ارتفعت أخيراً وتيرة التحرك الغربي حيال ملف الهجمات الكيميائية للنظام، على الرغم من الركون الذي تشهده واشنطن، محور التوجهات الغربية، بانتظار عملية تسليم وتسلم السلطة بين إدارة الرئيس دونالد ترامب الخاسر في الانتخابات، وجو بايدن الفائز فيها.

وانتقدت الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أمس الأول، خلال جلسة عبر الفيديو لمجلس الأمن، بيانات غير كاملة لسورية بشأن أسلحتها الكيميائية، في حين رفضت موسكو ما اعتبرته “تكهنات” وضغوط غربية على نظام الأسد. وأعلنت ألمانيا عزم سبع دول أوروبية المطالبة بتحديد المسؤولين عن الهجمات الكيميائية في سوريا، ما يجعل هذا الملف حاضراً بقوة في الآونة الأخيرة، سيما مع تقدم منظمات سورية بشكوى أمام المحاكم الألمانية، مع معلومات تفيد بتورط النظام بهجمتي الغوطة في 2013 وخان شيخون في 2017. كما أن وزارة الخارجية الأميركية باتت تمتلك معلومات دقيقة حول قيام النظام بإعادة بناء ترسانته الكيميائية، متجاوزاً بذلك القرار الأممي 2118 للعام 2013. علماً أن النظام تجاوز القرار مراراً بتنفيذ هجمات في أماكن متفرقة في البلاد مستخدماً السلاح الكيميائي.وقالت الممثلة العليا لشؤون نزع السلاح في الأمم المتحدة إيزومي ناكاميتسو، خلال جلسة عبر الفيديو لمجلس الأمن، إن “الأمانة التقنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تواصل الاعتقاد أنه في هذه المرحلة، وبسبب ثغرات وتناقضات لم يتم حلها، لا يمكن اعتبار البيان المقدم من سوريا دقيقاً وكاملاً وفقاً لاتفاقية (حظر) الأسلحة الكيميائية”. وأشارت إلى أن 19 سؤالاً بقيت دون إجابة. وقال مدير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية فرناندو أرياس، من جهته: “يتعلق أحد هذه الأسئلة الـ19 بمنشأة لإنتاج الأسلحة الكيميائية أعلن النظام السوري أنها لم تُستخدم قطّ في إنتاج أسلحة كيميائية”. ولم يحدد أرياس موقع المنشأة، لكنه أكد أنه تم العثور على أدلة منذ 2014 على استخدامها لصنع أسلحة كيميائية. وذكر أرياس أن المنظمة طلبت من النظام الكشف عن أنواع وكميات المواد الكيميائية في الموقع، لكنها لم تتلق أي رد.وفي حين دعم نائب المندوب الأميركي لدى المجلس ريتشارد ميلز “العمل غير المتحيز والمستقل” لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، نفى المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا صحة تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، معتبراً أنها “غير حيادية وتعتمد على معلومات مضللة، وتسريبات مشبوهة، هدفها إدانة نظام (بشار) الأسد”، على حد زعمه. وقال “ما نرفضه هو التكهنات وحملات التشهير السياسي التي تسمم للأسف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بشكل متزايد”، منتقداً أساليب عمل الأمانة التقنية. وأضاف “بدلاً من جمع العيّنات في الميدان، تُجري الأمانة التقنية مسوحات عن بُعد، بالاعتماد على معلومات خارجية ومصادر مفتوحة”.وكان تقرير صدر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في إبريل/نيسان الماضي، أكد أن طائرة حربية تابعة لقوات النظام شنت هجوماً على مدينة اللطامنة بريف حماة الشمالي في مارس/آذار 2017، وأسقطت برميلاً يحتوي على غاز السارين جنوب اللطامنة، ما أدى إلى إصابة 60 شخصا بحالات اختناق. وبحسب تقرير المنظمة، فإن النظام مسؤول عن ثلاث هجمات كيميائية استهدفت اللطامنة في 24 و25 و30 مارس 2017.وأعلن مندوب ألمانيا لدى الأمم المتحدة كريستوف هويسجن، في تصريح عبر دائرة تلفزيونية مع الصحافيين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك أمس الأول، أن 7 دول أوروبية طالبت مجلس الأمن، قبيل بدء جلسة بشأن برنامج سورية الكيميائي، بالعمل على تحديد المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية. وأكد أن الدول الأوروبية لن تتسامح مع أي جهة متورطة في استخدام السلاح الكيميائي، بحسب ما نقلت وكالة “الأناضول” التركية عنه. وأوضح هويسجن أن الدول السبع هي بريطانيا، وألمانيا، وبلجيكا، وإستونيا، وفرنسا، وإيرلندا، والنرويج.وقال عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية عبد المجيد بركات إنه “ومنذ الاستخدام الأول للسلاح الكيميائي من قبل النظام في الغوطة، طالبنا بوضع حد للنظام ومحاسبته حيال استخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين”. وأضاف، في حديث مع “العربي الجديد”، أنهم في الائتلاف يثمنون الخطوة التي تقدمت بها بعض الدول الأوروبية، رغم إشارته إلى أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أدانت النظام في عدد من تقاريرها، بإثبات ضلوع سلاح الجو بتنفيذ هجمات كيميائية، فيما كانت روسيا عرقلت جهود معاقبة النظام عليها في مجلس الأمن. وأوضح أن “التحرك من قبل الدول في هذا الملف مهم جداً، في سبيل إعادته إلى مجلس الأمن، في الطريق لتطبيق العدالة ومحاسبة مجرمي الحرب. والمأمول الآن تحقيق المحاسبة القانونية للجهات والأفراد المرتكبين لهذه الجرائم. كما نأمل بأن يكون هناك تحرك دولي على المستوى السياسي، لا سيما من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بسحب الملف الكيميائي من يد النظام، كون الأخير لا يزال يستخدمه كورقة سياسية لتحقيق مصالحه”.من جهته رأى الخبير القانوني، وكبير المفاوضين السابق في هيئة التفاوض السورية المعارضة محمد صبرا أن “هذا تحرك جيد ومهم، وهو ليس الأول، لأن الآلية المشتركة التي أنشأها مجلس الأمن والمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية سبق وأن كانت ولايتها، وفق قرار إنشائها، تشمل تحديد المسؤولين عن الهجمات الكيميائية. وقد أصدرت اللجنة أربعة تقارير، أوضحت فيها مسؤولية النظام بشكل مباشر عن أكثر من هجوم بالسلاح الكيميائي”. وأضاف صبرا، في حديث مع “العربي الجديد”: “لكن الآلية المشتركة لم تكمل عملها في التحقيق بباقي الهجمات بسبب الفيتو الروسي، الذي منع تمديد عمل هذه اللجنة. وبالتالي تحاول بعض الدول الأوروبية تجاوز هذا الفيتو، وهو أمر نرحب به، ونتمنى أن يكون خطوة في الاتجاه الصحيح، وهو ضرورة تقديم بشار الأسد ومسؤولي نظامه ومن دعمه وساعده على ارتكاب جريمة استخدام السلاح الكيميائي للمحاسبة”.وتزداد التحركات من مستويات مختلفة في مسعى لإدانة النظام بارتكاب هجمات كيميائية في البلاد، إذ تقدمت ثلاث منظمات سورية بشكوى أمام مكتب المدعي العام الاتحادي الألماني قبل نحو شهرين، على مسؤولين من النظام. وقدمت المنظمات معلومات حول ضلوعهم بارتكاب هجمتي الغوطة في 2013 وخان شيخون في 2017. وأشارت وسائل إعلام ألمانية، اطلعت على الوثائق المقدمة ضمن الشكوى، إلى ضلوع ماهر الأسد شقيق رئيس النظام بشار الأسد، وقائد “الفرقة الرابعة” في قوات النظام، بإصدار الأمر المباشر باستخدام غاز السارين في هجوم الغوطة في أغسطس/آب 2013، بعد تفويض مباشر من شقيقه بشار الأسد بتنفيذ الهجوم.وكشفت وسائل إعلام أميركية أخيراً أن الإدارة الأميركية لا تسعى لفتح ملف الهجمات الكيميائية وحسب، بل إنها تلاحق برنامج الأسلحة الكيميائية للنظام برمته. ويجري الحديث عن تقرير أرسلته الخارجية الأميركية إلى الكونغرس خلال العام الحالي، يؤكد مواصلة الأسد مساعيه للحصول على الأسلحة الكيميائية، بالإضافة لتطوير إمكانياته في إنتاج أسلحة استراتيجية كان قد خسرها خلال الحرب. وأشار التقرير، الذي كشفت عنه مجلة “فورين بوليسي”، أن الخارجية تراقب عمليات الشراء التي يقوم بها النظام لدعم منظومة الأسلحة الكيميائية وبرامجه الصاروخية، مع مخاوف من ضلوع إيران بمساعدته، عبر تزويده بصواريخ بالستية تدعم ترسانة غازي السارين والكلور لديه. ورغم أن كوريا الشمالية نفت في وقت سابق ما أوردته تقارير أممية عن ضلوع بيونغ يانغ بتزويد النظام بالمعدات والمواد اللازمة لإنتاج أسلحة كيميائية، إلا أن واشنطن تبدو غير مقتنعة بذلك، مع عدم تركيزها على مقدمي المساعدة للأسد، بقدر ما يهمها معرفة أين وصل الأخير في إعادة تأهيل وتطوير برنامجه الكيميائي من جديد.وبانتظار التحقيقات الألمانية، التي تأتي بموجب الولاية القضائية العالمية، بهجمتي الغوطة وخان شيخون، والتي من المتوقع أن تسجل إدانتها للنظام، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين، وحتى الأمم المتحدة، لديهم ما يمكنهم التحرك به بموجب الفصل السابع، وذلك بعد إدانة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للنظام بتورطه بتنفيذ ثلاث هجمات في حماة في العام 2017. ويقضى القرار الأممي 2118 للعام 2013، والذي عدّ حينها تواطؤاً بين إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وروسيا لتجنيب الأسد العقاب بعد ارتكابه مجزرة الغوطة في 2013 التي راح ضحيتها قرابة 1400 مدني، بتفكيك النظام لترسانته، والانضمام إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وعدم استخدام السلاح الكيميائي تحت طائلة العقاب بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وفي حال الحصول على إدانات جديدة في هذا الملف، فقد يشهد مجلس الأمن تحركاً غربياً للتلويح بالفصل السابع، لكن “الفيتو” الروسي لا يزال عقبة كبيرة أمام مزيد من الخطوات الجدية في طريق محاسبة النظام، الأمر الذي ينتظر لحله صفقة روسية – أميركية.

المصدر: وكالات

تعليق

تعليق

Powered by Facebook Comments

 

 

تعليق