يمتاز تراث البيئة البدوية في سوريا بتعدد جوانبه وتنوعه وارتباطه بواقع الحياة التي يعيشها الإنسان في البادية.
وقد ظل أبناء البادية يحافظون على هذا التراث ويحفظونه على مر السنين حتى وصل إلينا الكثير منه اليوم. ومن صور هذا التراث التي لا تزال ماثلة في الذاكرة الشعبية تقاليد وعادات الاحتفال بشهر رمضان المبارك الذي يختلف نمط حياة الفرد والمجتمع البدوي فيه عما كان قبله، وإن كان الكثير من هذه المظاهر قد اختفى في ظل الحرب التي يشنها نظام الأسد على شعبه والتي طالت حتى البدو في مضاربهم.
وبرغم مظاهر الحياة الاجتماعية الحديثة التي بدأت تتسلل إلى حياة البدو ومن أبرزها البيوت المزودة بالكهرباء وأجهزة “ستلايت” والهاتف الجوال، إلا أن الخيمة ومجلس الربعة البدوي ظلا يتمتعان بخصوصية شديدة طيلة شهر رمضان للاطلاع على تعاليم الإسلام، وأكثر ما يؤدونه من فرائض الإسلام الصيام الذي يتحول بالنسبة لهم فرصة لتجديد العلاقة مع الخلق والخالق.
وكانت ترافق حلول رمضان العديد من المظاهر التي تراعي حرمة هذا الشهر ومنها تأجيل الخطوبة أو عقد القران إلى ما بعد انتهاء الأيام الستة البيض من شهر شوال. كما يتم تأجيل جلسات القضاء العرفى احتراماً لهذا الشهر المقدس، وإذا ما حدث خلاف بين قبيلتين أو عائلتين من قبيلة واحدة أو أفراد يتم تحديد هدنة فيما بينهم لحين انتهاء شهر رمضان.
تبدأ تقاليد رمضان لدى البدو بمعرفة حلول هذا الشهر الفضيل ومواعيد الإفطار والإمساك عند السحور وكان البدو يمتلكون معرفة فطرية.
ويروي بعض البدو إنهم كانوا في الماضي يستدلون على مواعيد الإفطار والسحور بحركتى الشمس والنجوم، حيث لم يكن موجوداً لديهم مذياع أو تلفزيون أو كهرباء فكانوا يستدلون على موعد أذان المغرب بمراقبة الشمس بالعين المجردة والاستدلال على وقت الغروب فيفطرون، كما كانوا يستدلون على مواعيد السحور والإمساك بمراقبة حركة النجوم وتحديد موعد أذان الفجر، وفي حال وجود حائل يحول دون مشاهدة حالة الغروب كانوا يأخذون من «واسط البيت» دلالة على دخول وقت الغروب، فإذا حل الظلام أعلى «واسط البيت»، وهو العمود الذي يتوسط بيت الشعر ولم يعد بمقدورهم رؤيته تأكدوا من غروب الشمس وأيقنوا بحلول وقت الإفطار، وكثيراً ما كانوا يعتمدون هذه الوسيلة عند يكون الجو ضبابياً أو أثناء تلبد الغيوم في الشتاء.

*تمرة ولبن عمرة

يقضي البدو يوم صيامهم في العمل كباقي الأيام، فيبدؤون نهارهم مع ساعات الصباح الأولى برعاية أغنامهم والاهتمام بها، يجوبون المراعي ليتخيروا لها المرعى المناسب ثم يردون بها الماء لسقايتها إلى أن يحين وقت احتلابها، فإذا انقضى النهارعادوا إلى مضاربهم مع الغروب، يحبسون قطعانهم قريباً من المنازل فيربطون دوابهم ويُنزلون عن ظهورها المتاع ويعقلون إبلهم ثم يأوون إلى بيوتهم لتناول طعام الإفطار الذي تكون نساء البيت قد قمن بتحضيره كما يقول الباحث في شؤون البدو والبادية -حسن خضير المقبل- مضيفاً أن “فطور الصائمين في البادية يتنوع بتنوع الفصول التي يأتي فيها شهر رمضان ففي الربيع كان اللبن والحليب والتمر حاضرة على المائدة البدوية، أما في الصيف وبخاصة إذا كان البدو يعيشون في مناطق قريبة من المدن فيجلبون الخضار، وإذا كانوا بعيدين عنها يطبخون البرغل ويأكلون السمن العربي والدبس والحلاوة البيضاء والناطف والقطر، إضافة إلى الزبيب الذي كان يجلب من منطقة القريتين”.
ويردف المقبل: “يتم دق الزبيب وخلطه بالطحين ويخزن كمونة ويقدم للضيوف بعد غليه بالسمنة العربية فيصبح مذاقه لذيذاً ورائعاً بالنسبة للبدو”.
ومن المعروف أن التمر يعتبر وجبة أساسية لدى البدو وخاصة في البادية الشامية حيث كانوا يجلبون أحماله من محطة الرطبة على الحدود العراقية السورية ويشكلون قافلة قوامها بعير أو بعيران من كل بيت يسمونها القفل، وأكثر البدو كانوا يسخنون لبن الإبل حتى يغلي ويضيفون إليه قليلاً من الملح ويسمونه “السخينة” ويصبح طعامهم كما يسمونه (تمرة ولبن عمرة) والعمرة هي الناقة.

*” المكمور” و”الأبوذان”

ومن أطعمة البدو في رمضان -كما تقول السيدة حميدة العبود (أكلة المكمور) وهي عبارة عن قطع من البرغل المطحون يتم تدويرها بشكل كرات صغيرة وتُحشى باللحم والبصل، ويتم صفها بجانب بعضها البعض على حواف الوعاء المراد طبخها فيه، ثم يُضاف إليها دهن الغنم وتُغلى حتى تنضج، ومن الأكلات الرمضانية اللذيذة عند البدو أيضاً “الأبو ذان” أو”الشيش برك” كما يسميه أهل الحضر وهي عبارة عن عجين محشي بلحمة ناعمة تُصنع على شكل الأذنين لذلك سُميت الأبو ذان ويتم غليها بـ”الهكط” وهو اللبن المجفف الذي يتم نقعه فيصبح كاللبن المجفف اليوم توضع على النار حتى تُنضج وتقدم ساخنة.
ومن أطعمة الإفطار في البادية السورية أيضاً القمح المهروس مضافاً إليه منقوع “الشنينة” المصفى اليابس ويثردون به الخبز ثم يغلونه بالسمن، فيصبح وجبة ساخنة شهية.
وبعد الإفطار تترك المائدة ولا يرفع عنها الطعام حتى بعد صلاة التراويح تحسباً لوصول أي ضيف أو عابر سبيل أو مار على الطريق ولم يفطر.
وكان الرعاة الذين يبيتون مع قطعان المواشي بعيداً عن المضارب، يرسلون أحدهم إلى المضارب لإحضار وجبة إفطارهم إذا كانت المضارب ليست بعيدة عنهم، أو يفطرون على ما يصطحبون معهم من زاد مما لا يحتاج إلى تحضير أو طهو، كالسمن والتمور ومجففات العنب والتين.

*فاكهة المجالس

بعد أن يتناول البدو طعام الإفطار تبدأ سهرات الرجال في “الربعة” والنساء في “المحرم” وتُعد القهوة المرة هي فاكهة هذه المجالس قبل أن يدخل مشروب الشاي وفي هذه السهرات يتبادل الرجال قصص البادية والمواقف والحروب والغزوات التي مرت بها وتنشغل النساء بالحديث عن هموم الحياة ومواقفها اليومية إلى وقت متأخر من الليل، حيث يهجعون قبل الاستيقاظ لتناول طعام السحور، ولم يعهد أهل البادية صوت المسحراتي كما هو في المدن والأرياف وإنما يقوم الرعيان إذا كانوا قريبين من مضارب البدو بإيقاظهم أو يتولى أبناء العائلة الساهرون في الربعة إيقاظ النائمين منهم ويتكون طعام السحور غالباً من التمر والسمن العربي أو القشدة إذا وُجدت.
وبعد أن ينقضي شهر رمضان في البادية ويحل عيد الفطر يلبس البدو أفضل ما لديهم من ثياب وهي ثياب بسيطة على كل حال نظراً لشظف العيش لدى البدو وخشونة حياتهم وتحرص البدويات على إعداد الحناء وتخضيب أيديهن وأرجلهن به، ويتبادل البدو التهاني داخل العائلة الواحدة وبعد تناول القهوة العربية ينطلقون لتهنئة الجيران وربما ذهبوا لتهنئة معارفهم من القبائل الأخرى المجاورة.
خالد الأحمد -زمان الوصل

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق