مملكة تدمر ,, لغة وكتابة وديانة وفن وتاريخ حضاري

تدمر مدينة تقع في ريف حمص الشرقي وسط سورية، على بعد 215 كيلومتراً شمال مدينة دمشق، كانت المدينة محطة تجارية في غاية الأهمية بين آسيا وأوروبا حيث قامت مملكة تدمر. ازدهرت مملكة تدمر في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد، وكانت تحمل طابع المدن الإغريقية الرومانية بأبنيتها العامة والخاصة، أهم آثارها معبد بل الضخم والشارع الأعظم المحفوف بالأعمدة والمسرح وسوق الآغورا والبوابة الكبرى المعروفة بقوس النصر إضافة إلى المئات من المنحوتات والتماثيل والمدافن الأثرية الضخمة التي كانت على شكل أبراج، وسور المدينة البيضاوي الشكل والمدعم بالأبراج
سطعت مملكة تدمر بدورها الحضاري في الجزيرة العربية عندما احتلها الأسكندر الكبير ومنحها استقلالها، منذ ذلك الحين ازدهرت المملكة وأصبحت مركزاً تجارياً مهماً يصل بين القارتين وأصبحت محط أنظار الممالك المجاورة، إذ حاول الرومان احتلالها على يد مارك انتوني الذي حاول مراراً وكان غالباً ما يفشل في تحقيق ذلك على حين سيطر عليها الرومان أثناء حكم تيبرياس، واستمرت على ذلك نحو أكثر من قرن ازدهرت فيها المملكة وكانت من أهم المدن التابعة للروم وكانت هناك محاولات عديدة من الفرس للاستيلاء عليها ولكنها لم تنجح إلى أن سيطرت الملكة زنوبيا على الحكم وقادت حملة للتخلص من الحكم الروماني وحملة توسعة شملت مدناً في العراق ومصر. كان سكان تدمر يتكونون اجتماعياً من ثلاث طبقات هم: مواطنون أحرار، عبيد، أجانب، المواطنون هم أبناء العشائر وكان بعض هذه العشائر أحلافاً، وقد اعتنى التدمريون بزراعة واحتهم ونظموا الأقنية والري والسدود فيها وحفروا الآبار للشرب والأحواض، وكانت مكاتباتهم التجارية بالآرامية والرسمية باللاتينية (في زمن الرومان)، ولهم أيضاً لغتهم التدمرية وكتابتهم المأخوذة عن الآرامية.

شعب تدمر اللغة والكتابة

تشكل أسماء العلم التدمرية والطقوس والشعائر الدينية، وعدد كبير من الأرباب، برهاناً قاطعاً على أن الكثرة الساحقة من سكان تدمر وإقليمها هم من العرب، وقد احتفظوا بتقاليدهم العربية، وظل نظامهم الاجتماعي الأساسي نظام قوافل وتجارة قوافل. وكان التدمريون يستخدمون في كتاباتهم اللغة الآرامية التي كانت لغة الكتابة والمراسلات في آسيا الغربية منذ أيام الأخمينيين، وإن كانت آرامية تدمر تستخدم بعض المصطلحات والصيغ العربية.
وتعتبر النصوص التدمرية المنتشرة من بادية الشام إلى شمال إنكلترا أهم مصدر عن تدمر، أما في مدينة تدمر نفسها فقد عثر حتى اليوم على ثلاثة آلاف نص تدمري، بينها مئات النصوص المحررة بالتدمرية والإغريقية التي كانت اللغة الرسمية للحكم الروماني في سورية، أما النصوص اللاتينية في تدمر، فهي تعد على أصابع اليدين، وأقدم نص تدمري معروف يعود لعام ۴۴ ق. م، وأحدثه يعود لعام ۲۷۲م، وهو عام سقوط تدمر بيد الإمبراطور الروماني أورليان. والتاريخ السلوقي (تشرين الأول ۳۱۲ ق. م) هو المنطلق في تأريخ النصوص التدمرية.
(من كنوز مدينة تدمر – المصدر: موقع اليونسكو)

الديانة في تدمر

تتصف الديانة التدمرية بالاصطفائية والتوفيقية، وفي مجمع الآلهة التدمريين نحو ستين معبوداً، على رأسها الإله البابلي الأصل بل (مردوخ)، وقد وحّد في أيام اليونان والرومان بالإله زفس/جوبيتر، ومع بل يكون عادة الإله يرحبول (الشمس) وعجلبول (القمر). وكان للإله نبو ابن بل شعبية كبيرة في تدمر، أما الإله الكنعاني بعلشمين (رب السموات) فكان على رأس مجموعة أخرى من الآلهة. وكان التدمريون يتعبدون اللات والعزى ومنوه ورضو وشمس وغير ذلك من المعبودات العربية. وكان أهم مظهر من مظاهر الشعائر الدينية التدمرية الطواف حول الهيكل المركزي للمعبد، وحمل صنم المعبود على جمل تحميه قبة حمراء من أدم، كما هي العادة لدى بعض القبائل العربية أيام الوثنية، وكانت الكهنوتية منظمة، ولها درجات واختصاصات منها الحجبة، كما يستنتج من النصوص.
معبد الإله بعل في تدمر
معبد الإله بعل في تدمر

الفن والعمارة في تدمر

حافظ الفن التدمري، خلال القرون الثلاثة الأولى التي تركت لنا أجمل المنجزات الفنية والعمائر التدمرية، على سماته الشرقية السورية المتأثرة بالتقاليد الهلنستية والآسيوية عموماً، وازداد التأثر بالتقاليد الإغريقية الرومانية منذ القرن الثاني الميلادي.
ظهرت في تدمر إثر ازدهارها طبقة من التجار وشيوخ القبائل والقوافل وكبار كهان المعابد وسدنتها، وكانت تلك الطبقة تدير المدينة التي استطاعت تأمين استقلالها الذاتي وإدارتها السياسية والمالية، وغدت حليفة لروما في صراعها المرير مع الفرس. وامتازت هذه الطبقة بترفها وولعها بالبذخ وتشييد المعابد والقصور وقاعات الولائم، ولاسيما المدافن الحافلة بجميل الزخرفة ولطائف النحت. وصار لتدمر فن وعمارة لا تلتبس هويتهما على الناظر.
لوحات مستخرجة من مدافن تدمر

السمات العامة للنحت التدمري

اتبع الفن التدمري تقاليد الفن السوري ـ الرافدي ـ المعروفة في أقدم عصوره، وقد تأثر تأثراً واضحاً بالفنون الهندية والفرثية (الفارسية القديمة)، إضافة إلى تأثيرات كلاسيكية إغريقية ورومانية، وكانت تدمر من الناحية العمرانية متأثرة بالتخطيط اليوناني الروماني إلى حد كبير، وكذلك في شكل الأعمدة والتيجان، لكن الآثار النحتية، كالتماثيل والصور الجدارية، بقيت خاضعة أساساً لقواعد شرقية كالتوجه للأمام والاعتماد على الخطوط الواضحة والمحددة للأشخاص والمعالم.
يمتاز النحت، أبرز آثار الفن التدمري، بقوة التعبير، وتوحي نماذجه الكثيرة برجولة الرجال وتقشفهم ونبلهم، وجمال النساء وترفهن. وللمنحوتات التدمرية طور عتيق منفذ على الحجر الكلسي الأصفر الطري الذي يسهل تطويعه، وتتسم بسمات مشتركة: ثياب بسيطة مثنّاة على الأذرع كالأساور، ومحورة على الثوب بشكل شعاعي غير خاضع لحركة الجسم. المتجه إلى الأمام وإلى الجانب، فالرأس وحده يحدد اتجاه الحركة، والوجوه حليقة، والأنف متصل بخط واحد مع الجبهة، والعينان جفناهما محددان بوضوح، والشعر مصفف بشكل متوازيات، وتجاعيد الرقبة ممثلة بقوسين متوازيين. وفي هذه المنحوتات لا يرتدي الرجال الزي الحربي، كما في بعض المنحوتات الأحدث عهداً.
لوحات جنائزية مستخرجة من مدافن تدمر

النحت الرسمي

لم تصل من آثار النحت الرسمي نماذج كثيرة، فأكثرها كان قائماً على حاملات التماثيل في الشوارع والساحات وقد تحطم بعد سقوط تدمر أو رمي في النار لاستصناع الكلس والجبس، ولكن القليل مما بقي منها يدل على أن تماثيل الأشخاص الرسميين والمكرّمين إجمالاً تتبع أسلوباً تقليدياً، فهم يمثلون بهيئة وقار، وقامة كل منهم مائلة قليلاً إلى الوراء، وثيابهم الطويلة تصل حتى القدمين، وهي كثيرة الثنيات أو تكون على النسق الفرثي (الفارسي القديم): قميص فوق سراويل مزركشة، أو بالزي المحلي، وهو ثوب طويل فوق عباءة. وتكون اليد اليمنى على الصدر ملقاة على طرف العباءة الملتف، والأخرى مسدلة تمسك بغصن من النبات أو برقّ ملفوف. وتكون رؤوس التماثيل منحوتة مع الجسم أو مركّبة تركيباً بهيئة الشخص المكرّم. وتميز هوية صاحب التمثال من لباس الرأس أو مما يحمل في اليد، ونادراً ما يحمل التمثال اسم صاحبه.
تمثال أسد اللات في تدمر

النحت الديني

يمكننا تصنيف مبدعات النحت الديني الكثيرة إلى الفئات الرئيسية التالية: مشاهد آلهة، وتقدمات دينية، وآلهة ومتعبدين بأوضاع مختلفة منقوشة على ألواح، أو مذابح نذرية تهدى للمعابد، وقد بذل الفنان التدمري جهداً في تمييز معبوداته وجعلها تسوق العربات الحربية، وتلبس الدروع، وتمتطي صهوات الجياد وظهور الإبل، وتشرع الرماح وتتمنطق بالسيوف، وتسير أحياناً في مواكب أو تقف صفاً واحداً، ولكل من الآلهة رمز، وقد يضاف أحياناً اسم واحد من الأرباب حتى تسهل معرفته على البسطاء من الناس، إذ لم يكن من السهل في أحيان كثيرة تفريق بعض الآلهة عن الناس العاديين، ذلك أن شعر الشبان التدمريين والجنود في المنحوتات المختلفة كثيف كشعر الآلهة، كما أن الألبسة التي ترتديها الآلهة يرتديها الناس العاديون، وفي ذلك صعوبة جدية للعاملين في الآثار وتاريخ الفن.
لوحات جنائزية مستخرجة من مدافن تدمر

النحت الجنائزي

إن الكثرة الساحقة من المنحوتات التدمرية تدخل في فئة المنحوتات الجنائزية، ومصدرها الوحيد المدافن، وتتوزع في ثلاث فئات: التماثيل النصفية، وهي بين التمثال النصفي والنقش البارز على لوح مثبت في واجهة القبور، وألواح مستطيلة عليها شخصان أو أكثر، وتحمل كل واحدة اسم المتوفى وسنه وعبارة «وا أسفاه»، أما الشيء الأكثر أهمية في النحت التدمري فهو السرير الجنائزي وعليه مشاهد من الوليمة الجنائزية، وكل سرير يتصدر المدفن أو جناحاً منه.

العمار التدمري

لم يكن لتدمر في القرنين الأول والثاني الميلاديين المخطط المعماري الذي نعرفه اليوم، بل كانت مجمعة بين نبع «أفقا» الكبريتي، ومعبد «بل» ونبع المياه الحلوة والطريق الموصلة إلى وادي القبور، وقد شق التدمريون، وعلى مراحل ثلاث، في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، شارعاً برواقين عن يمينه ويساره، يؤمن سير المشاة والقوافل، ويسهّل الاتصال بين أحياء تدمر ومعابدها. وهو ينطلق من معبد «بل» إلى الموضع الذي بنيت فيه البوابة المسمّاة خطأ باسم «قوس النصر»، ثم يمتد ليشكل ساحة في موضع «التترابيل» (البناء ذو القواعد الأربع)، ويصل بعدها إلى نهايته بساحة أخرى تحت الأكمة التي يقوم عليها البناء المسمى «معسكر ديوكلسيان» وبقربه معبد الربة «اللات». وقد سهل هذا الشارع الاتصال بين معالم المدينة، من معبد «بل» إلى معبد «نبو» وإلى الحمامات والمسرح والآغورا «الميدان» ومجلس الشيوخ ومعبد «بعلشمين» وهيكل حوريات الماء. وتحف بهذا الشارع معالم أخرى لم تكتشف حتى يومنا هذا. كان هذا المشروع، من الناحية العمرانية الجمالية والوظيفة، أعظم ما حققته تدمر، وكان التدمريون يبنون مبانيهم العامة بالحجر الكلسي الناصع الوافر في مقالع الجبال المحيطة بمدينتهم. إن معظم المنازل التدمرية التي اكتشفت، أو ظهرت بعض آثارها فوق الأرض تكوّنت أساساتها من مداميك من الحجر وتكمل الجدران بالآجر أو اللبن، وتسقف الحجرات على حوامل عرضانية من جذوع الشجر وتطلى من الداخل بالكلس، وتزخرف أقسام الجدران العليا وأطر الأبواب والنوافذ بأشكال مقولبة من الجبس وملصقة بالمونة، والبيوت عموماً ذات طابق واحد، أما البيوت الكبيرة المهمة، كالنموذج الفخم القائم خلف معبد بل، فإن فيها أكثر من باحة مزوّقة وقد فرشت بعض غرفها بالفسيفساء، وفي المنازل حول مسرح تدمر يكون متجر صاحب البيت جزءاً من المنزل المطل على الشارع.
معبد بعل شمين

العمارة الدينية «المعابد»

تتجلى في عمارة المعابد التدمرية التقاليد السورية القديمة، وإذا أغفلنا أنماط التيجان وبعض التقاليد الكلاسيكية السطحية، نجد أن المخطط العام للمعبد التدمري يختلف عن مخطط المعابد الإغريقية الرومانية، إذ يتوسط الهيكل المركزي باحة فسيحة معدّة للطواف، ومحوطة بأروقة لمتابعة الطقوس والمواكب الدينية ومجاورة المتعبدين بيت الآلهة، وفي الباحة حوض للتطهر ومذبح وغرفة للولائم الدينية، وفي صدر الهيكل المركزي، الذي يتوسط الباحة حجرة للمعبود، وذلك شيء غير مألوف في المعابد الإغريقية الرومانية، إضافة إلى أن للهيكل المركزي نوافذ وسقفاً مستوياً مع واجهته المثلثة.

المدافن التدمرية

تعتبر المدافن التدمرية مجالاً حلّق فيه الفن التدمري بعامة وفن العمارة خاصة. وقد اشتهرت المدافن التدمرية بحلولها المعمارية التي حققت الغاية من تشييدها. وأسبغت عليها جمالية لا تنكر، إذ صار المدفن أشبه بدارة أنيقة، سكانها من منحوتات الحجر الناصع مجتمعون ومتجاورون، وعلى الأرائك متكئون في لقاء أبدي وفوقهم الأقواس المزهرة والأفاريز الأنيقة. أما أقدم نماذج المدافن التدمرية فهو المدفن البرج، ومظهره الخارجي كالبرج المربع تماماً. وفي سورية أبراج دفنية في بعض المواقع الأثرية، ولكن الأبراج التدمرية الدفنية هي الأكثر استيعاباً وإبداعاً. والنماذج الأولى من هذه المدافن العائدة إلى ما قبل الميلاد كانت أكثر بساطة، كما كانت معازب الدفن فيها مفتوحة نحو الخارج. ثم في أواخر القرن الأول الميلادي ازدادت تلك الأبراج اتقاناً وسعة وجمالاً، وأشهرها مدفن إيلابل، وهو بطوابق أربعة وبارتفاع يصل إلى عشرين متراً ويتسع لمئات من القبور.
وهناك النموذج المسمى المدفن البيت الذي ظهر في القرن الثاني الميلادي ومنه نماذج في وادي القبور، وفي نهاية الشارع الطويل. ومن أوضح نماذجه مدفن مارونا (المعروف باسم قصر الحية) في المقبرة الشمالية. ويكون المدفن البيت عادة فوق الأرض بطابق واحد فيه باحة متوسطة وحولها معازب الدفن. والنموذج الأكثر انتشاراً في تدمر هو المدفن الأرضي ويعود إلى القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ومئات منه في المقابر حول تدمر، نقّب منها ورمّم قرابة عشرة مدافن من أشهرها مدفن الإخوان الثلاثة، ومدفن يرحاي الذي أعيد بناؤه في متحف دمشق الوطني. والمدفن الأرضي محفور في الطبقة الصخرية: جناح في الصدر وجناحان جانبيّان. وثمة مدافن مؤلفة من أربعة أو خمسة أجنحة، ومنها ما هو بجناح واحد. وتحفر في الجدران الأربعة صفوف متوازية من المعازب العميقة، وفي كل معزبة نحو ستة قبور بعضها فوق بعض، وكل قبر يسد بتمثال نصفي جنازي، وبين المعازب عضادات أو أنصاف أعمدة متوّجة بتيجان كورنثية أو أيونية. ويدور فوق المعازب عند بدء انحناء السقف طنف بارز من الجص أو الحجر مزين بالزخارف. وفي صدر الجناح الرئيس، وأحياناً في الأجنحة الفرعية تابوت أو اثنان أو ثلاثة فوقها مشاهد جنائزية منحوتة، وفي المتحف الوطني بدمشق يتأمل الزائر في مدفن يرحاي المعاد بناؤه تحت الأرض نموذجاً مثالياً للعمارة المتقنة الفاخرة التي وصل إليها المعماريون التدمريون في القرن الثالث الميلادي.لمى طباحة – تنا – مکتب سوریا

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق