الإعلانات
تمر هذه الأيام الذكرى العاشرة للثورة السورية التي انتظم أمرها في مارس/آذار 2011. وقد شكلت الثورة علامة فارقة في التاريخ المعاصر؛ نظرًا لعوامل عدة، حيث يصدق عليها أنها الثورة ذات الأوجه المتعددة. فمن جهة، تعكس الثورة تعقيدات السياسي والديني والأخلاقي والطائفي والقومي والجيوستراتيجي والإقليمي والدولي. ومن جهة أخرى، فإن كلفتها الإنسانية والمادية غير مسبوقة في التاريخ الحديث على الأقل.
ويتمثل الحدث المركزي في هذه الثورة في خروج المظاهرات من المساجد يوم الجمعة بعد الخطبة، الذي كان فعلًا منتظمًا ومتكررًا، كما كان يحمل اسمًا خاصًّا لكل جمعة يعبّر عن موقف أو قيمة أو فكرة محددة تعكس ما يشبه لغة أو عناوين الثورة بشكل جامع وموحِّد، حيث تُرفع لافتات بهذا الاسم أثناء المظاهرات في المدن والأرياف المختلفة. وقد شكل هذا الحدث علامة فارقة ومميِّزة للثورة السورية.

لا يمكن الحديث عن مظاهرات تخرج من المساجد أو بعيد صلاة الجمعة من دون الحديث عن المشايخ الذين كانوا فاعلين رئيسيين في هذه المساجد من خلال خطب الجمعة التي كانت تسبق المظاهرات، فقد شكلت الخطبة معضلة تشبه حساسية الخطابات الدبلوماسية للدول

وبقدر ما شكل هذا الحدث سمة مميزة، شكل في الوقت نفسه معضلة لأطراف مختلفة؛ فبعض المثقفين السوريين كالشاعر أدونيس مثلًا كان يكرر إدانته للثورة في كل مناسبة، فهو لم ير في هذا الحدث سوى رجعية لا تلبي -في تصوره- المواصفات الليبرالية الحديثة للثورات، ومن هنا فإن صاحب “الثابت والمتحول” انحاز إلى الثابت والمستقر من حكم آل الأسد عبر عقود؛ وقد فُهم موقفه على أنه نكوص إلى البعد الطائفي الذي يجمعه بنظام الأسد على حساب القيم الليبرالية الحديثة في التحرر من الطغيان والاستبداد بحجة الخوف من “الاستبداد الديني الرجعي”. أما النظام السوري فلم يفتأ يتحدث عن جماعات تكفيرية وتخريبية، وكان بعض ممثليه الرسميين يتحدثون عن وجه طائفي لهذه الاحتجاجات، في إشارة إلى كونها مظاهرات سنية تخرج من المساجد، في حين أن النظام الحاكم هو نظام موصوف بأنه علوي، كما أن المتحدثة باسمه بثينة شعبان التي كانت أول من تحدث عن الوجه الطائفي للثورة تنتمي إلى طائفة النظام بالمعنيين: السياسيّ والطائفي.
إن الموقفين السابقين وإن استخدما لغة مختلفة وتستّرا وراء مفاهيم مختلفة دينية وطائفية وسلطوية وثقافية (التكفير، والإرهاب، والتخريب، والرجعية، ومعايير الثورة الحقة، …)؛ فإن هدفهما واحد، وهو إدانة الثورة أو فعل الاحتجاج بأي صورة كان؛ وقد وجدا في الصيغة الدينية الظاهرة والمتمثلة في خروج المظاهرات يوم الجمعة من المساجد، مناسبة لإدانة الفعل الاحتجاجي نفسه، وتأويله تأويلًا يناسب تحيّزاتهم السلطوية والسياسية والطائفية.
ولا يمكن الحديث عن مظاهرات تخرج من المساجد أو بعيد صلاة الجمعة من دون الحديث عن المشايخ الذين كانوا فاعلين رئيسيين في هذه المساجد من خلال خطب الجمعة التي كانت تسبق المظاهرات، فقد شكلت الخطبة معضلة تشبه حساسية الخطابات الدبلوماسية للدول، التي عليها أن تراعي الكثير من الأمور، وإذا ما استبعدنا حلفاء النظام من المشايخ الذين شكلوا إحدى أدواته للتهدئة وضبط الشارع، فإن غير الحلفاء من المشايخ قد مرّ موقفهم بمرحلتين: مرحلة الداخل ومرحلة ما بعد خروجهم من سوريا.
ففي مرحلة الداخل وجدت هذه الشريحة من المشايخ نفسها في ورطة؛ لأن هذا الحدث المفتاحي وضعها في مأزق مع نظام الأسد، وجعلها هدفًا لضغوطه المتكررة من أجل الاصطفاف إلى جانبه لوأد الاحتجاج، كما جعلها هدفًا لضغوط أتباعها من جهة، والشارع السوري الثائر من جهة أخرى، والأمر الأهم أو الأخطر أن هذا الحدث المفتاحي قد جعلها أيضًا هدفًا لأجهزة الأمن ووحشيتها التي مسّت بعض المشايخ بشكل مباشر كما حدث مع الشيخ أسامة الرفاعي مثلًا، وقد وقعت تهديدات مبطنة لحياة آخرين كما حدث مع الشيخ سارية الرفاعي مثلًا.

لا يمكن فهم فعل الاحتجاج الثوري الذي استثمر صلاة الجمعة بوصفها مناسبة جمهورية متكررة بمعزل عن فهم المجال السوري وسياسات نظام الأسد عبر عقود، إذ ينعدم في “سوريا الأسد” المجال العام بالمفهوم الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني يوغان هابرماس

أما مرحلة ما بعد الخروج من سوريا، فالسمة الأبرز فيها أن الفعل الثوري في الداخل شكّل رصيدًا أو مكسبًا سياسيًّا وإن اتخذ صيغة الواجب الدينيّ؛ الأمر الذي مكّن من ممارسة بعض هؤلاء المشايخ لدور سياسي في الثورة، وإن اتخذ صيغة دينية أو دعوية أو ما شابه ذلك، وهنا جرى تأكيد “إسلامية” الثورة؛ لأنها السمة الأبرز التي يتأسس عليها الرصيد الثوري والسياسي، ولأن المساجد كانت هي مركز الحدث المفتاحي، وقد أدخلَنا هذا في جدالات الإسلامي والعلماني والصراعات المتولدة عنهما، بعد أن كانت “الإسلامية” في المرحلة الأولى من الثورة محلّ جدل ونقاش؛ لأنه أريد بها وأد الثورة والتخويف بها ومنها، داخليًّا وخارجيًّا، لكنها تحولت في ما بعد إلى إحدى أدوات الصراع داخل معسكر الثائرين أنفسهم وهم ينتمون إلى توجهات مختلفة، وفي رأيي أن هذا أحد أهم المآزق التي مرّت بها الثورة السورية، خصوصًا أن مفهوم “الإسلامية” هنا مفهوم غامض ومتعدد التصورات، ولعلي أخصص له مقالًا في ما بعد؛ لأنه بات مفهومًا إشكاليًّا ليس في سوريا وحدها بل بوجه عام.
أدّى هذا الحدث المركزي في الواقع إلى أمرين: الأول: إعادة المشايخ إلى مركز الحدث بعد أن كان نظام بشار الأسد قد قام بإجراءات عقابية تحجّم من دورهم وتستهدف تقويض مؤسساتهم وضبطها، كما قام بتهميش الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي -رحمه الله- في بدايات حكمه؛ فقد انقطعت صلته بالرئيس ولم يكن يقابله قبل الثورة. والثاني: إرباك مشهد الثورة محليًّا ودوليًّا، فقد شكل هذا الحدث رسالة مخيفة عن إسلامية الثورة لمختلف الأطراف؛ المثقفين العلمانيين والأقليات والدول الكبرى كذلك، وتأكيد الإسلامية هنا كان هدفه عزل الثورة ونفي الصيغة الوطنية الجامعة عنها؛ كما أنه استهدف الربط بين احتجاجات 2011 وصيغة الاحتجاج التي عرفها السوريون في الثمانينيات والتي لم تكتسب صفة الفعل الثوري أو الاحتجاج العام والشعبي المتنوع.
 
لا يمكن فهم فعل الاحتجاج الثوري الذي استثمر صلاة الجمعة بوصفها مناسبة جمهورية متكررة بمعزل عن فهم المجال السوري وسياسات نظام الأسد عبر عقود، إذ ينعدم في “سوريا الأسد” المجال العام بالمفهوم الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني يوغان هابرماس، وهذا الغياب الذي يسم الأنظمة الشمولية عامة ينطوي على بعدين: غياب مفهوم الإنسان الفرد صاحب الرأي والإرادة الحرة (agent)، والقدرة على النشاط والحركة بحرية للتعبير عن نفسه بحيث يتشكل مجال عام ورأي عام من خلال هذا العمل العام ومن ثم ينشأ الفعل والنشاط السياسي، لكن العمل العام مفهوم غائب تمامًا في ظل حكم آل الأسد حيث لا فضاء عام ولا أحزاب ولا نشاط عام قادر على التعبير عن إرادة المجموع؛ لأنه في جمهورية الصمت لا يمكن تشكيل رأي فردي فضلًا عن رأي عام.
والحديث عن السيطرة على المجال العام في ظل الأنظمة الشمولية يعيدنا إلى عمليات الضبط والتحكم التي مارستها من خلال أجهزة الدولة، وخاصة من خلال الاستيلاء على الوقف والشأن الديني عامة، وهو ما تم السيطرة عليه عن طريق وزارة الأوقاف، مما أدى إلى انحصار فكرة العمل العام في سوريا وفق قانون الدولة وتنظيماتها، المتمثل فقط في “العمل الخيري”، وهو ما شكل الإطار التنظيمي البديل للمشايخ. ومن ثم نشطت في الخمسينيات الجمعيات الخيرية التي مارست نشاطًا متنوعًا دعويًّا واجتماعيًّا وتعليميًّا ودينيًّا، وخضعت لإدارة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، لكنه بعد أحداث الثمانينيات التي اصطدم فيها نظام الأسد مع الإخوان المسلمين صدامًا مسلحًا تم ترتيب المشهد الديني في سوريا ليستقرّ على فاعلين رئيسين، الركنان الأبرز فيهم هما جماعة المفتي العام الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله تعالى والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى.
أما في نهاية التسعينيات فقد واجهت عمليات الضبط والامتثال الديني والسياسي تحديات جديدة من خلال ولادة الفضائيات والإنترنت إذ أسهمت في تشكيل الرأي والخطاب الديني جماعات من خارج الرقابة أو لم تحظ باعتماد رسمي من قبل النظام، وهنا تبدو أهمية ذلك السجال الذي وقع في بداية الثورة السورية بين الشيخين يوسف القرضاوي والبوطي حول الموقف من الثورة السورية، فقد كانت الحجة المركزية في الرد على القرضاوي أنه تدخل في “الشأن السوري”، أي جاء من خارج دائرة النظام ومعتَمديه الرسميين.
 

ولكن مع بروز المظاهرات عام 2011 نشأ فاعلون جدد في المجال العام من خارج المعادلة التقليدية (النظام والمشايخ)، فالمتظاهرون كانوا ينتمون إلى طيف واسع ومتنوع. وبهذا فإن الرهان الذي عقده حافظ الأسد في نهاية حكمه في أواخر التسعينيات لم ينجح، فقد أراد أن يرتب المشهد الديني لابنه قبل رحيله، وفي هذا السياق سمح بعودة جماعة زيد الدينية الدمشقية كما عفا عن الشيخ عبد الفتاح أبو غدة أحد أبرز قيادات الإخوان المسلمين، الذي عاد إلى سوريا عام 1997.
وفي ضوء هذه الخلفية التاريخية والسياسية يغدو مفهومًا الدور الوظيفي لصلاة الجمعة في الثورة السورية، إذ إنها تشكل نقطة الاختراق الأسهل بأقل تكلفة لتوفر التحشيد والانتظام؛ ولتعوّض غياب فكرة المجال العام والعمل العام، فالمظاهرات يوم الجمعة لم تكن تشمل المتدينين فقط، بل كانت مكانًا للتجمع أو للخروج في جمهور للتعبير عن فعل الاحتجاج بشكل أربك أجهزة النظام وعقّد المشهدين السياسي والديني، وقد بلغ الأمر بالنظام لاحقًا أن منع صلاة الجمعة في بعض المساجد!
لم يكن تحويل المساجد إلى نقطة تجمع ثوري مقلقًا للنظام ومثقفيه ومؤيديه وحواشيه فقط، بل عنى أيضًا أن “الامتثال” بوصفه مفهومًا أساسيًّا وسم سياسة نظام الأسد عبر عقود قد تحطّم بفعل الاحتجاج الجمهوري الذي كسر طوق الطاعة ووضع أطرافًا عدة في مأزق. فالامتثال مفهوم يقوم على بعدين: ديني يتمثل في تطويع الناس عبر السلطة الدينية لضمان صياغة مواطنين طائعين وخاضعين (ممتثلين)، وسياسي سلطوي عبر الترهيب وإيقاظ آليات المراقبة الذاتية لدى المواطنين أنفسهم، وعبر المراقبة المتبادلة بين الأفراد حيث الكل يتجسس على الكل في نظام الأسد، وعبر تجنيد المراقبين والاستخبارات لفرض الامتثال ومراقبة تحققه في الواقع في ما غاب عن عين النظام.
فصناعة الامتثال كان الهدف منها صياغة الطاعة الظاهرة والباطنة لدى المواطنين عبر شكليها: الديني والسياسي، وبشكل يتوافق مع إرادة النظام الذي هو -وحده- صاحب الإرادة والقرار في المجال العام، وفي ما يخص شؤون الأفراد في الدولة. يعكس هذا أحد أوجه التشابه بين عقلية النظام وعقلية الجماعات الدينية في سوريا وإستراتيجيات كلّ منهما، فكل نظام سياسي شمولي ينتج خطابًا دينيًا على شاكلته وفق منطق مصالح متبادلة ظاهرة أو مستترة، نتيجة عمليات الضبط والتقنين والرقابة والتحكم التي يمارسها.
ويمكن رصد أوجه التشابه بين النظام والجماعات الدينية من خلال مستويين:
الأول: العلاقة بالأتباع أو التابعين، حيث إن علاقة الدولة بالمواطنين شبيهة بعلاقة الشيخ بالمريد في الجماعات الدينية، وكلاهما: النظام والجماعة الدينية يقوم على صناعة الامتثال، وهذا ما يفسر تفضيل النظام للجماعات الصوفية الطرقية خاصة، فهي الحليف المفضل للأنظمة الشمولية خاصة، ولأنظمة الهيمنة عامة.
والثاني: التصورات والرؤى تجاه عملية التغيير، فكل من النظام والجماعات الدينية ينشد الاستقرار ويحرسه، والاستقرار هنا بصيغتيه: السياسية والدينية، ولذلك فكلا الطرفين معادٍ للفعل الثوري من حيث المبدأ؛ لأن الفعل الثوري لا ينسجم مع طريقة تفكير كل منهما ولا مع إستراتيجياته ومقاصده، وهذا ما يفسر احتفاء بعض مشايخ جماعة زيد التي تحولت إلى المعارضة في ما بعد، بقرارات الإصلاح التي أعلنها النظام في بداية الثورة وبقيت حبرًا على ورق.
قامت مقالات ودراسات عدة في أثناء حكم بشار الأسد بتحليل التوجهات الاقتصادية لنظامه وتقويم حكمه، لكنّ ثمة جانبًا لم يتم الاهتمام به -في ما يبدو- خاصة في سياق تأمل الثورة السورية وتحديد أسبابها وتطوراتها، وهو يتصل بالحدث المركزي الذي بدأنا به، وكيفية قراءته قراءة متجاوزة للمظهر السطحي والخارجي ومتجاوزة للأيديولوجيا والموقف من الدين والمتدينين. فقد أخلّ نظام بشار الأسد بالتوازن الذي وسم العلاقة التاريخية بين نظام أبيه وجماعات المشايخ في سوريا، وقد وقع هذا الاختلال خاصة بعد أحداث الــ11 من سبتمبر/أيلول 2001، نتيجة عوامل عدة، من بينها سياسات النظام الاقتصادية الانفتاحية التي تبنّى فيها إصلاحًا اقتصاديًّا من دون إصلاح سياسي، وتحولات المشهد السياسي الإقليمي والدولي بعد أحداث سبتمبر/أيلول، ويمكن أن نلحظ وقائع وقرارات داخلية محددة تحيل إلى هذا الاختلال، وهي وقائع قام بها نظام بشار في سنوات 2002، و2006، و2008، وبلغت ذروتها في أغسطس/آب 2011 حين تصدى هو شخصيًّا وبشكل مباشر لتحديد “صحيح الدين”.

وقد ترك اختلال العلاقة بين النظام والمشايخ أثره لـ3 جهات:

الأولى: إعادة تعريف صحيح الدين ودور المشايخ في المجال العام؛ فقد كانت جماعات المشايخ تتوسط تاريخيًّا بين النظام والمجتمع، فحتى كفتارو الذي كان محلّ نقد؛ نظرًا لعلاقته بنظام الأسد الأب، حافظَ على نمط علاقة مختلف مع النظام، فهو وإن وقف إلى جانبه في مواقف تاريخية حاسمة ضد الإخوان المسلمين، فإن علاقته به لم تكن علاقة تبعية، وكان كفتارو ينهى أتباعه عن الاشتغال بالسياسة؛ في حين أنه كان يستثمر مهادنته للسلطة لمصلحة نشر دعوته، وهي دعوة تتقاطع فيها خصومته للإخوان مع خصومة النظام نفسه للإخوان، لكن أغلب الجماعات الدينية داخل سوريا تحولت في عهد بشار إلى جماعات وظيفية خادمة للنظام، وتأتمر بأمره أو بأمر ممثليه، وعلى رأسهم وزير الأوقاف.
الجهة الثانية: أن اختلال العلاقة بين النظام والمشايخ انعكس على حجم تأثير كل من الطرفين في المجتمع؛ فقد أدى اختلالها إلى انفلات الضبط وعدم الامتثال بصورتيه: الديني والسياسي، وهو ما عبّرت عنه المظاهرات التي كانت تخرج من المساجد على خلاف إرادة المشايخ أنفسهم، حيث إن بعض أعضاء الجماعات اشتركوا في الاحتجاجات على خلاف موقف الجماعة التي كانوا ينتمون إليها، وهنا ينبغي أن نميز بين التنظيمي والفردي داخل المجتمع الديني المشيخي، الذي هو مجتمع متنوع يشتمل على جماعات دينية منظمة كالكفتارية مثلًا، وأفراد مؤثرين بلا جماعة تنظيمية كالبوطي مثلًا. وداخل الجماعات يمكن أن نميز بين ما يعبّر عن الجماعة نفسها (التنظيمي) وما يعبّر عن خيارات الأفراد داخل الجماعة (الفردي)، كما أنه ليس كل المحسوبين على جماعة ما هم أعضاء فيها، فثمة المؤيد أو القريب من الجماعة دون أن ينضوي تحتها تنظيميًّا، وهذه التمييزات لن يكون لها تأثير فقط في تحديد شكل تفاعل كل طرف مع الثورة، وفي شكل علاقته بالسلطة، وفي المساحة التي يتحرك فيها، بل سيساعدنا أيضًا على فهم اشتراك أفراد من الصف الثاني والثالث في جماعات دينية معينة في الثورة على خلاف إرادة أو قرار الجماعة التنظيمية نفسها، وعلاقة الشد والجذب التي حدثت داخل كل جماعة بعد ذلك على وقع تطورات الثورة السورية (يمكن المقارنة بين هذا وما حدث في صفوف الإخوان المسلمين في مصر مثلًا).
الجهة الثالثة: أن اختلال العلاقة أدى إلى ارتباك النظام والمشايخ في مواجهة الأحداث، وهنا يمكن أن نرصد مواقف متنوعة بين الطرفين تتفاوت حدّة، ويجب أن نلحظ فيها التطور الذي خضعت له على وقع الأحداث نفسها من جهة، وعلى وقع تصرفات النظام مع الثورة من جهة أخرى؛ لأن المشايخ كانوا بين مطرقة النظام وسندان الثائرين -وبعضهم من أتباعهم- والشارع الذي كان يغلي. وقد سبق لي أن رصدت تطورات خطاب جماعة زيد مثلًا من خلال رموزها الثلاثة في دمشق، ومن خلال عناوين خطب الجمعة. كما سبق لي أن حلّلت مواقف البوطي من الثورة في أكثر من مناسبة، إلى جانب دور وزارة الأوقاف في أثناء الثورة والدور الذي اضطلعت به للسيطرة على الخطاب الديني وكبح جماح الثورة وضبط المشايخ ومنبر الجمعة وتحديد المسموح به وغير المسموح به على المنبر، فضلًا عن إصدار بيانات عدة للرد على القرضاوي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؛ بحجة أنهم تدخلوا في “الشأن السوري” الذي يختص به النظام السوري وأجهزته فقط، أي إن النظام كان يتصور أنه يتعامل مع مسألة داخلية خاصة به وحده ويسعى إلى السيطرة عليها عبر الآليات التقليدية للضبط والامتثال: أجهزة الأمن، وجماعة المشايخ التي تتحكم بالمساجد، والتي تتحكم بها وزارة الأوقاف. بل إن بشار الأسد قد تصدّى بنفسه في أغسطس/آب 2011 في اجتماع مع عامة المشايخ لتحريم التظاهر، واعتبار أن الشيخ على المنبر حين يحرّض الناس على التظاهر هو شريك في الدماء، وهو موقف كان يتطابق مع فتوى للبوطي في ذلك الوقت!

وفي الجملة، أسفرت الثورة السورية عن 3 مواقف مركزية:

الأول: تمثل في تحول جماعة زيد إلى المعارضة في المنفى بعد أن عوّل عليها حافظ الأسد لتكون حليفًا لوريثه، وقد أفسح لها بشار الأسد المجال للعمل الخيري في بداية حكمه، فقد زار مسجدها الرئيس عام 2002 في ظل سياسته الاقتصادية الانفتاحية التي أفقرت الناس، ومن ثم كان -في ما يبدو- بحاجة إلى العمل الخيري الذي تقوم به الجماعة لتحمل عن الدولة عبء الفقراء والمفتقرين، كما أنه دفع بها إلى التوسط بين النظام وأهالي درعا في بداية الثورة، وقد حثّ بعضُ شيوخها على عدم التظاهر في بداية الثورة حين بات التظاهر مكلفًا من ناحية الأرواح، ثم أيّدت الجماعة الإصلاحات التي أعلنها النظام في البدء، رغم أنها وجّهت انتقادات حادّة لأجهزة الأمن على المنبر، وطالبت بالإفراج عن المعتقلين، قبل أن تصل العلاقة بين الطرفين إلى طريق مسدود وتتحول الجماعة إلى الخروج والمعارضة الاضطرارية بفعل سياسة النظام نفسه وتعنّته.
الثاني: جماعة معهد الفتح الإسلامي وجماعة كفتارو، والقبيسيات، وهي جماعات تأرجحت بين الصمت والانكفاء وبين التأييد للنظام أو الممالأة له، حيث تسود فكرة أولوية الجماعة والتنظيم على المبادئ الأخلاقية الكبرى، بحيث يكون سقف الحسابات والموازنات هو الجماعة نفسها ومكاسبها التي تريد الحفاظ عليها، كما أن بعضها له خصومة تاريخية مع الإخوان المسلمين، ومن ثمّ فهم لا يشكلون تهديدًا للنظام وحده بل للجماعات الدينية الداخلية ومكاسبها التي تحصلت عليها عبر عقود تم فيها تغييب الإخوان عن المشهد.
الثالث: موقف الحلفاء والموظفين لدى جهاز الدولة، الذي مثّله الأفراد بشكل رئيس كالشيخ البوطي الذي عمل خادمًا للسلطة بلا وظيفة رسمية، والمفتي الحالي الشيخ أحمد حسون وآخرين، ومؤسسات رسمية كوزارة الأوقاف ومن يلوذ بها قناعة أو انتفاعًا.
وكما سبق أن أوضحت عام 2018، فإن النظام السوري أعاد ترتيب المشهد الديني في سوريا بعد الثورة، الأمر الذي أدى إلى صعود فاعلين دينيين جدد كجماعة الفرافرة، واستطالة نفوذ وزارة الأوقاف ممثلة بوزيرها الحالي، وتراجع وانحسار نفوذ جماعات أخرى كان لها سطوة ونفوذ في عهد الأسد الأب كما حدث مع جماعة كفتارو. وكل هذا يعكس تعقيدات الدين والسياسة وحدود وعي المشايخ بأنفسهم وأدوارهم وبشكل إدارة العلاقة بين الإيمان بالمبادئ وحسابات مصالح الأفراد والجماعات، وهذه النقطة الأخيرة تستحق أن تفرد بمقال خاص، والله الموفق.

 

معتز الخطيب – الجزيرة

الإعلانات

تعليق

تعليق

Powered by Facebook Comments

 

 

تعليق