بادية تدمر .. معبد حياة وحضارة | Palmyra Monitor

أكتوبر 31, 2020

بادية تدمر .. معبد حياة وحضارة

بادية تدمر .. معبد حياة وحضارة

 

في صدر محراب الحرم في معبد بعلشمين، اكتشفت عام 1955 منحوتة من أجمل روائع فن النحت التدمري. هذه المنحوتة التي تعود الى القرن الثاني الميلادي عبارة عن ساكف من الحجر الكلسي الذهبي اللون نحت عليه نسر بعلشمين، إله الخصب والمطر في تدمر، وهو يفرد جناحيه ليظلل بهما رأس يرحبول إله الشمس ورأس عجليبول إله القمر. وعلى جانبي اللوحة نسران آخران يحملان بمنقاريهما غصن زيتون رمزاً للخصب والسلام على الأرض.
لا أعرف لماذا كلما سنحت لي فرصة لزيارة متحف تدمر، الذي لا يتسع لآلاف القطع الأثرية المكتشفة في المدينة القديمة، أجد نفسي مندفعاً مباشرةً باتجاه الرواق الغربي، متجاوزاً عشرات القطع بما فيها تلك الدبابيس العظمية الصغيرةالتي دفع لقاءها أكثر من مليار دولار، لأقف متأملاً منحوتة نسر بعلشمين في صدر القاعة التي لا تليق بها. أبسبب تلك الرمزية التي تحملها… القوة والسلام؟ أم بسبب روعة النقوش وجمال التشكيل الفني؟ أم بسبب ما تعكسه هذه المنحوتة من ارتباط وثيق لأبناء تدمر بطبيعتهم التي جعلوا من شمسها وقمرها وأحيائها أرباباً لهم؟

مبارك كل من لا يسفك الدم في معبدي
قبل مغادرة #المتحف تستوقفك منحوتة ضخمة لأسد واقف على قائمتيه الأماميتين، فاغر الفم، قابضاً ببراثنه على مهاة عربية تحاول الفكاك والهرب. على رغم الكتابة التدمرية بجوار هذا التمثال الذي وجد في معبد الربة اللات، والتي تذكر بأن ”اللات تبارك كل من لا يسفك الدم في المعبد”، فإن الكثيرين الذين جاؤوا بعد مئات السنين تجاهلوا تلك البركة ونقلوا عرس الدم من المعبد إلى بادية مترامية الأطراف تزيد مساحتها على 100 مليون كيلومتر مربع وتفتقد القرابين!
لكن ”القرابين” التي أبادتها بنادق الصيادين وفؤوس المحتطبين في النصف الأول من القرن الماضي عادت للظهور من جديد. المها بعثت للحياة من تحت براثن أسد اللات، وأشجار البطم الأطلسي نفضت عنها الرماد ونهضت من تحت النيران، وعاد طائر النوق الى موطنه بعد أن ضل السبيل طويلاً.
محمية التليلة: عودة المها والغزلان
ضمن مشروع إحياء المراعي وإقامة محميات طبيعية في البادية السورية، أنشئت محمية التليلة عام 1991 بهدف حماية التنوع الحيوي. تبلغ مساحتها 220 كيلومتراً مربعاً وطول محيطها 72 كيلومتراً، وهي تقع على بعد 30 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من مدينة تدمر حيث تمثل طبيعتها بيئة السهول والخروم.
أنشئ في المحمية مسيَّجان لإطلاق الحيوانات البرية بمساحة إجمالية قدرها 14 كيلومتراً مربعاً، وجُهزا بالمظلات ومناهل المياه. وفي 29/11/1996 تم إحضار ثمانية رؤوس من المها العربي (Arabian oryx) من الأردن وأطلقت في أحد المسيجين. وقد بلغ تعداد القطيع حتى تاريخ 9/5/2005 سبعين رأساً مع ولادة تسعة عجول في الموسم الأخير، ويتوقع أن يبلغ أكثر من ثمانين رأساً في منتصف هذا الصيف.
وفي نهاية عام 1996 تم إحضار ثلاثين رأساً من الغزال الصحراوي (sand gazelle) من الأردن أيضاً. فتكاثرت ليبلغ عددها أكثر من 425 رأساً بحلول شهر نيسان (ابريل) 2005.
وتتمتع المها والغزلان برعاية خاصة تهدف إلى تأمين ظروف الحياة البرية ما أمكن. فعلى سبيل المثال، يتم تغيير مواضع مناهل الشرب، بحيث تبقى هذه الحيوانات الصحراوية في بحث دائم عن المياه، وهذا يساعد في تقليم أظلافها وإبقائها رشيقة، بالإضافة إلى الحفاظ على طبيعة الغطاء النباتي بالقرب من المناهل.
مع ذلك لا بد أن تحصل هذه الحيوانات على بعض الامتيازات، التي تتمثل بتأمين المتابعة الصحية الدائمة وخاصةً عند إصابتها بطعنات من قرون أفراد جنسها، وعزلها عن القطيع لضمان السلامة من الأمراض الجينية الناتجة عن ”زواج القربى”، وكذلك تأمين الأعلاف وخاصةً في مواسم الجفاف والقحط.
كل مهاة في محمية التليلة تحمل اسماً خاصاً بها، وتملك رقماً خاصاً وسجلاً لتتبع أحوالها. ويتم إعداد تقارير شهرية عن وضع المحمية والتغيرات الطارئة على القطعان فيها، كالولادات وأسباب الوفيات، لرفعها إلى أعلى المستويات المعنية في سورية.
وأُشرك السكان بشكل فاعل. فأعيد تأهيل المراعي، وسمح برعي الإبل ضمن أراضي المحمية خارج المسيجين. ويُرفع المستوى المعيشي للمجتمعات المحلية، وخاصةً الفقيرة، من خلال التوظيف المباشر لبعض الأفراد في أعمال المشروع، أو بالتدريب ورفع المهارات واستحداث مصادر دخل جديدة. كما أنشئ مركز للتوعية البيئية داخل المحمية وخمسة نوادٍ للأطفال أصدقاء التليلة.
تعتبر محمية التليلة أحد النجاحات المتميزة لوزارة الزراعة السورية، بتمويل من الحكومة الإيطالية وبإشراف فني من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). وقد أصبحت تدار كلياً اعتماداً على الخبرات الوطنية التي تم اكتسابها خلال المشروع، اعتباراً من منتصف 2004 وبتمويل من الحكومة السورية.
تحظى المحمية بالحراسة على مدار اليوم. وهي محاطة من الخارج بخندق عميق يمنع دخول حيوانات الرعي. أما أماكن تواجد قطعان المها والغزلان فهي مسيجة بشبك معدني مرتفع يمنع دخول الأفراد إلا من بوابات محددة يرابط عليها حرس مقيم بشكل دائم. ومع ذلك قامت إدارة المحمية بتحرير 12 مخالفة خلال العام 2004 بقيمة إجمالية تعادل 6000 دولار أميركي، لدخول أراضيها من دون ترخيص بهدف الرعي. ولم تحدث أية مخالفات داخل المسيجين حيث قطعان المها والغزلان.
من ناحية أخرى، وضمن مهام دائرة الحياة البرية، أنجزت قائمة بأنواع الحيوانات الموجودة في البادية. فتم تسجيل 22 نوعاً من الثدييات و21 نوعاً من الزواحف ونحو 270 نوعاً من الطيور المهاجرة والمقيمة، بالإضافة إلى عدد كبير من الحشرات. ومن أهم ما حققه المشروع في هذا المجال اكتشاف نوع جديد من الحشرات جرى توثيقه وتسميته بحشرة التليلة، وهي شبيهة بالدعسوقة ولكن تختلف عنها باستطالة البطن. أما الاكتشاف الأهم والذي تناقلته وسائل الإعلام العالمية فكان اكتشاف طائر أبو منجل الأصلع، المعروف محلياً بطائر النوق، بعد أن ساد الاعتقاد بانقراضه في سورية منذ فترة طويلة.
محمية الطائر المقدس
قلة من الطيور حظيت باهتمام الشعوب مثلما حظي طائر أبو منجل الأصلع (bald ibis). فقد كان مقدساً لدى المصريين القدماء، وتماثيله موجودة في القبور مع المومياوات منذ خمسة آلاف عام، وفي نقوش هيروغليفية على جدران المعابد. وفي تركيا كان يعيش مع الناس في مدينة بيرسك منذ قرون، وهو مقدس لديهم أيضاً، وظهوره دليل على انتهاء فصل الشتاء وهجرة الأرواح. وكان فوق كل ذلك دليل الحجاج إلى مكة المكرمة.
تلاشت مستعمرة طائر أبو منجل عام 1989 في مدينة بيرسك التركية نتيجة استخدام المبيد DDT لمكافحة الحشرات، وهي غذاؤه المفضل. واعتبر منقرضاً في الحياة البرية في الشرق الأوسط منذ ذاك التاريخ، علماً أنه انقرض في وسط وشرق أوروبا منذ القرن السابع عشر. ومع ذلك جرى الحفاظ على نسله في الأسر أو ضمن مجموعات مقيمة في المغرب وتركيا، بلغ عدده فيها قرابة 220 طائراً عام 2004.
بعد اكتشاف مجموعة من طائر أبو منجل الأسود (glossy ibis) من قبل فريق رصد الطيور ضمن مشروع إحياء المراعي، الذي يضم محمود عبدالله وغازي القيّم بإشراف الخبير الإيطالي جيانلوكا سيرا، تركزت الجهود على كشف احتمال تواجد أبو منجل الأصلع في البادية السورية. وبعد مقابلات مع الأهالي وجهود مضنية في استكشاف منطقة تبلغ مساحتها 2500 كيلومتر مربع، تحقق الكشف المثير في شهر نيسان (ابريل) 2004، حين تمكن فريق الرصد وبدلالة أحد المزارعين من رصد ”الطائر المقدس” في مجموعة تضم ثلاثة أزواج وطائراً مفرداً على جروف الجبل الأبيض غرب مدينة تدمر بحدود 20 كيلومتراً.
وخلال هذه السنة، وحتى تاريخ 9/5/2005، رُصدت عودة خمسة من طيور أبو منجل الأصلع إلى البادية التدمرية، من أصل ستة طيور مع أربعة فراخ هاجرت العام الماضي. وقد تم رصد عشين فقط لهذه المجموعة، ولم يكن بالإمكان تحديد عدد الفراخ الموجودة داخلهما لتعذر رؤيتها في ذاك التاريخ.
ما يميز مستعمرة أبو منجل في سورية أنها المجموعة الوحيدة في العالم التي تعرف خط الهجرة التاريخي الذي يُعتقد أنه يمتد باتجاه سواحل جنوب البحر الأحمر. ولسوء الحظ أن هذه المعرفة تنتقل فقط من خلال تعلم الصغار من الطيور المتقدمة في السن، وبالتالي فإننا نتحدث هنا عن مجموعة فريدة حقاً لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة في جميع أنحاء العالم!
ثمة مخاطر عديدة تحيق بطائر أبو منجل، وهي في معظمها تتصل بغذائه من الحشرات. إلا أن الخطر الأساسي حالياً هو بنادق الصيادين. في نهاية موسم التعشيش منتصف عام 2003 فقد مراقبا المستعمرة أثر أحد الطيور. وخلال بحثهما عنه في المنطقة الشاسعة اشتبها بأن يكون اثنان من الصيادين من إحدى المحافظات المجاورة قد اصطاداه. ولكن مع غياب الدليل رجحا احتمال هجرته باتجاه الجنوب. وقد أدرك المراقبان لاحقاً أن شكوكهما كانت في محلها، بعد أن وصف لهما أحد الأهالي من البدو قيام صيادَيْن باصطياد طائر أبو منجل.
بالرغم من تمديد قرار حظر صيد الطيور المفروض منذ أكثر من عشرة أعوام، إلا أن هذا الحظر لا يزال يُخرق باستمرار وبشكل فظ، حتى أن أحدهم وصف بعض الصيادين بأنهم ”لا يوفرون شيئاً، إنهم يطلقون النار على كل ما يتحرك، طائراً كان أم كيساً من البلاستيك!”
وتمثل سورية قبلةً لصيادي الطيور القادمين من دول الخليج العربي ولبنان والأردن، بالإضافة إلى عدد كبير من المواطنين المتنفذين. وفي ظل تسلط هؤلاء وقوة نفوذهم تغدو مهمة حراس الطيور، الذين لا حول لهم ولا قوة، محصورة في محاولة إخافة الصيادين من العقوبات وتوعيتهم عن أكثر الطيور المهددة وفي طليعتها أبو منجل.
إن حماية طائر أبو منجل تقع في طليعة مهام مسؤولي الحياة البرية في سورية، ولذلك لم يكن مستغرباً في منتصف العام الماضي صدور قرار من وزير الزراعة بإحداث محمية في البادية تحمل اسم طائر أبو منجل. وقد يكون من المدهش أن نعلم بوجود ثلاثة حراس مقيمين مكلفين بحراسة هذا الطائر والطيور الأخرى في المنطقة، بالإضافة إلى متابعته المتكررة من قبل راصدي الطيور ضمن دائرة الحماية البرية في مشروع إحياء المراعي وإقامة محميات طبيعية في البادية السورية.
البطم الأطلسي و”المخربون
ليس بعيداً عن محميةأبو منجل، على مسافة 60 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة تدمر، يمتد جبل أبو رجمين بمحميته التشاركية التي تضم بقايا غابة البطم الأطلسي. كانت خضرة الجبل مرئية لسكان تدمر حتى عشرينات القرن الماضي، كما كان الرعي فيه امتيازاً يمنحه الحاكم الروماني في تدمر لقادته. ويقال ان هارون الرشيد كان يسافر من الرصافة إلى بغداد تحت ظلال الأشجار.
تبلغ مساحة نواة محمية جبل أبو رجمين 150 كيلومتراً مربعاً، تخضع لنظام حماية صارم ويمنع الرعي فيها. أما مساحة منطقة الحماية فهي 150 كيلومتراً مربعاً أيضاً، مخصصة لإقامة المسيجات لزراعة النباتات وتربية الحيوانات البرية. ويحيط بمنطقة الحماية 1500 كيلومتر مربع هي منطقة نشاطات تشاركية، ينظم فيها النشاط السكاني وإقامة الخزانات والسدود السطحية والتحريج وأعمال الرعي المنظم.
البطم الأطلسي من الأشجار العطرية المعمرة، ويقدر عمر بعضها في محمية أبو رجمين بقرابة 1400 عام. ومن ناحية أخرى، فإن طبيعته العطرية تشجع الأهالي من البدو على استخدامه كوقود للتدفئة في أيام الشتاء الباردة، حيث تغطي الثلوج معظم المنطقة لفترات طويلة. وكانت أشجاره في جبل أبو رجمين تقدر بحدود 50 مليون شجرة، ولكن بسبب الاحتطاب والرعي الجائر هبط عددها الى ما بين 600 و800 ألف شجرة، ويقدر البعض عددها بحدود مليوني شجرة بما فيها الغراس الجديدة التي تم زرعها.
إن محاولة الحفاظ على غابة البطم الأطلسي تبدو مهمةً عسيرةً جداً، خاصةً وأن صغار مربي الأغنام في المنطقة، الذين لا يتجاوز عدد أغنامهم المئة رأس، يتخوفون من حرمانهم مناطق الرعي بسبب محاولات استزراع البطم الأطلسي. ولكي تعرف حجم قطيع الأغنام الذي يملكه أحد الأهالي في جبل أبو رجمين، يكفي أن تسأله ممازحاً: ”هل أنت من المخربين؟” فإن كان من صغار مربي الأغنام فسيكون الرد إيجاباً مع ابتسامة تخفي غصة.
يدرك جميع الأهالي في جبل أبو رجمين الجهود التي تبذلها الدولة للحفاظ على بقايا غابة البطم الأطلسي. ولكن بالنسبة الى صغار المربين تبدو مسألة توفير العلف لقطعانهم أكثر أهميةً من تلك الجهود، إذ يرون في أوراق البطم علفاً سهل المنال مقارنةً بصعوبات الانتقال إلى أماكن أخرى لرعي أغنامهم. كما أن الأغصان العارية في الشتاء تبدو كأكوام من حطب التدفئة لا حاجة للبحث عن بديل عنها.
وفوق ذلك، فإن القرار العجيب الذي اشترط، للسماح بشراء السيارات الزراعية، الانتساب إلى إحدى الجمعيات الفلاحية كمربٍ للحيوانات، كان له انعكاس في حصول الكثير من المربين ”الوهميين” على مقنّنات علفية لا يستحقونها. وهكذا تسبب هذا القرار في حرمان المربين الفعليين من الحصول على احتياجاتهم الكافية من المقنَّن العلفي. ومن أجل تغطية هذا النقص، يلجأ المربون في جبل أبو رجمين إلى شراء المقنن العلفي من السوق السوداء، أي من المربين الوهميين، وفي أسوأ الأحوال تكون أوراق شجر البطم الأطلسي هي الضحية!
من يحمي المعبد من سفك الدماء؟
على عكس ما يعتقد البعض، ورغم الطبيعة الجافة للبادية في تدمر التي يتخللها عدد من البيئات الرطبة، سواء في بحيرة وادي أبيض أو سبخة الموح أو واحة تدمر، فإن هذه البادية لا تزال تحتفظ بغناها الفطري وتنوعها الحيوي. ورغم الظروف الطبيعية التي تؤثر على هذا التنوع، فلا تزال المخاطر الناتجة عن النشاط البشري في طليعة التهديدات.
لقد حاولت الجهات الرسمية في سورية، وبتعاون الكثير من الأهالي، حماية التنوع الحيوي في البادية. وتحقق الكثير من النجاحات في هذا المجال، خصوصاً عندما توفر الدعم من أعلى المستويات كما هي الحال في محمية التليلة. ولكن لا بد أيضاً من الاعتراف بحصول بعض الإخفاقات، سواء بسبب استمرار خرق قانون الصيد أو نتيجةً للاحتطاب والرعي الجائر.
إنهشاشة النظم البيئية في البادية، التي تزيد مساحتها على 55 في المئة من مساحة سورية، تستلزم بالضرورة دعماً وحمايةً متواصلين، لتبقى البادية كما كانت معبداً للحياة والحضارة.
 النص والصور: عبدالهادي النجار
الرابط المختصر: http://wp.me/p73rpU-1Eg

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

اترك رد