خطوات تصحيح المسار الأميركي في سوريا

143

«بغية المضي قدماً. إننا نملك عدداً من نقاط القوة والتأثير التي تتيح إحداث بعض التغييرات الإيجابية. ولا بد من وجود نوع من الانتقال السياسي»… «أظهرت إدارة الرئيس دونالد ترمب أنها غائبة في حالة قيام العملية الدبلوماسية، والولايات المتحدة ليست حاضرة.

وفي المقابل، لا يمكنني ضمان نجاح أي شيء، ولكن يمكن أن أضمن ظهور إدارة جوزيف بايدن على أقل تقدير»… «إن أي تحرك صوب تطبيع العلاقات مع النظام السوري يعد محالاً من الناحية العملية. ونعد (قانون قيصر) القوي بصورة استثنائية غير مسبوقة من الأدوات البالغة الأهمية في الحد من قدرة النظام السوري على ارتكاب أعمال العنف، وهو يوفر قدرة لممارسة مزيد من الضغوط عليه لتغيير سلوكياته. ولقد نجح استمرار نشر القوات الخاصة الأميركية في شرق سوريا لمحاربة تنظيم (داعش) الإرهابي، ودعم الجهات المحلية بفاعلية كبيرة، فضلاً عن كون ذلك من الخطوات الذكية المستدامة التي قامت بها أميركا».

هذه الاقتباسات المستمدة من أعضاء نافذين في حملة بايدن الانتخابية تسلط الضوء على خط التفكير السائد بشأن السياسات السورية بين أولئك الذين من المرجح أن يتقلدوا أرفع المناصب في الإدارة الأميركية المقبلة. عندما تبدأ إدارة بايدن في الاستقرار في مناصبها خلال بضعة شهور فقط، ستكون الأزمة السورية قد بلغت مرحلة مروعة للغاية، لا سيما مع مرور عقد من الزمان بحلول مارس (آذار) من عام 2021 المقبل.

ورغم أن كثيراً من كبار أعضاء فريق الرئيس بايدن قد ترأسوا السياسات الأميركية خلال أغلب سنوات الأزمة السورية اشتعالاً ودموية، بين عامي 2011 و2016، فإنه من الواضح أن المأساة التي ألمت بسوريا، وتبعاتها العالمية الاستثنائية، باتت من أبلغ مصادر الأسى والأسف. علاوة على ذلك، وبعد مرور 4 سنوات من إدارة الرئيس ترمب، نال النفوذ الأميركي خلالها مزيداً من الاستياء والازدراء بصورة متواترة خالية من المنطق تماماً، مع تآكل مصداقية الولايات المتحدة في الخارج إثر التقلبات المريعة المثيرة للحرج في المواقف السياسية، بات هناك تصميم جديد واضح على تصحيح مسار العمل، والتحرك بكل حزم نحو تحقيق الأهداف السياسية، من هزيمة تنظيم داعش، والسعي إلى تسوية سورية لازمة عن طريق المفاوضات السياسية. ومن شأن حالة الازدراء التي ألمت بإدارة الرئيس ترمب إزاء العمل الدبلوماسي والتحالفات الخارجية أن تشهد تصحيحاً فورياً للمسار، فسوف يسعى الرئيس بايدن إلى إعادة إشراك الحلفاء، وتعزيز إقامة التحالفات المتعددة الأطراف، وتنشيط العمل الدبلوماسي، واستعادة مكانة الولايات المتحدة خارجياً على الصعيد الدولي. وليس هناك ملف هو أولى بالاهتمام والأولوية، من حيث تصحيح المسار، أكثر من ملف الأزمة السورية، لا سيما مع ارتفاع محفزات الصراع وعدم الاستقرار، من حيث النطاق والحجم.

فلا بد من إنهاء الأزمة السورية، إذ إنها على مشارف مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وتشابكاً، وهي المرحلة التي إن لم يتم التصدي لها بكل حسم وقوة، فإنها تهدد بجولة جديدة من عدم الاستقرار البالغ الإنهاك الذي من شأنه أن يؤثر تأثيراً سلبياً على منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وربما ما هو أبعد من ذلك على الصعيد الجيوسياسي. فبعد مرور 9 سنوات، سقط أكثر من نصف مليون قتيل، مع نزوح أكثر من 12.5 مليون مواطن (أكثر من نصف سكان البلاد). وأسفرت سنوات ممتدة من القصف المكثف من جانب القوات الحكومية السورية عن تدمير أكثر من 50 في المائة من البنية التحتية الأساسية في البلاد.

كما أن وضع النظام السوري المنبوذ المعزول على الصعيد الدولي يضمن عدم إتاحة نافذة حقيقية لمساعدات إعادة الإعمار ذات الأهمية. وفي الآونة الراهنة، يعيش أكثر من 90 في المائة من الشعب السوري المتبقي تحت خط الفقر، في حين أدى التضخم الاقتصادي المخيف – الناجم عن الانهيار المالي المريع في لبنان المجاور – إلى سقوط سوريا في هوة اقتصادية عميقة، فضلاً عن النقص الحاد للغاية في موارد الوقود والقمح. كذلك، يؤدي الصراع الاقتصادي المحتدم محلياً إلى توليد درجات غير مسبوقة من السخط الشعبي والانتقادات العلنية ضد النظام الحاكم من قاعدة الدعم الشعبية الخاصة به في داخل البلاد، في حين تتعرض نخبة رجال الأعمال المميزين لمزيد من الاهتزازات العلنية بغية محاولات تغطية الحسابات المصرفية للنظام السوري.

وعلى الصعيد الأمني، ما تزال محاولات عودة تنظيم داعش الإرهابي إلى سطح الأحداث جارية على قدم وساق، وذلك مع تأرجح عملية «المصالحة» في الجنوب السوري، في خضم أكثر من 400 هجمة من طرف قوى المعارضة السورية خلال الـ12 شهراً المنقضية، جنباً إلى جنب مع الصراعات المحلية والجيوسياسية الدائرة المحتدمة للغاية في مناطق الشمال الغربي، والشمال الشرقي، وعلى الجبهة الشرقية، وبين إسرائيل وإيران. وتعد الأزمة السورية أبعد ما تكون حالياً عن الانتهاء، وما تزال سوريا تملك قدراً معتبراً من الأهمية في المنطقة، لا سيما بالنسبة إلى البلدان الإقليمية المجاورة في منطقة الشرق الأوسط. ويعد الرئيس بشار الأسد في حالة عجز كلية عن بسط السيطرة على مساحة 60 في المائة التي تسيطر قواته عليها راهناً في البلاد، فضلاً عن محاولاته بسط السيطرة على كامل التراب السوري. ويضمن الفساد المستشري في البلاد، والوحشية المؤسسية التي تعتمدها أجهزة الأمن السوري، فضلاً عن العلاقات الوطيدة التي يقيمها مع «الحرس الثوري» الإيراني ونظام كوريا الشمالية، أن نظام بشار الأسد لن يمكن اعتباره شريكاً موثوقاً به على الإطلاق. ومن واقع وضعية النظام السوري السابقة، باعتباره إحدى الدول الراعية للإرهاب الدولي، مع برنامج الأسلحة الكيماوية الكامنة، والسابقة المعروفة من التعاون مع تنظيمي «القاعدة» و«داعش» الإرهابيين، فضلاً عن علاقات التعاون المستمرة مع تنظيم «حزب الله»، تؤكد كلها على المخاطر الأمنية المتأصلة في ذلك النظام، مع فشله الواضح في ممارسة الضغوط من أجل المساءلة، مع تراجع أغلب أشكال التغييرات السياسية المنشودة في دمشق. تدرك إدارة بايدن أن إعادة التواصل غير المشروط مع نظام بشار الأسد لن تسفر إلا عن تفاقم محفزات الصراع الراهن، مع شيوع حالة عدم الاستقرار في البلاد.

ومع سريان العمل بـ«قانون قيصر» الذي أصبح قانوناً فيدرالياً في الوقت الحالي، ستواصل الحكومة الأميركية معارضة، وربما الحيلولة دون محاولات الجهات الخارجية، استمرار العمل مع نظام بشار الأسد الذي يعتبر من أشهر مجرمي الحرب في القرن الحادي والعشرين. وبدلاً من ذلك، ستقوم إدارة بايدن بالعمل على المسار الدبلوماسي في بادئ الأمر، ذلك الذي يتناول الأزمة السورية بصورة شاملة، مع السعي إلى إعادة تنشيط العملية الدبلوماسية المتعددة الأطراف بغية متابعة التسوية السياسية عن طريق التفاوض الذي سيتيح في خاتمة المطاف اتخاذ قرار الانسحاب المسؤول للقوات الأميركية من البلاد.

وعلى غرار أغلب الأميركيين، ستكون إدارة بايدن حريصة كل الحرص على إنهاء ما يُعرف إعلامياً بالحروب اللانهائية، رغم أنها قد أوضحت من قبل أن المسألة السورية لها قدرها المعتبر من الاختلاف والخصوصية.

ومن المعروف عن الرئيس بايدن دعمه الواضح لما يُسمى بجهود «محاربة الإرهاب الإضافي»، وهو عبارة عن نهج تعتمده الإدارة الأميركية في الاستعانة في محاربة الجماعات الإرهابية بأعداد محدودة من رجال القوات الخاصة التي تعمل بصورة وثيقة مع الشركاء المحليين. ونظراً لأن استراتيجية «المواجهة المحلية بالإسناد الخارجي» قد نجحت بصورة جيدة في سوريا، وضد محاولات عودة تنظيم داعش الإرهابي، فما من سبب وجيه يدعو إلى التوقف عنها حتى الآن.

ومن أجل المضي قدماً، ينبغي على الولايات المتحدة معاودة التركيز على اعتماد الاستراتيجية الشاملة على مستوى سوريا بأكملها، تلك التي تمنح الأولوية لخمسة خطوط سياسية تتسم بالتكامل والترابط:

(1) هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، والمحافظة على بقاء وحماية «قوات سوريا الديمقراطية».

(2) ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة ثابتة، ومن دون عوائق، إلى المعوزين كافة، بما في ذلك عبر الحدود السورية صوب الشمال.

(3) المحافظة على حزمة العقوبات المستهدفة، باعتبارها أداة من الأدوات الحاسمة غير العسكرية الرامية إلى الحد من جرائم النظام السوري، مع تعزيز النفوذ الأميركي.

(4) الدعم الدبلوماسي لقرار وقف إطلاق النار في محافظة إدلب التي تعد موطن أكبر الأزمات الإنسانية في سوريا. (5) تعزيز العمل الدبلوماسي بصفته الثنائية مع الجانب الروسي، وبصفته المتعددة مع الأطراف الخارجية الأخرى من خلال الأمم المتحدة بغية التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية للأمة السورية.

ومن أجل القيام بذلك، سوف تحتاج الولايات المتحدة إلى إقامة تحالف دبلوماسي يتحد تحت مظلة العزم والحسم والتصميم على رؤية سوريا وهي تستشرف فصلاً جديداً في مستقبل تؤطره أسس السلام والعدالة والمساءلة. وسيكون لحلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط دور كبير حاسم يضطلعون به في خدمة هذا الغرض وتحقيق هذه المآرب.

شارلز ليستر
مدير قسم مكافحة الإرهاب بمعهد الشرق الأوسط

تعليق

Powered by Facebook Comments

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا