النظام السوري يبتز نازحي مخيم الركبان: المساعدات مقابل الخضوع

يتعرض أكثر من عشرة آلاف مدني نازح في مخيم الركبان الواقع في عمق البادية السورية على مقربة من الحدود السورية ـ الأردنية للابتزاز. ويشترط النظام رضوخ النازحين وعودتهم إلى مناطق سيطرة النظام في مقابل حصولهم على مساعدات غذائية، على الرغم من غياب أي ضمانات أمنية. 

وتقول مصادر أهليّة مطلعة مقيمة في مخيم الركبان، طلبت عدم الكشف عن هويتها، لـ”العربي الجديد”، إن “جميع الأطراف من النظام والروس والأمم المتحدة وحتى الأميركيين متفقون على إرضاخ أهالي مخيم الركبان وإعادتهم إلى العيش تحت سطوة النظام”.

وتضيف المصادر أن “النظام والروس يفرضون حصاراً خانقاً على النازحين في المخيم منذ سنوات، وهذا أمر ليس بالغريب عنهم بعد كل ما ارتكبوه بحق السوريين. لكنّ أن يصل الأمر بالأمم المتحدة إلى تخصيص المساعدات الإنسانية فقط للأشخاص الذين قبلوا بالعودة إلى مناطق النظام، فهذه جريمة بحق الإنسانية”. 
وتضيف: “الشهر الماضي، دخلت سيارات عدة تابعة للأمم المتحدة، وتحمل مساعدات إنسانية مخصصة فقط لمن تقدم بطلب عودة إلى مناطق النظام، وكأن الآخرين الذين ما زالوا قادرين على تحمل الأوضاع المعيشية السيئة من نقص المواد الغذائية وغياب الخدمات والرعاية الصحية يجب أن يعاقبوا ويحرموا من تلك المواد الغذائية التي تعتبر على بساطتها وكميتها القليلة المصدر الوحيد للمساعدة. وتبقى غالبية المواد الغذائية التي تصل إلى المخيم عبر شبكات التهريب، بعيدة عن متناول أيدي الأهالي بسبب ارتفاع أسعارها”. 

نازحون في مخيم الركبان: قد نموت من الجوع أو المرض

ويقول الناشط أبو محمد الحمصي، لـ”العربي الجديد”: “بدأ دور الأمم المتحدة المريب ممثلة بمكتبها في دمشق عام 2019، عندما نفذت عبر منظمة الهلال الأحمر العربي السوري المسيطر عليها من قبل النظام استطلاعاً للرأي يسأل عن معاناة النازحين ورغبتهم في العودة إلى منازلهم، بعدما كان المكتب قد نشر إشاعات بأن من سيرفض العودة سيحرم من المساعدات حينها في وقت كان فيه الأهالي يعانون من العوز الشديد. وعلى الرغم من أن العديد من العرائض والحملات وقعت لتبيان الخديعة التي تعرض لها الأهالي، إلا أن الأمم المتحدة بقيت مصرة على موقفها الداعم لرغبة النظام، وقد تم ترحيل مئات الأشخاص إلى مناطق النظام مستغلين حاجتهم للعلاج أو عدم قدرتهم على تأمين قوت يومهم. ويوماً بعد آخر، بدأ الحصار يشتد والمساعدات توزع فقط للخارجين من المخيم”. 
ويضيف الحمصي: “في الوقت نفسه، أغلق الأردن حدوده بوجه دخول المساعدات عبرها، وربط وصول المساعدات بموافقة النظام وعبر أراضيه، كما أغلق النقطة الطبية الوحيدة التي كان أكثر من 40 ألف مدني يتلقون العلاج عبرها، وهي مدعومة من الأمم المتحدة بذريعة المخاوف من نقل عدوى فيروس كورونا الجديد، وبقي الأهالي من دون أي طبيب معتمدين على بعض الناشطين ممن اكتسبوا بعض الخبرة عبر الممارسة والاستعانة بأطباء متطوعين من خلال الاتصال.

وتبقى الفرصة الوحيدة لإنقاذ حياة امرأة حامل تحتاج لعملية ولادة قيصرية هي التوجه إلى مناطق النظام. وينسحب الأمر على أي حالة حرجة أخرى. وأبقى الأردنيون فقط على خرطوم مياه يضخ المياه إلى خزانات داخل المخيم. أما الأميركيون المسيطرون على المنطقة ضمن ما يعرف بقوات التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، فلا يقدمون أي نوع من المساعدات الإنسانية للأهالي”.

وكان عشرات آلاف المدنيين قد غادروا المخيم خلال السنوات الأخيرة، منهم الآلاف من الذين توجهوا إلى شمال سورية وبطرق غير شرعية، بحسب الناشط أبو عمر الشامي، الذي يقول لـ”العربي الجديد”: “غادر الكثير من الأهالي المنطقة عبر شبكات التهريب إلى شمال شرق سورية أو شمال غربها، ومنهم من وصل إلى أوروبا، وقد فتح النظام في فبراير/ شباط 2019 باب العودة أمام الراغبين، ونظّم عمليات نقلهم إلى مراكز إيواء، وأحصت الأمم المتحدة منذ مارس/آذار 2019 مغادرة 20106 أشخاص طوعاً إلى مراكز إيواء في حمص (وسط)، ووفّرت مع الهلال الأحمر السوري الدعم لنقل 329 شخصاً منهم، فيما غادر الباقون بوسائل نقل خاصة أو مستأجرة، وكانوا يدفعون مبالغ كبيرة مقابل ذلك”. 

مخيم “الركبان” معاناة ومأساة وسط الرمال والصحراء

يشار إلى أن الأمم المتحدة أدخلت في 11 سبتمبر/أيلول قافلة مؤلفة من خمس شاحنات “لدعم العائلات التي تسجلت طوعاً لمغادرة الركبان“. لكن بضعة أشخاص تصدوا للقافلة ومنعوها من إتمام مهمتها. وتوضح المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة الخاص بسورية دانييل مويلان، لوكالة “فرانس برس”، بحسب ما نشرت على موقعها، أن “الأمم المتحدة تركز على إيجاد حلول مستدامة وآمنة وكريمة لسكان الركبان”. وتبين أن الهدف من دعم القافلة كان “مساعدة من تسجلوا طوعاً لطلب المساعدة من أجل مغادرة الركبان”. 
ومن المفترض أن تدعم الأمم المتحدة على مدى ثلاثة أشهر عمليات نقل الراغبين من الركبان إلى مراكز إيواء في حمص، حيث يمضون 14 يوماً كفترة حجر صحي، ثم يغادرون “بعد الحصول على الموافقة من السلطات”. 

وحول مخاوف الأهالي والناشطين من تعرض من يغادر المخيم إلى انتهاكات أمنية أو اعتقال أو اختفاء قصري، تقول الأمم المتحدة إن المسؤولية، وفق نص الخطة، تقع على عاتق الحكومة السورية.         
من جهتها، دعت منظمة العفو الدولية إلى وقف خطط نقل النازحين من الركبان، كونها “تعرّض العائدين لخطر الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وغيرها من ضروب المعاملة السيئة، بما في ذلك العنف الجنسي”. وكانت قد وثقت في تقرير صدر خلال الشهر الحالي “انتهاكات مروّعة” ارتكبتها قوات الأمن بحق 66 لاجئاً، بينهم 13 طفلاً، عادوا إلى سورية منذ عام 2017 من دول عدة كما من مخيم الركبان. 

إلى ذلك، تقول الباحثة حول حقوق اللاجئين والمهاجرين في المنظمة ماري فوريستيه، لوكالة “فرانس برس”، إن تحقيقات المنظمة “أظهرت أن الحكومة السورية تعتبر سكان الركبان إرهابيين، كما أنها تستهدفهم بعد عودتهم من خلال الاعتقال التعسفي والتعذيب، وفي بعض الحالات الاختفاء القسري”. 
تضيف: “نظراً للوضع السيئ جداً من ناحية عدم توفر الرعاية الصحية أو التعليم والشح في الغذاء والمياه النظيفة، تعتبر منظمة العفو الدولية أن سكان مخيم الركبان لا يستطيعون اتخاذ خيار حر بالعودة إلى سورية. وهذا القرار لا يمكن أن يُعتبر طوعياً”.   

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق