دراسة: الجيش السوري بات مجزّأ وغير موثق وذو ولاءات متعددة | Palmyra Monitor

أكتوبر 20, 2020

دراسة: الجيش السوري بات مجزّأ وغير موثق وذو ولاءات متعددة

دراسة: الجيش السوري بات مجزّأ وغير موثق وذو ولاءات متعددة

على مدار السنوات التسع الماضية من الصراع كان لميليشيات النظام السوري دور فعال في ضمان بقاء بشار الأسد -ليس بسبب أدائها في ساحة المعركة- بل بسبب ولائها المستمر على عكس جيوش الدول الأخرى التي واجهت تحديات النظام مع انتفاضات الربيع العربي عام 2011.

حافظت ميليشيات الأسد على ولائها المؤسسي منذ أن استولت عائلة الأسد على السلطة في السبعينيات، حيث خضع الجيش لتحول هيكلي من خلال وضع الأقلية العلوية في مواقع القوة ودعم الدور المركزي للجيش في ديمومة النظام الاستبدادي في سوريا.

ومع ذلك فقد أثر الصراع الحالي حقاً على تكوين نظام الأسد وكذلك على هيكل وتوجه مؤسسته العسكرية مما وضع ولاء الأخير موضع تساؤل. 

أصبحت ميليشيات الأسد اليوم مجزأة وبات صنع القرار محل نزاع وأصبح لا مركزياً بشكل متزايد، كما اتسعت دائرة الولاء بطريقة غير مسبوقة، علاوة على ذلك أدى تعدد الجهات الأمنية والتدخل الأجنبي الراسخ إلى تعقيد الوضع الهش لقطاع الأمن والدفاع السوري، مما جعل العلاقات المدنية العسكرية أقل قابلية للتنبؤ وأكثر عرضة لتحديات النظام.

الجيش السوري قبل 2011

قبل مناقشة التغييرات يجب على المرء أن يفهم القوة العسكرية لنظام الأسد قبل عام 2011، عندما تولى حافظ الأسد السلطة في عام 1970، كانت العلاقات المدنية – العسكرية في سوريا بالفعل في درجة حادة من عدم التوازن حيث كان للجيش توجه سياسي قوي وسلطة كبيرة، عند بناء نظامه كان الأسد قادراً على إنهاء الأعمال العسكرية التي تحرض على تغيير النظام من خلال الانقلاب، لكنه لم يفعل ذلك من خلال إنهاء دوره السياسي ولكن بإضفاء الطابع المؤسسي عليه بحيث يشكل العمود الفقري لهيكل سلطة النظام. 

وهكذا خضعت القوات المسلحة لتحول جذري في عهد حافظ حيث غيرت طابعها من قوة تاريخية تتحدى النظام إلى ركيزة لأمن النظام، وبدأ دور الجيش لدعم حكم الأسد البعثي وتأمين سيطرة عائلته المشددة على هياكل السلطة في الدولة.

لإعادة ترتيب الجيش بما يتناسب مع أهداف نظامه وسع حافظ حجمه بشكل كبير وارتفع العدد الإجمالي للأفراد المسلحين النشطين بنحو 162 في المئة في السنوات العشر الأولى من حكمه وحوالي 264 في المئة عند وفاته في عام 2000 وفقاً لتقديرات أعدها المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، كما قام الأسد ببث تسلسل قيادي موازٍ وفرض تفويضات متداخلة وفائض مؤسسي على التشكيلات العسكرية الرئيسية، وبهذه الطريقة تم تصميم مختلف أجهزة النظام القمعي بعدة طبقات من الولاء للتنافس والانضمام من أجل بقاء النظام.

بالإضافة إلى ذلك والأهم من ذلك استفاد الأسد من حالة الانقسام الشديد في المجتمع السوري، ورفع عدد ودور العلويين وهي الأقلية التي تنتمي إليها الجذور الاجتماعية والدينية لعائلة الأسد.

 أدرك حافظ – وبعد ذلك بشار الأسد – التأثير الذي يمكن أن يحدثه التضمين العرقي في الجيش على الولاء بين صفوفه، نتيجة لذلك كان العلويون ممثلين بشكل غير متناسب في القوات المسلحة وقطاع الأمن الأوسع.

في حين أن هذا قد شكل مشكلة شرعية فيما يتعلق بنظرة الجمهور إلى طبيعة الدفاع الوطني للجيش، فقد أنتج أيضاً حلقة مؤسسية من الخوف وانعدام الثقة في المجتمع السوري، والتي لم تزود نظام الأسد فقط بمجموعة موالية ومهيمنة في الجيش، ولكن كما جعل العلويين يعتمدون على النظام في دولة معادية ومنقسمة بشدة. 

وعندما عزز نظام الأسد قوته أصبحت المهمة الرئيسية للجيش واضحة: تأمين استمرارية النظام فوق كل اعتبارات الدفاع والأمن الوطني.

الجيش السوري اليوم: تجزئة وتغلغل خارجي

قبل عام 2011 واجه نظام الأسد تحديات داخلية هائلة -مثل حراك الإخوان المسلمين في حماة عام 1982 ومحاولة الانقلاب الفاشلة لرفعت الأسد في عام 1984- والتي لعب فيها الجيش دوراً مركزياً في صدها.

 ومع ذلك، لم يكن أي منها مثل التحدي المستمر الذي بدأ في عام 2011، والذي أجبر بشار على إعادة الترتيب والتنازل عن بعض السيادة على هياكل السلطة الرئيسية للحفاظ على بقاء النظام.

في حين أن الهياكل التي صممها حافظ أثبتت فائدتها في الوقوف ضد الاستياء العام على نطاق واسع في السنوات القليلة الأولى من الصراع فإن زيادة قدرة تشكيلات المعارضين الرئيسية وما يترتب على ذلك من عدم فعالية في ساحة المعركة لجيش الأسد أدى إلى التوسع غير المقصود لقوات الأمن المحلية واستيراد القوات الأجنبية والتي باتت هي الفاعلة، مثل روسيا وإيران.

اليوم ثبت أن هذا يمثل نمواً مضطرباً في المؤسسة العسكرية السورية مما تسبب في معضلات الولاء وتنويع مصادر التمويل والانقسام الإقليمي والأيديولوجي وعمليات صنع القرار الموازية والاعتماد على الرعاة الأجانب.

للتكيف مع ديناميكيات الصراع المتطورة ظهر مشهد من الميليشيات غير المنظمة والقوات شبه العسكرية ذات مصادر التمويل المختلفة ونطاقات المشاركة – خاصة بعد 2013 بالمرسوم التشريعي 55 – لتكملة الجيش السوري.

في حين تم إضفاء الطابع المؤسسي على بعض الميليشيات مثل قوات الدفاع الوطني، لا تزال العديد من الميليشيات الموالية للنظام في منطقة عملياتية وقانونية رمادية تعتمد على الشكل الذي سيبدو عليه هيكل ما بعد الحرب.

 وبحسب ما ورد تتلقى بعض الميليشيات تمويلاً من رجال أعمال مشبوهين موالين للنظام، في حين يتم تمويل البعض الآخر حصرياً من قبل جهات أجنبية، مثل إيران وروسيا.

 مع قيام بعض هذه الميليشيات بأدوار أمنية محلية أصبحت أنماط تجنيدها مجزأة على أسس إقليمية ودينية وأيديولوجية، مما قد يشير إلى تنامي الاستقلالية المحلية وتوسع دائرة الولاء فضلاً عن عدم الاتساق الأمني ​​والدفاعي.

فرض هذا الهيكل الهجين لقطاع الأمن السوري اللامركزية في عملية صنع القرار العسكري في نظام كان منذ فترة طويلة شديد المركزية. 

إن للميليشيات المسلحة الموالية للنظام نفوذ للتأثير على قرارات الدفاع الرئيسية بما في ذلك توزيع الموارد والتعبئة والانتشار. 

تم الإبلاغ عن اشتباكات بين هذه الميليشيات طوال الصراع السوري وعبر جبهات مختلفة، علاوة على ذلك فإن العلاقة بين الدولة والميليشيا محفوفة بالمخاطر حيث تتمتع الميليشيات بعلاقة رعاية مع الأجهزة المتنافسة في مجتمع الاستخبارات العسكرية وفي ضوء الفساد المتأصل والمصالح التجارية يمكن أن يؤدي ذلك إلى صراعات داخل المؤسسة العسكرية.

من ناحية أخرى استثمرت روسيا وإيران حصصاً كبيرة في الجيش السوري وقطاع الأمن الأوسع، وهما تمارسان حالياً نفوذاً كبيراً على الجيش، وبينما حسّنت موسكو وطهران فعالية الجيش السوري في ساحة المعركة وعكستا خسائره الإقليمية، جاء هذا النصر بثمن باهظ مع تراجع احتكار نظام الأسد الوحيد للجيش. 

تشارك كلتا القوتين الأجنبيتين بشكل متزايد في تعيين كبار الضباط وقادة الوحدات وقيادة أوامر المخابرات.

 كما عملوا – أحياناً بشكل تنافسي – على إضفاء الطابع المؤسسي على العديد من الميليشيات ودمجها في هيكل قيادة ميليشيات النظام السوري. 

تسيطر روسيا بشكل شبه كامل على صنع القرار فيما يتعلق بالإستراتيجيات العملياتية وبدرجة أقل إيران على وحدات ميليشيات الأسد المرتبطة بأي قوة أجنبية تشارك بشكل متزايد في المعارك التي خططت لها وتنفذها قوات أو مستشارو حليفهم الأجنبي.

نتيجة لذلك يمكن الافتراض أن موسكو لها تأثير أيضاً على تخصيص الموارد داخل الجيش ويمكنها منح الوحدات والضباط الموالين.

إن الجانب الرئيسي الآخر لميليشيات الأسد هو وجود العلويين وولائهم، بسبب انشقاقات السنة تغيرت علاقة المجتمع بالمؤسسة العسكرية – والنظام بالتبعية – أي جاء دعمهم العسكري لنظام الأسد بتكلفة هائلة. 

لقد فقدوا الكثير من شبابهم في ساحة المعركة بينما يستمر تضرر مجتمعهم من التدهور المتزايد للظروف المعيشية،و مع تضحية العلويين من أجل نظام غير قادر على تزويدهم بالضرورات الأساسية تتسع دائرة ولائهم لتشمل الوجهاء الناشئين الذين يستبدلون الخدمة العسكرية المحفوفة بالمخاطر بعضوية ميليشيا أكثر أماناً وخدمات الدولة بجمعيات خيرية محلية.

ربما تكون الحملة الأخيرة على رجل الأعمال وممول النظام رامي مخلوف دليلاً على نفوذه المتزايد بين العلويين والضعف المتزايد الذي يشعر به الأسد فيما يتعلق بدعم مجتمعه.

 ومع ذلك لا يزال العلويون عالقين في دوامة الخوف التي أوجدها نظام الأسد والتي عزلت الأقلية عن بقية المجتمع السوري.

في حين لعبت ميليشيات الأسد دوراً رئيسياً في ضمان بقاء نظام الأسد ، فإن الهياكل التي كانت مصممة في السابق للحفاظ على ولاء قواته قد تحطمت تدريجياً في السنوات التسع الماضية. 

وعلى الرغم من أن اللامركزية القسرية وتكاثر الجهات الأمنية والتدخل الأجنبي الذي أنقذ النظام السوري من الهزيمة العسكرية، يقيس الأسد جودة قواته من خلال ولائهم المستمر واستعدادهم لاستخدام القوة للدفاع عن نظامه ، وليس من خلال أدائهم في ساحة المعركة. 

في حين أن الانقلاب على بشار الأسد أو انهيار حكمه أمر غير مرجح فلم تعد لديه المصداقية التي كانت موجودة في الخمسين عاماً الماضية.

ترجمة موقع نداء سورية       

المصدر:  المجلس الأطلنطي

تعليق

comments

Powered by Facebook Comments

مقالات ذات صله

اترك رد