عالمة آثار فرنسية: تدمر رهينة بيد الأسد في لعبته مع الغرب

7
الحفل الذي اقامته الأوركسترا الروسية في مسرح تدمر عام 2017
15 / 100

في حال ترميم تدمر، فإنه من الممكن أن تتحول المدينة الأثرية إلى ما يشبه “مدينة ديزني”. هذا ما تقوله الخبيرة بآثار تدمر، آني سارتر فوريا. وفيما يخص تدمر تعتقد الخبيرة الفرنسية أن الأسد ليس بأفضل من تنظيم “داعش” الإرهابي.

بعد أن بقي تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي المعروف إعلاميا باسم “داعش” مسيطراً على لؤلؤة الصحراء وجوهرتها، مدينة تدمر الأثرية، لمدة عشرة أشهر، استعادت قوات النظام السوري والقوات الموالية له السيطرة على المدينة. وتُعتبر المدينة الأثرية إحدى ستة مواقع أثرية في سوريا مدرجة على “قائمة التراث الإنساني” لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

ولإلقاء المزيد من الأضواء أكثر على وضع المدينة، وما قيل عن خطط لترميمها، و”استخدام المدينة كورقة” من قبل الأسد، أجرت DW مقابلة مع المؤرخة وعالمة الآثار الفرنسية آني سارتر فوريا. فوريا خبيرة بالآثار السورية ومتخصصة بآثار تدمر منذ أكثر من أربعين سنة، كما نشرت عدة كتب عن أهمية المدينة الأثرية.

DW: ما هي آخر معلوماتك عن وضع تدمر بعد “استعادتها” من قبل قوات بشار الأسد؟

آني سارتر-فوريا قلقة من الدور الروسي في ترميم آثار تدمر

آني سارتر فوريا: تلقيت الكثير من الصور من عالم آثار سوري أعرفه شخصيا. وتظهر في هذه الصور قوات الأسد وهي تقوم بمسح الآثار. واليوم تلقيت للمرة الأولى صوراً من الداخل لما كان يُعرف بـ “معبد بل”. لم يكن في السابق هذا ممكناً نتيجة الخوف من أن يكون ما بقي من المكان مُلغماً.

 

 

 

هل أنت مرتاحة لتحرير تدمر من قبضة مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي؟

نعم ولا! بالطبع، أنا مرتاحة أنه تم طرد الجهاديين من المدينة؛ لقد تسببوا بدمار رهيب لهذه المدينة الأثرية. وفي المقابل، أنا لست مرتاحة؛ لا يزال في الذاكرة ما فعله بشار الأسد بمدينة تدمر. فقد احتلت قواته خلال الثورة بين الأعوام 2012 و2015 قلعة تدمر وتسببت آنذاك بأضرار كبيرة. لقد أطلق الصواريخ وألقى القنابل على المدينة، مما تسبب بتدمير عدد كبير من الأعمدة والجدران. وعلاوة على ذلك، قامت قوات الأسد بنبش المقابر ونهبها وبيعها بطريقة غير شرعية. طالما بقي الأسد في تدمر، أخشى أنه قد يكمل تدمير المدينة ويعود رجاله إلى النهب من جديد.

 

طال الدمار المتحف الوطني في تدمر

اعتقد العالم ولمدة عشرة أشهر أن تدمر قد سويت بالأرض. يبدو الأمر، الآن، كما لو أن عشرين بالمائة فقط من المدينة قد دُمر. هل كانت دعاية مقصودة من تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي بأن يجعلنا نعتقد أن كل الآثار قد ضاعت؟

حين يسمع المرء بنسبة العشرين بالمائة يعتقد أنها قليلة، بيد أن الإرهابيين دمروا أهم المعالم الأثرية خصوصا “معبد بل” و”معبد بعل شمين”. كما قاموا بتدمير سبعة من أجمل “أبراج المقابر” و”قوس النصر”، بالإضافة إلى الكثير من المدافن. وقد امتد النهب، سواء من قبل قوات الأسد أو من “داعش”، إلى مناطق كان يرغب المؤرخون وعلماء الآثار بإجراء البحوث عليها والتنقيب فيها. إنها خسارة تاريخية. عندما نتكلم عن عشرين في المائة، لا بد أن نحدد بدقة أكبر: أهم عشرين بالمائة من التراث الإنساني في تدمر تم محوها من الوجود.

ما الذي يجب فعله إذا بتدمر؟

أنا مع إعادة بناء المدينة ولكن ضد ترميم الآثار. ولكن أنا أيضا ضد أن يُفعل بتدمر ويُشتغل عليها كما لو أن ما حدث لها، لم يحدث. يجب ترك جزء من الدمار كشاهد على التاريخ. يجب أن يبقى في الذاكرة ما حل بهذه المدينة.

أعود إلى سؤالي من جديد: هل تدمير تدمر دعاية لـ “داعش”؟

نعم وبكل تأكيد.لا يمكن نقض حقيقة، أنه وفق رؤية “داعش” كان يجب تدمير تدمر لسببين. الأول: لأن تدمر تشكل للغرب رمزا لا بد من الحفاظ عليه. وهنا لا بد من التوضيح أن “داعش” دمر شواهد على التاريخ الإسلامي كالمساجد والأضرحة. والسبب الثاني: لأن تدمر رمز لسوريا. انظر إلى الطوابع البريدية وأوراق العملة، ترى صورة تدمر عليها.

ما هو تقييمك لـ “تحرير” تدمر؟. هل يحاول بشار الأسد تحقيق مكاسب شخصية من وراء ذلك؟

عندما ترك، لحد ما، بشار الأسد تدمر لـ “داعش” في أيار/ مايو 2015، كان ذلك مناورة سياسية مقصودة: فقد كانت إستراتيجيته تقوم على أن الغرب سيهب لمساعدته في قتال التنظيم الإرهابي. ولكن حساباته كانت خاطئة، فالغرب، بالطبع، لم يرغب بمساعدة دكتاتور كالأسد. لا بد أن قوات الاستطلاع الجوية السورية قد شاهدت قوات “داعش” وهي تتقدم إلى تدمر عبر الصحراء. لم تفعل قوات الأسد أي شيء ضد “داعش”، لأنها كانت آخذة في اعتبارها أنها ستتلقى مساعدة من الغرب.

وبدلاً من مهاجمة “داعش”، قامت قوات الأسد بقصف حلب بالقنابل. والآن هناك وضع مشابه: نجح الأسد بجر حزب الله وروسيا إلى جانبه لتحرير تدمر والاحتفال بذلك. ويأمل الأسد بأن يقبل به الغرب مجدداً كشريك مفاوض. إنها مناورة سياسية دون شك.

هل تعتقدين أن كل هذا تكتيك؟

كلما فتح الأسد فمه بالكلام فإنه يكذب. أعرف النظام السوري منذ أكثر من أربعين سنة. عندما وصلت سوريا العام 1971، احتككت بنظام حافظ الأسد، والد بشار، كما كنت في سوريا خلال انتقال الحكم من الأب إلى الابن، وكنت بداية الثورة عام 2011 في سوريا أيضا. عرفت بشار الأسد كمناور ومخادع كبير. في سوريا هناك ديكتاتورية مافيوية.

والهدف الوحيد لبشار الأسد هو البقاء في السلطة، وأن تبقى سوريا كما يريدها أن تكون، لأنه يعتبرها مملوكة له. إنه مستعد لفعل أي شيء: لا مشكلة لديه بعمل مجزرة يذهب ضحيتها 300 ألف إنسان وأن يطرد ملايين السوريين إلى المنافي، وأن يعذب المساجين ويقتلهم. عندما تبدأ المفاوضات معه مجددا، فعلى المتفاوضين أن يدركوا أنهم يجلسون مع الشيطان نفسه إلى طاولة واحدة.

نسف معبد بعل شمين على يد داعش في آب/ أغسطس 2015

هل ستبقى تدمر رهينة؟

نعم، الأسد يعرف كيف يستخدم تدمر كأداة. أنا سعيدة بطرد “داعش”، ولكني لست مستعدة أن أوجه الشكر للأسد على ذلك.

هل تعتقدين أنه من الممكن إعادة بناء تدمر خلال خمس سنوات، كما أعلن مدير دائرة الآثار والمتاحف السورية؟

أعتقد أن الأمر غير واقعي. بدون مساعدة من الخارج، من اليونسكو تحديدا، لن يمكن فعل شيء. لقد تحدثت بالأمر نفسه مع المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا. هي تريد أن تكون صورة عن الوضع على الأرض هناك في أسرع وقت. هي متحفظة بإعطاء الوعود. يجب على الخبراء أن يقرروا فيما إذا كان من المفيد القيام بالترميم. ومن جهة أخرى، يطرح السؤال نفسه فيما إذا كانت تدمر تتصدر قائمة أولويات إعادة بناء سوريا، فسوريا كلها أنقاض وحطام ورماد.

هل ستساعدين بعملية إعادة البناء؟

نعم، إذا طلب مني ذلك. لكن يتملكني الخوف من أن أرى تدمر وهي على هذا الحال.

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق