local ceasefire deal that is to include the withdrawal of opposition fighters, the Syrian Observatory for Human Rights said. REUTERS/Omar Sanadiki
10 / 100

قبل أقل من شهر باع المدعو “ف.ب” منزله الواقع في منطقة الهري على الحدود السورية- العراقية بمبلغ 105 ملايين ليرة سورية لأحد “سماسرة العقارات” الذين ينشطون في القسم الذي تسيطر عليه قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية في محافظة دير الزور.

الخطوة “أجبر عليها” البائع ولم تكن اختيارية، بسبب الوضع الاقتصادي المتردي الذي بلغه مع عائلته، بحسب ما يقول أحد المقربين منه، مشيرا في حديث لموقع “الحرة”: “السماسرة اثنان ويعرفان على نطاق واسع بأنهما يرتبطان بالحاج أمير الإيراني”.

ويقول نشطاء من محافظة دير الزور، وتقارير إعلامية محلية، إن المدعو “الحاج أمير الإيراني” هو المسؤول الأول عن الميليشيات التي تدعمها طهران في مناطق شرق سوريا، خاصة المنتشرة في مدينة البوكمال الحدودية، وصولا إلى مدينة الميادين.

وفي الوقت الذي تغيب فيه تفاصيل هوية “الإيراني” واسمه الحقيقي، يقول الناطق باسم شبكة “عين الفرات” إنه المسؤول الأول أيضا عن عملية بيع وشراء العقارات في مدينتي البوكمال والميادين، التي وصلت إلى مستويات عالية في الأشهر الأخيرة من العام الحالي.

ويوضح أمجد الساري في تصريحات لموقع “الحرة” أن “أمير الإيراني” يمتلك مقرا في قرية حويجة صكر، وأسس آخرا في البوكمال في الثامن من يوليو الحالي بالقرب من مسجد عمر بن الخطاب، الواقع في شارع السياسية القديمة بالقرب من حديقة الشهداء.

وتعتبر مدينة البوكمال معقل الميلشيات الإيرانية التي يطلق عليها حسب العقيدة الشيعية “مدافعي الحرم” أو “حراس الحرم”، والمقصود هنا حرم “السيدة زينب” في العاصمة دمشق.

وتوصف مدينة الميادين السورية بأنها “عاصمة” الميلشيات، التي تتلقى في الغالب دعما مباشرا من “الحرس الثوري” الإيراني، ولها مقار وقواعد عسكرية، وهو ما تؤكده تقارير محلية من داخل سوريا وأخرى غربية.

“تجنيد من نوع آخر”

رغم أن الحديث عن اهتمام إيران بالعقارات السورية وتوجهها للاستحواذ عليها ليس جديدا، لكنه زاد إلى مستويات غير مسبوقة في الأشهر الماضية، بحسب ما قال صحفيون وناشطون سوريون خلال حديثهم لموقع “الحرة”، فيما لا يقتصر النشاط على منطقة دون غيرها.

وإلى جانب محافظة دير الزور هناك تقارير نشرها “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن محاولات إيرانية لشراء العقارات في ريف دمشق الشرقي ومناطق من ريف محافظة حمص، وصولا إلى الشمال الشرقي لسوريا في ريف محافظة الرقة.

وفي الرابع والعشرين من يوليو الحالي أفاد “المرصد السوري” عن قيام الميليشيات الإيرانية في سوريا “بأوامر من قيادتها” بتجنيد شبان ورجال من أبناء الميادين والبوكمال ومناطق أخرى في دير الزور.

وقال: “أرسلتهم إلى مناطق نفوذ النظام السوري في محافظة الرقة، بغية تملك العقارات من أراضي ومنازل ومحال تجارية هناك”.

ويضيف المرصد في تقريره: “الأمر نفسه فعلته الميليشيات في الغوطة الشرقية والغربية حين جندت أفرادا محليين من دير الزور وأرسلتهم إلى هناك، وتملكوا عشرات العقارات بها”.

وتلتزم إيران الصمت حيال الاتهامات الموجهة ضدها بشأن ما سبق، الأمر الذي يسير عليه النظام السوري أيضا منذ سنوات، حيث لم يصدر أي موقف سواء بالنفي أو التأكيد.

من جانبه يقول المحلل السياسي المقيم في دمشق، يعرب خير بك، إن التقارير التي تفيد بشراء إيران لعقارات في ريف دمشق “غير صحيحة”.

ويضيف المحلل في حديث لموقع “الحرة” أنه تحدث مع محامين وأصحاب محال عقارية أكدوا أنه “لا توجد مثل هذه التحركات، سواء من قبل أو حاليا”.

ويتابع خير بك: “أصحاب المكاتب العقارية الذين تحدثت إليهم قالوا إنهم يتحدون أي شخص أن يحضر وثيقة قانونية تثبت ذلك.. الأمر مستحيل”.

“طفرة كبيرة”

ومنذ سنوات تسعى تقارير إعلامية كثيرة، وبيانات ناشطين سوريين، إلى تسليط الضوء على ظاهرة مفادها أن “طهران تشتري العقارات السورية”.

وتقول تلك المصادر إن ذلك يندرج ضمن نطاق “سياسية التغيير الديمغرافي” التي تتهم طهران بتطبيقها في مناطق سورية عدة، خاصة حيث الانتشار الكبير لميليشياتها في محيط دمشق، وعلى طول الحدود السورية مع العراق.

ولا توجد إحصائيات عن حجم عمليات الشراء التي تتهم إيران بالضلوع بها في سوريا، الأمر الذي يشكل عقبة أمام أي تحرك قانوني أو حقوقي لوقف تلك الممارسات.

وبالصورة العامة، التي لا يخرج منها إلا القليل، يشير مدير شبكة “دير الزور 24″، عمر أبو ليلى إلى “طفرة كبيرة” في شراء العقارات من قبل من سماهم بـ”وكلاء إيران” في المنطقة.

ويقول أبو ليلى في تصريحات لموقع “الحرة”: “هناك وكلاء تعتمد عليهم إيران في عمليات الشراء. الأمر يزداد يوما بعد يوم في دير الزور على الخصوص، لأن الإغراءات التي تقدم لأولئك الوكلاء تفوق كل شيء”.

Women walk past damaged buildings along a street in the old city of Homs June 3, 2015. Steady advances by insurgents on key fronts in Syria mean President Bashar al-Assad is under more military pressure than at any point in the four-year-old war. After his loss of Palmyra, a symbolic and militarily strategic city, and nearly all of Idlib province, he appears to be circling his wagons more closely to a western region that includes Damascus, Homs, Hama and the coast. REUTERS/Omar Sanadiki

ويوضح أبو ليلى أن هناك أسباب عدة تقف وراء عمل “الوكلاء” مع إيران، بينها أسباب مادية وأخرى أمنية، وذلك للحصول على الحماية من أي تجاوزات يقدمون عليها.

ويتابع الصحفي السوري: “هناك طفرة كبيرة في عمليات البيع لوكلاء إيران من الأراضي والسيارات والشقق السكنية وعقارات أخرى مختلفة. الوكلاء يرتبطون بشكل مباشر بالمسؤولين الإيرانيين سواء العسكريين أو رجال الدين”.

ويتداول نشطاء من دير الزور عبر مواقع التواصل الاجتماعي أسماء عدة لوكلاء يقولون إنهم مرتبطون بالميليشيات الإيرانية و”الحرس الثوري”.

والقسم الأكبر منهم من أبناء محافظة دير الزور، ويتمتعون بـ”صلاحيات مطلقة” لتنفيذ المهام الموكلة لهم، ليس فقط في مناطق سيطرة النظام السوري، بل أحيانا في مناطق سورية أخرى، كمناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، بحسب الصحفي السوري عمر أبو ليلى.

“على قدم وساق”

في مقابل ما سبق بات ملاحظا منذ مطلع العام الحالي الرواج والحركة غير المسبوقة التي شهدها مختلف المحافظات السورية في سوق العقارات، من الأراضي الزراعية والمنازل السكنية وغيرها.

ويعود ذلك إلى تراجع شريحة كبيرة من السكان إلى “حد الفقر”، الأمر الذي يدفعهم إلى بيع ممتلكاتهم، وكسر قاعدة “الأرض مثل العرض”، بحسب ما يقول محمد عواد (اسم مستعار) من أبناء مدينة حمص وسط البلاد.

ويقول عواد في حديث لموقع “الحرة”: “لا يوجد أي شيء يتحرك في البلد سوى بيع وشراء العقارات والأراضي. الناس بدأت ببيع أراضيها ومنازلها لكي تأكل وتكمل باقي أيام حياتها”.

A poster depciting Syria’s President Bashar al-Assad is pictured in front of damaged buildings, ahead of the May 26 presidential election, in Homs, Syria May 23, 2021. Picture taken May 23, 2021. REUTERS/Omar Sanadiki

ولم يستبعد عواد التقارير التي تتحدث عن إقدام “وكلاء إيران” على شراء العقارات في مختلف المحافظات السورية، مشيرا إلى حركة بيع “على قدم وساق” في مناطق ريف حمص، وتحديدا في القصير والقرى والبلدات التابعة لها.

ويوضح: “البيع هناك يتم لتجار من الطائفة الشيعية حصرا. يقال إنهم مقربون من حزب الله وإيران لكن لا يوجد أي إثبات على ذلك. هناك عمليات بيع أخرى داخل المدينة لتجار من منطقة العباسية التي تقطنها أيضا الطائفة الشيعية”.

ويؤكد عواد، المقيم حاليا في مدينة حمص، أن المدينة “لا تزال على الخراب”، وهناك تفكير سائد بين الأهالي بأفضلية بيع المنازل بدلا من عملية إصلاحها، التي ستكلف ملايين الليرات وربما “المليارات”، بحسب تعبيره.

“التسهيلات قائمة”

ومع مرور العام العاشر للحرب في سوريا لا تزال معظم المدن في حالة دمار، وحتى الآن لم تقدم حكومة الأسد على أي خطوة من شأنها إعادة السكان الأصليين إلى منازلهم، أو السماح لهم بترميم منازلهم وبناء بدلا عنها.

ويرى الصحفي عمر أبو ليلى أن حالة الدمار وسوء الوضع الاقتصادي يجعلان من عمليات البيع لـ”وكلاء إيران” أمرا سهلا.

ويقول: “في دير الزور. أؤكد أن البيع مستمر، وفي حالة تزايد كبيرة ولا يهدأ”.

وزاد: “هناك طرف واحد يمسك بكل الأمور ويضخ الأموال، والطرف الثاني هو الوكيل الذي يعمل على توسيع الموضوع مقابل الإغراءات التي يحصل عليها”.

من جهته تحدث الناطق باسم شبكة “عين الفرات”، أمجد الساري، عن ممارسات استيلاء على المنازل والعقارات من قبل الميليشيات الإيرانية في شرق سوريا، بعيدا عن أي عملية بيع رسمية.

ويقول في حديث لموقع “الحرة”: “أيضا هناك بيوت تركها أصحابها بسبب وجودها بمحاذاة مقرات المليشيات، مثل حي شارع الأربعين بالميادين والجمعيات في البوكمال وحي الرصافة بدير الزور”.

ويشير الصحفي السوري: “خلال الأشهر الأخيرة اقتصرت عمليات الشراء على المنازل الموجودة على الشارع العام بالبوكمال وفي مناطق السويعية والهري لقربها من الحدود العراقية”.

“القانون يسهّل”

ولم تكن القوانين السورية الصارمة فيما سبق تسمح للعرب أو الأجانب بالتملّك العقاري في سوريا.

لكن في عام 2008 صدر قانون حمل رقم 11، فتح الباب أمام تملك غير السوريين لدور السكن، وأعقبه القانون رقم /11/ لعام 2011، الذي أتاح للأجانب تملّك جميع أنواع العقارات في سوريا.

وفي تلك الفترة أثار صدور هذين القرارين كثيرا من التساؤلات في الأوساط السورية بشأن الغاية منهما، خاصة مع توقيت صدور الأخير الذي تزامن مع بدء أحداث الثورة السورية.

وبحسب الرواية الرسمية فإن القانون الأخير الصادر في 2011 “يمنح ميزة إضافية لرؤوس الأموال العربية والأجنبية، ويبعث الطُمَأْنينة بشأن استثماراتهم في سوريا، ويمنح مزايا وتسهيلات أكثرَ للمستثمرين”.

لكن معارضين يرون غير ذلك، وكانت هيئات قانونية عدة قد حذرت في السنوات الماضية من فتح القانونين المذكورين الباب واسعا “أمام الإيرانيين” لشراء العقارات بمختلف أنواعها، وبالتالي إحداث “تغييرات ديمغرافية”، خاصة مع وجود ملايين السوريين خارج وطنهم.

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق