“تراث البادية السورية” التاريخ الشفوي مصدراً لتوثيق التراث الثقافي والطبيعي

4
SYRIA - MARCH 24: Mud houses in the Druze village of Sarouj, near Hama, Syria. (Photo by DeAgostini/Getty Images)

يتحدث حسن علي، خريج برنامج “حُماة التراث الثقافي”، وهو منحة للمتخصصين السوريين في تركيا، مع L.I.S.A. عن مشروعه “تاريخ البادية السورية. التاريخ الشفوي مصدراً لتوثيق التراث الثقافي والطبيعي”.

استجابة للدمار الهائل الذي لحق بالتراث الثقافي السوري، وسعياً للحفاظ على هذا التراث وحمايته، وفي إطار مشروع “ساعة البدء – مستقبل ما بعد الأزمة“، أطلق فرع إسطنبول في معهد الآثار الألماني (DAI) مشروع “حُماة التراث الثقافي” في أكتوبر 2016. امتد مشروع “حماة التراث الثقافي” على مدار 24 شهراً، وشاركت في تأسيسه مؤسسة جيردا هنكل.

وتم اختيار خمسة متخصصين سوريين في مجال التراث (علماء آثار ومهندسون معماريون…إلخ) مقيمين في تركيا، لتنفيذ مشاريعهم المقترحة في إطار تدريبهم استعداداً لفترة ما بعد الصراع في سوريا.

وقد وجهت L.I.S.A. إليهم أسئلة عن عملهم ضمن برنامج حُماة التراث الثقافي وخططهم للمستقبل. وكان الحوار الأول من هذه السلسلة مع السيد حسن علي حول مشروعه “تاريخ البادية السورية. التاريخ الشفوي مصدراً لتوثيق التراث الثقافي والطبيعي” (دراسة حالة حسن علي ( 1.48 ميغابايت)).

L.I.S.A.: ما هو مشروعك؟ وما الذي أثار اهتمامك بهذا الموضوع؟

علي: يتمحور مشروعي حول استخدام التاريخ الشفوي كمصدر لتوثيق التراث الثقافي والطبيعي. ويركز عملي على القطاع الشرقي من إقليم تدمر في السهوب السورية (البادية). ولإجراء هذا التوثيق، اعتمدت على إجراء مقابلات مع السكان المحليين في البادية السورية ممن نزحوا من جراء الصراع واستقروا في المدن التركية (ولاسيما المدن الجنوبية). وتمكنت من إجراء 100 مقابلة مع فئات مختلفة من السكان المحليين، ما مكننا من التوصل إلى معلومات وفيرة.

“المعلومات حول التراث الثقافي والطبيعي مستمدة من ذكريات هؤلاء الأشخاص”

بعد ذلك، جمعت المعلومات في ملف واحد لكل موقع طبيعي أو ثقافي. ويتضمن الملف بطاقة موقع وصوراً ورسوماً بيانية وملفاً صوتياً… إلخ. وللتوصل إلى المنتج النهائي لبحثي، تم جمع النتائج (باستثناء الملف الصوتي الذي لا يمكن للجمهور الوصول إليه) في خريطة تفاعلية عبر الإنترنت باللغة الإنجليزية، وسنعمل على ترجمتها إلى اللغة العربية قريباً. وتهدف الخريطة إلى إتاحة فرصة الوصول إلى المعلومات حول المواقع والسماح للسكان المحليين بإضافة مزيد من المعلومات حول المواقع التي يعرفونها. هذا رابط الخريطة التفاعلية. وقد انصب اهتمامي على هذا الموضوع لأنني تمكنت من تحقيق حلمي بتوثيق تراث البادية السورية، والتي تعرضت لإهمال جزئي على مدى سنوات عديدة مقارنة بمدينة تدمر التاريخية العريقة.

L.I.S.A.: هل توصَّلت إلى اكتشافات مفاجئة في أثناء البحث؟

علي: نعم، وتتلخص هذه الاكتشافات فيما يلي: بعد مراجعة الأدبيات المتعلقة بهذا الموضوع، وجدت أن معظم التجارب السابقة استخدمت التاريخ الشفوي لتوثيق المواقع الأثرية والطبيعية، وإجراء مقابلات مع السكان مباشرة في الموقع. لكنني استخدمت في بحثي التاريخ الشفوي لتوثيق المواقع الأثرية والطبيعية بعيداً عن الموقع، حيث لم يكن من الممكن الوصول إلى أي من المواقع بسبب الصراع المسلح في سوريا. فلجأت إلى إجراء المقابلات مع النازحين من تلك المناطق ممن استقروا في تركيا، ووفرت هذه المقابلات مع اللاجئين معلومات عن التراث الثقافي والطبيعي في القطاع الشرقي من منطقة تدمر في البادية السورية، وجميع هذه المعلومات مستمدة من ذكريات هؤلاء الأشخاص.

إجراء المقابلات في غازي عنتاب (تركيا).

تتمثل إحدى تجارب استخدام التاريخ الشفوي للذاكرة في الدراسات الاجتماعية والتاريخية في البحث الذي أجراه ألكسندر فون بلاتو حول تجارب وذكريات العمال المستعبدين في أوروبا التي احتلها النازيون. ولكن لا توجد تجارب في استخدام التاريخ الشفوي والذكريات في توثيق المواقع الأثرية والطبيعية، لذا تطلَّب ذلك منا إيجاد نهج جديد لاستخدام ذكريات النازحين الذين قابلناهم في أماكن بعيدة عن المواقع لغرض توثيق الموقع. ومزجت منهجيتنا بين تجارب توثيق التاريخ الشفوي المختلفة، إلى جانب تجربتي في المسوحات الأثرية في أثناء عملي سبع سنوات في دائرة الآثار في تدمر.

L.I.S.A.: ما هي التحديات التي واجهتها في أثناء المشروع، وما الذي ساعدك في تخطيها؟

علي: واجهنا العديد من الصعوبات والتحديات التي أثرت على الجدول الزمني؛ ففي أثناء البحث عن الشهود، رفض العديد منهم إجراء المقابلات لأسباب شخصية (مثلاً، لم ترغب بعض النساء في إجراء المقابلات)، الأمر الذي تطلَّب المزيد من الوقت والجهد للبحث عن شهود آخرين. كما كان بعض الشهود مترددين في تقديم معلومات مهمة لخشيتهم من التأثير السياسي الذي قد تحدثه هذه المعلومات، والذي يمكن أن يعرِّض أمنهم للخطر. وأدَّى كل ذلك إلى نقص في كمية المعلومات التي توصلنا إليها.

“كان بعض الشهود مترددين في تقديم معلومات مهمة لخشيتهم من الأثر السياسي لذلك”

بعد تحقيقاتنا المكثفة، اكتشفنا تهجير عدد كبير من البدو والصيادين ممن يتمتعون بذاكرة غنية عن البادية السورية إلى مخيمات اللاجئين في الأردن، ويتعذر عليَّ الوصول إليها في الوقت الحالي. وتمثلت الحلول لهذه التحديات والصعوبات في تكثيف جهودنا في البحث عن الشهود، بحيث يتوفر أكبر عدد ممكن من الأشخاص، ما يقلل من تأثير رفض بعضهم للمشاركة.

وقد كنت حريصاً في أثناء المقابلات على طمأنة الشهود وتأكيد أن هذه المقابلات لن تنشر علناً، لكنها ستكون جزءاً من قاعدة بيانات التاريخ الشفوي التي نعدّها لأسباب علمية. وهكذا اطمأن المشاركون وبدأوا التحدث بحرية أكبر بلا خوف.

لم يكن باستطاعتي السفر خارج تركيا لمقابلة البدو والصيادين الذين نزحوا إلى مخيمات اللاجئين في الأردن، وهكذا كان علي الاكتفاء بعدد المشاركين القليل الذين سكنوا في المدن التركية.

L.I.S.A.: ما هي خططك وأمنياتك لمهنتك المستقبلية؟

علي: أخطط في المستقبل القريب للعمل في مجال البحث الأثري، وإجراء مزيد من الأبحاث حول التراث السوري في منطقة تدمر. وإذ استفدت من تجربة العمل في مشاريع الترميم والحماية، فإنني سأكون سعيداً إذا ما تمكنت من الجمع بين عملي البحثي والعمل في ترميم المواقع الأثرية في تركيا. أما في المستقبل البعيد، فأخطط لمواصلة دراستي والتقدم لبرنامج الماجستير ومن ثم آمل الحصول إلى درجة الدكتوراه. كما أعتزم مواصلة شغفي بالتدريس، ولاسيما ما يتعلق بالعلاقة بين التاريخ الشفوي وعلم الآثار من حيث تطبيق التاريخ الشفوي لتوثيق التراث.

“أعتزم مواصلة شغفي بالتدريس “

كما أسعى إلى تطبيق الخبرة التي اكتسبتها من هذا المشروع البحثي في توثيق مواقع التراث الثقافي والطبيعي في المناطق السورية الأخرى، وربما حتى في دول أخرى، ولاسيما تلك التي تشهد صراعات مسلحة.

 

المصدر: L.I.S.A.

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق