التصعيد العسكري في عين عيسى الأهداف والمصير المحتمل

197

الأهمية الإستراتيجية

تقع مدينة “عين عيسى” على طريق M4 الدولي، الذي يربط محافظة الحسكة بالرقة، ويصل بين شمال شرق سوريا وشمال غربها وصولاً إلى الساحل.

وتعتبر “#عين_عيسى” عقدة وصل تربط مناطق ذات أهمية كبيرة، وهي: تل أبيض وعين العرب ومنبج ومدينة الرقة وبلدة المبروكة بريف الحسكة .

ويمكن وصف “عين عيسى” بأنها عاصمة “الإدارة الذاتية” بحكم موقعها، حيث تحتضن الاجتماعات المتكررة للمجالس والهيئة التابعة للإدارة، وأقامت فيها “قوات سوريا الديمقراطية” مقرات قيادة.

وتتيح سيطرة “الجيش الوطني السوري” على مدينة “عين عيسى” وما حولها المزيد من تأمين منطقة “تل أبيض” الواقعة ضمن نطاق عملية “نبع السلام”، كونها تحرم “قوات سوريا الديمقراطية” من مركز متقدم ومنصة انطلاق لـ”الحرب الأمنية” التي تخوضها ضد مناطق النفوذ التركي عن طريق العربات المفخخة، كما أن دخول “عين عيسى” يعني عزل كل من “منبج” و”عين العرب” بريف حلب عن مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، وهو ما  يؤدي إلى المزيد من تقويض “الحزام” أو “الممر” الذي حاولت وحدات حماية الشعب تشكيله على طول الحدود مع تركيا، حيث تلقى المشروع ضربات قوية سابقاً تمثلت بخسارة الوحدات لمناطق: عفرين وتل أبيض ورأس العين.

ثانياً: تصعيد عسكري غير مسبوق

في الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر شنت مجموعات تتبع للجيش الوطني السوري هجوماً على مواقع لقوات “سوريا الديمقراطية” في منطقة “عين عيسى”، نتج عن الهجوم السيطرة على قريتي “الجهبل” و”المشيرفة” ومدخل مدينة عين عيسى، بالإضافة إلى قرية “التينة” الواقعة على خط التماس بين الطرفين، قبل أن تنسحب القوات المهاجمة من المناطق التي دخلتها، وتحتفظ بسيطرة نارية على “التينة”.

ويعتبر هذا التصعيد هو الأكبر من نوعه منذ شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، عندما توغلت قوات “الجيش الوطني السوري” واستولت على “مخيم عين عيسى” وقريتي “صيدا” و”المعلك”، قبل الانسحاب منها على خلفية الاتصالات بين روسيا وتركيا .

التقدم الأخير لمجموعات الجيش الوطني السوري جرى تحت غطاء من المدفعية التركية المتمركزة في قرية “المتمشرجة”، والتي لا تزال تشن ضربات متقطعة بين الحين والآخر.
وكان ملفتاً هو عدم تدخل القوات الروسية المنتشرة داخل مدينة عين عيسى وقرب اللواء 93، وكذلك الأمر بالنسبة للنقاط المحدودة التابعة للنظام السوري المنتشرة بشكل مشترك مع قوات “سوريا الديمقراطية” شمال وغرب المدينة.

وقد أعاد عدم التدخل الروسي في الهجوم على عين عيسى ذاكرة الانسحاب الروسي من عفرين قبيل عملية غصن الزيتون بداية عام 2018. 

ثالثاً: المسار التفاوضي

انطلق المسار التفاوضي بين “قوات سوريا الديمقراطية” والجانب الروسي وقوات النظام السوري في الأسبوع الأول من كانون الأول/ ديسمبر، وتركزت المطالب الروسية على إنشاء مربع أمني في “عين عيسى” في تكرار لنموذج الحسكة والقامشلي، وعودة “مؤسسات الدولة” للعمل ورفع علم النظام السوري عليها، وذلك مقابل قطع الطريق على أي عملية عسكرية تركية، وتلا تلك المفاوضات تهديد روسيا الصريح عبر أذرعها الإعلامية شبه الرسمية لـ “قوات سوريا الديمقراطية” بتكرار نموذج “عفرين” .

وتجدد اللقاء بين الأطراف الثلاثة في 20 كانون الأول/ديسمبر، حيث احتضن “مطار القامشلي” الجولة الجديدة من المفاوضات التي طالبت فيها “قوات سوريا الديمقراطية” الجانب الروسي بالتدخل لإيقاف الهجوم الروسي على “عين عيسى”، لكن روسيا ردت بإعطاء القوات خيارين: إما تسليم المدينة للنظام السوري وعودة المؤسسات الرسمية، أو مجابهة الحملة العسكرية التركية بشكل منفرد، لكن قوات “سوريا الديمقراطية” لم توافق على تسليم المدينة.

وفي 21 كانون أول/ ديسمبر التقى وفدان تركي وروسي في “صوامع الشركراك” قرب “عين عيسى” من أجل التباحث حول مصير المدينة.

رابعاً: قراءة في مواقف الفاعلين

1) تركيا

تشير التحركات التركية إلى قرار أنقرة بحسم مصير مدينة “عين عيسى” وتقويض نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” بداخلها. وتقوم تركيا حالياً باستثمار انشغال الجانب الأمريكي بترتيبات انتقال السلطة الرئاسية من إدارة “ترامب” إلى “بايدن”، استباقاً لأي تغيرات في الموقف الأمريكي من ملف شمال شرق سوريا.
ويعتبر سيناريو سيطرة “الجيش الوطني السوري” على مدينة “عين عيسى” ثم إنشاء قواعد عسكرية تركية بداخلها هو ما تسعى إليه أنقرة، بالتفاهم مع الجانب الروسي، كما أن تركيا لا تُمانع في أن تقوم روسيا بالسيطرة الكاملة على المدينة، طالما أن هذه السيطرة تُنهي وجود قوات سورية الديموقراطية هناك، وتنهي قدرتها على تهديد المصالح التركية. 

2) روسيا

غالبا فإن روسيا تعمل على الاستفادة من التصعيد التركي من أجل ضمان الحصول على تنازلات من “قوات سوريا الديمقراطية”، تتمثل بإعادة السيطرة الأمنية للنظام السوري إلى المدينة، وتفعيل المؤسسات الرسمية من جديد وإفساح المجال أمام انتشار القوات التابعة للنظام السوري، وبذلك تضمن موسكو بسط النفوذ على مقطع مهم يقع على طريق M4.

ويُحقق إضعاف “قوات سورية الديموقراطية” هدفاً روسياً أساسياً يتمثّل في تحجيم النفوذ الأمريكي، كما يُظهر أنها صاحبة القرار في تنفيذ أو وقف أي اتفاق ميداني في سورية. 

3) قوات سوريا الديمقراطية

تراهن قوات سورية الديموقراطية بشكل أساسي على عامل الزمن، حيث تعتقد أن شراء الوقت حتى وصول الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض قد يوفّر لها الحماية التي تبحث عنها، وتمنع تنفيذ التوافقات الروسية-التركية بخصوص عين عيسى. 
إلا أن تجارب عفرين ونبع السلام تُظهر أن التعويل الكردي على الإدارة الأمريكية لا يملك الكثير من الجدوى، كما أن هذه التجارب تُظهر أن التفاهمات الروسية-التركية تمكّنت من فرض وقائع على الأرض بالرغم من رفض الفاعلين المؤثرين الآخرين، وخاصة الولايات المتحدة وإيران. 

خامساً: مصير “عين عيسى” المحتمل

في ظل المعطيات السابقة فيبدو أن مدينة “عين عيسى” مقبلة على أحد السيناريوهين التاليين:

1) سيطرة تركية بعملية عسكرية منسقة

يمكن أن نشهد عملية عسكرية تركية منسقة مع الجانب الروسي، بحيث تضمن موسكو التحكم بحدود التوغل التركي لمرحلة يؤدي فيها بالنهاية إلى قبول “قوات سوريا الديمقراطية” بتقديم تنازلات لموسكو، وبناء عليه يتم تقاسم السيطرة الجغرافية وعدم استفراد طرف فيها دون الآخر.

ويعتقد أن العملية التركية ستحصل بعيد سحب تركيا لآخر نقاطها العسكرية الواقعة في المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام السوري. 

2) سيطرة روسية

في هذا السيناريو، تتولى روسيا عملية السيطرة على مدينة عين عيسى وإخراج قوات سورية الديموقراطية منها، بما يعني عودة مؤسسات النظام إلى المدينة، دون أن يشمل ذلك بالضرورة انتشار قواته العسكرية. 

ولا تُمانع تركيا بتنفيذ هذا الخيار، في حال عدم تمكنها من تحقيق الخيار الأول، على أن يكون التنفيذ شاملاً، بمعنى أن يتم إخراج قوات سورية الديموقراطية وكل مؤسسات الإدارة الذاتية بالكامل. 

المصدر: مركز جسور للدراسات

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق