سلسلة تعريفية عن مدراء سجن تدمر السابقين: "بركات العش" | Palmyra Monitor

سبتمبر 30, 2020

سلسلة تعريفية عن مدراء سجن تدمر السابقين: “بركات العش”

سلسلة تعريفية عن مدراء سجن تدمر السابقين: “بركات العش”

تابعنا على برنامج تلغرام لتلقي الأخبار العاجلة

 

حسام جزماتي – تلفزيون سوريا

 

لم يكن بركات العش عقيداً على الدوام، لكن هذه الرتبة التصقت باسمه لأنها واكبت شهرته منذ أن تولى إدارة سجن صيدنايا منذ تأسيسه عام 1987، ثم سجن المزة حتى إغلاقه عام 2000.

 

 

تمر ثلاث رتب أُخَر بشكل عابر في سيرة العش التي نعرفها، وتغيب الأخريات تماماً. ففي حزيران 1980 سيسهم النقيب بركات في التهيئة لعناصر سرايا الدفاع القادمين إلى سجن تدمر لارتكاب المجزرة الشهيرة في حق المعتقلين هناك، عندما كان نائباً لمدير هذا السجن، الذي سيتولى إدارته لأشهر في صيف 1984، برتبة مقدم.

 

أما رتبة عميد فلن ينالها إلا مع إحالته على التقاعد بُعيد خروج سجن المزة من الخدمة. ولذلك ستغدو عديمة الفاعلية، ولن تستخدم إلا عند تقديمه للحديث في الاجتماعات الخدمية للحي الذي يسكنه في اللاذقية، مؤكداً على تشديد الرقابة التموينية وتنظيم العشوائيات وصيانة الطرق ومعالجة الفوهات المطرية..

 

 

كان طريق هذا اليافع، الذي يتحدر من أسرة آغوات وملاك علويين، سهلاً إلى ثانوية «جول جمال» الشهيرة التي يفخر، سراً وكلما أمكن، أن أستاذه لمادة الفلسفة فيها كان المفكر الماركسي إلياس مرقص

 

 

لم يكن «حي الأسد» حياً إبان ولادة بركات ونشأته في الخمسينات، بل قرية ملاصقة للمدينة، تحتفظ باسمها السرياني «دمسرخو». ونتيجة لهذا الموقع أتيحت لأبنائها متابعة الدراسة في اللاذقية مبكراً. فكان طريق هذا اليافع، الذي يتحدر من أسرة آغوات وملاك علويين، سهلاً إلى ثانوية «جول جمال» الشهيرة التي يفخر، سراً وكلما أمكن، أن أستاذه لمادة الفلسفة فيها كان المفكر الماركسي إلياس مرقص. غير أن عارفي العش يقولون إن هذا الأمر لا يعدو كونه صدفة مدرسية غير ذات تأثير، بما أن التلاميذ الحقيقيين للأستاذ ظلوا معتقلين ثابتين لدى طالبه في هذا السجن أو ذاك.

 

لا نعرف سبب اختيار الضابط الشاب لسلك الشرطة العسكرية، فلطالما كان هذا الجهاز في منزلة قلقة بين منازل عديدة. إذ لا يحوز هيبة الأجهزة الأمنية، وليست له سلطة على الناس المدنيين على العموم، وتقتصر سطوته على عسكريين من الجنود أو ذوي الرتب المنخفضة، لتسأل هذا عن الإجازة وتحاسب ذاك لعدم ارتدائه السيدارة أو البوط.

 

لا يمتلك ضابط الشرطة العسكرية سلطة مؤثرة إلا في حالات استثنائية كهذه، عندما يُفرز للخدمة في أحد السجون العسكرية المركزية الثلاثة، المزة أو تدمر أو صيدنايا، لأنها تحوي المعتقلين السياسيين في التاريخ السوري الحديث، بالعرف الذي رسّخه حافظ الأسد. وعند ذلك تصبح لضابط الشرطة العسكرية سلطة قد تفوق ما لدى ضابط الأمن، إذ يحوز صلاحيات واسعة يدخل من ضمنها، في الغالب، القتل الكيفي للمعتقلين، أو بيع المعلومات عن المغيبين لأهاليهم، أو منح فرصة الزيارة غير النظامية التي وصلت «تسعيرتها»، في بعض أيام تدمر السوداء، إلى كيلو من الذهب!

 

رغم ذلك، ينفي سجناء سابقون عن العش تورطه في قصص فساد. فيما يقول آخرون إن الأمر، لو وجد، فلن يتعدى حصة له، محددة ومحدودة، من الربح الذي تدرّه «الفاتورة». وهي ما يقوم به صف الضباط من تسوق لصالح السجناء، بأسعار تتعدى، كثيراً أو قليلاً، تلك الرائجة في السوق خارجاً. خاصة وأن العقيد اصطحب معه، من سجن تدمر، يده اليمنى المتمثلة في المساعد نزيه. وهو رجل حاذق شهدت سيرته تحولاً مدهشاً عند انتقاله إلى صيدنايا، بظهور علامات المكر والحس النفعي عليه، بعد أن كان هناك جلادٌ كالآخرين، وربما فاقهم في الدموية.

 

لا يتذكر سجناء تدمر العش كثيراً، طالما كان نائباً للمدير. أما في أشهر إدارته القصيرة فيروي البعض عنه انطباعات طيبة، من نوع أنه جمع المعتقلين في ساحة السجن وقال لهم: «ارفعوا رؤوسكم وانظروا إلينا»! وهو ما كان ممنوعاً، إذ على السجناء أن يظلوا دوماً مطأطئي الرؤوس أو مغمضي الأعين. لكن براء السرّاج يذكر، في كتاب «من تدمر إلى هارفارد» الذي سجّل فيه يومياته، أن هذا الحال لم يدم سوى شهر واحد حتى عاد المدير الجديد إلى طلب رؤساء المهاجع إلى مكتبه، قائلاً بحدة ودون سبب واضح: «أنتو ما بتنعطو وجه… أدنى استدعاء من شرطي يتطلب تحية عسكرية وخفض الرأس… العيون يجب أن تبقى مغمضة أثناء السير في الباحة».

 

 

شارك العش في تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بستين على الأقل من معتقلي الإخوان المسلمين. وكما هو معروف، كانت هذه ممارسة مألوفة في سجن تدمر

 

 

يتذكر أحد سجناء صيدنايا العقيد: «بصراحة هو ما أساء لحدا شخصياً. كان يقول: أنا أمين مستودع، وأنتو أمانة عندي». لكن مفردة «الأمانة» يجب ألا تقودنا إلى أبعد مما ينبغي. إذ يروي السرّاج أنه في 18 تموز 1984، مثلاً، شارك العش في تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بستين على الأقل من معتقلي الإخوان المسلمين. وكما هو معروف، كانت هذه ممارسة مألوفة في سجن تدمر، تتم بإشراف مديره، عندما يزوره ما يسمّى جهاز المحكمة.

 

يؤدي العقيد مهمته، إذاً، بالحفاظ على الأمانة إلى أن يقرر صاحبها الإفراج عنها أو قتلها… في رأيه أنه ليس من اعتقل هؤلاء الأشخاص، ولا من حقق معهم، ولا من أصدر الأحكام. إنه مجرد موظف في منصب عال.

 

يذكر أحد سجناء حزب البعث الديمقراطي (الشباطي)، وكان هؤلاء يحظون بمعاملة تفضيلية من العش، قصة تدل -في رأيه- على مناقبية الأخير. فبعد أشهر من النقل إلى صيدنايا استفحلت أعراض الفصام التي كانت قد بدأت مع أحد المعتقلين منذ تدمر وصارت حالة ظاهرة، فقام العقيد بـ«مساعدة» المريض بطلب لجنة مختصة لمعاينته. بعد ستة أشهر حضرت اللجنة، وبعد ستة أخرى قررت الإفراج عن الرجل الذي كان، أثناء ذلك، قد تحول إلى مجنون تام.

 

تنبع السمعة الطيبة النسبية التي يتمتع بها العش لدى بعض نزلاء السجون التي أدارها من انخفاض مريع في عتبة حقوق الإنسان في سوريا وما ينتظره المرء منها. كما تأتي من المقارنة مع زملائه ونظرائه ممن كانوا مجرمين ساديين لا أكثر. من أنه لم يكن يتناول جثة على الفطور، على سبيل المثال. من وصفه بجمل تبدأ عادة بالنفي: ليس متوحشاً… ليس متألهاً… ليس حيواناً… إلخ.

 

 

تنبع السمعة الطيبة النسبية التي يتمتع بها العش لدى بعض نزلاء السجون التي أدارها من انخفاض مريع في عتبة حقوق الإنسان في سوريا

 

 

وفي الحقيقة، ربما تفيدنا هذه الحالة في التمييز بين ما يصفه البعض بصقور الحكم في عهد الأسدين وحمائمه. فالأولون صانعو النظام ومشيّدو أركانه على الاستباحة الطلقة وعلى التوحش الذي لا يحده قانون ولا أخلاق، والأخيرون حلقات في هذه الماكينة، مؤمنون بها وليسوا حياديين، لكنهم لا يصنعون قوانينها بل ينفذونها.

 

في أحد الأيام الأولى لسجن صيدنايا دخل العقيد إلى مهجع ناشئ وألقى خطبة بعثية صماء. ثم سأل: «عندكن فكرة عن سجن صيدنايا؟»، فأجاب معتقل شاب من حزب العمل الشيوعي: «سمعنا إنو مصمم حسب المعايير الدولية، وإنو رح تتراعى فيه المواثيق العالمية لحقوق الإنسان…»، فقاطعه العش بسرعة ساخراً: «المواثيق الدولية؟ حقوق الإنسان!!!! هاي نحنا منستخدمها لنمسح فيها ط…».

 

 

قاطعه العش بسرعة ساخراً: «المواثيق الدولية؟ حقوق الإنسان!!!! هاي نحنا منستخدمها لنمسح فيها ط…».

 

يبدو أن رأي العميد لم يتغير رغم مرور السنوات. مات مرقص منذ زمن بعيد على كل حال. يقضي أبو بلسم وقته اليوم مقلّباً التلفزيون بين القنوات السورية و«الميادين» و«المنار» و«الجديد»، مطلقاً الشتائم المقذعة ضد خونة المعارضة وعاهراتها ممن تآمروا على البلاد لتدميرها. وهو يشكو لزواره القليلين، بين حين وآخر، قلة عدد كوّات المصرف التجاري وكثرة أعطالها وشدة الزحام عليها، مما يضطره إلى قضاء وقت طويل واقفاً في الدور كل شهر، لإنجاز المهمة غير القابلة للتأخير لاستلام راتبه التقاعدي، الذي لا يتجاوز 100 $.

 


 

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

اترك رد