السوريون في تركيا.. بازار الشقاء

0
7 / 100

ثمة موجة عنصرية ضد السوريين في بعض المدن التركية، ومنها إسطنبول التي تستقبل قرابة نصف مليون سوري، الأمر الذي استدعى من نائب مدير دائرة الهجرة في تركيا، جوكشه أوكّ، توجيه رسالة إلى اللاجئين السوريين في إسطنبول وعموم تركيا، بخصوص المنشورات التحريضية التي تستهدفهم، من قبل أتراك، بعضهم من أحزاب معارضة قائلاً: “نلاحظ بدقة الأخبار الاستفزازية المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي خاصة، ومن الضروري بمكان ألا يكون إخوتنا السوريون كأداة لأي عمل تحريضي”. وطلب المسؤول التركي من السوريين أن “يلتزموا بقوانين الدولة التركية، وألا يمنحوا فرصاً لأصحاب النيات السيئة”، وفق وصفه.

عزت أوساط إعلامية خسارة مرشح حزب العدالة والتنمية الانتخابات البلدية في اسطنبول وفوز مرشح الحزب الجمهوري إلى اللاجئين السوريين

ظاهرة العنصرية أخذت بالتشكل مع الهجرة السورية إلى الدولة الجارة، والتي تسبب بها عنف النظام السوري وحلفائه، إلا أنها تتراجع وتتقدم تبعا للوضع التركي الداخلي والتطورات الإقليمية والدولية، لأن الحضور السوري دخل في البازار التركي المفتوح، ومثل كل سوق يمكن أن يستثمر فيه القريب والبعيد، بعد أن تبين على نحو صريح، أن لعب ورقة الشقاء السوري مربح خلال مسار المسألة السورية. روسيا تعلبها كورقة ضغط ضد تركيا. وتركيا تساوم بها في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والمعارضة التركية توظفها في المناسبات من أجل تحسين رصيدها، وابتزاز حزب العدالة والتنمية الحاكم، والحزب نفسه قد يلعبها كسلاح مضاد. وشكلت الانتخابات البلدية في صيف عام 2019 مناسبة لتجريب هذه الورقة على نحو صريح، من طرف المعارضة المتمثلة في حزب “الشعب الجمهوري”، الذي لا يخفي مطالبه بإعادة السوريين إلى بلدهم، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري. وعزت أوساط إعلامية خسارة مرشح حزب العدالة والتنمية الانتخابات البلدية في اسطنبول وفوز مرشح الحزب الجمهوري إلى اللاجئين السوريين، وكان ذلك أحد المحرضات ضد السوريين.

من حيث المبدأ السوري في تركيا ضيف مؤقت وفق مبدأ “مهاجرون وأنصار” الساري المفعول رسميا وشعبيا، والحكم الدارج لدى الشارع التركي هو أن السوريين لجؤوا إلى تركيا بسبب الحرب، وبالتالي، فإن غياب هذا التهديد يبطل حجة البقاء على الأراضي التركية، مهما كانت الأسباب. ومع تنامي حملة العنصرية هذا العام عمدت بعض الأحزاب والهيئات إلى الترويج لهذا التفسير، ومن ذلك موقف زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي المتحالف مع حزب العدالة والتنمية، والذي قال بصراحة “السوريون الذين يستطيعون دخول بلادهم لقضاء العيد، ولا يواجهون مشكلة في الدخول والخروج لا حاجة لعودتهم إلى تركيا”. وأضاف: من حيث المبدأ، نحن نؤيد إعادة الرعايا الأجانب إلى بلادهم بطريقة آمنة وسليمة، ولكن قبل كل شيء يجب أن تنتهي الظروف الذي دفعتهم للهجرة”. وهاجم السياسي التركي تصريحات رئيس بلدية “بولو” تانجو أوزكان برفع رسوم المياه على اللاجئين السوريين، وقال بهتشلي: هذا القرار فضيحة، إنه اغتيال للقيم الإنسانية، إنه تمييز وعنصرية، ولا ينسجم مع كرم أمتنا، هل يريدون تقاضي المال مقابل الأوكسجين؟”.

وبلغ عدد السوريين الذين دخلوا إلى سوريا عبر معبرَي باب الهوى شمال إدلب وباب السلامة شمال حلب خلال عيد الأضحى الماضي، نحو 70 ألفاً وهو رقم متواضع بالنسبة إلى العدد الإجمالي للاجئين السوريين في تركيا والذي يصل إلى 4 ملايين، تستقبل إسطنبول وحدها أكثر من نصف مليون. وفي حقيقة الأمر يتحدث بهتشلي عن الظاهرة بغض النظر عن الأعداد، ولذلك يلقى كلامه صدى كبيرا يستحق التوقف أمامه مطولا، وهناك أوساط سورية تتفهم هذا الطرح.

ظاهرة العنصرية ضد السوريين في تركيا ليست من فراغ، بل هي ذات أسباب منطقية وتتغذى من تصرفات غير مسؤولة يقوم بها بعض السوريين، وجلهم من المراهقين الذين قدموا إلى تركيا في عمر لا يتعدى خمس سنوات، وباتوا فوق 15 عاما، وهؤلاء لم يتلقوا تعليما، لأنهم ينحدرون من بيئات ريفية متواضعة، وفي فصل الصيف يرتادون الشواطئ المفتوحة، ولا يلتزمون بالقوانين العامة، ما ولد ردود فعل لدى شرائح من الأتراك الذين يسكنون هذه المناطق. وتحتاج هذه الظاهرة إلى مواجهة من قبل السوريين قبل الأتراك، لأنها ضارة بصورة السوري سواء كان مهاجرا أو سائحا، وتخلق تيارا عنصريا يخدم في نهاية المطاف سياسات النظام السوري الخاصة بالتهجير القسري. وهناك مسؤولية كبيرة على منظمات المجتمع المدني ووسائل إعلام المعارضة، والهيئات التي تمثل الثورة ومنها الائتلاف والحكومة المؤقتة. على هؤلاء جميعا دراسة الظاهرة، ووضع برامج عمل مع الجهات التركية، من أجل وضعها في نصابها، لأن تركها على ما هي عليه ضار بالطرفين.

هناك شرائح من الأتراك تتعاطى مع العرب بعدوانية فاقعة، ولا يلقى السائح العربي في بعض الأماكن في المدن السياحية مثل إسطنبول معاملة لائقة

وطالما أثرنا ظاهرة العنصرية ضد السوريين تجدر الملاحظة أن الظاهرة تتجاوز السوريين إلى العرب عموما، وهناك شرائح من الأتراك تتعاطى مع العرب بعدوانية فاقعة، ولا يلقى السائح العربي في بعض الأماكن في المدن السياحية مثل إسطنبول معاملة لائقة، وهذا يلقي على الدولة التركية مسؤولية معالجة ذلك لأن استفحال الظاهرة سوف يؤدي إلى خسارة تركيا السياحة العربية وهي رقم مهم جدا.

بشير البكر

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق