البادية السورية وأهميتها في أجندات أطراف الصراع في سورية

8

تلعب البادية السورية، دوراً حيوياً في تمكين إيران من الاستمرار في الحرب، مما يدفع قوات التحالف بقيادة واشنطن إلى التحرك لانتزاعها والسيطرة عليها، بعد تبدلات السياسة الأميركية؛ مع دعوة الرئيس الامريكي السابق ترامب وفريقه إلى تحجيم دور إيران، لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، فهل تعتزم واشنطن مواجهة التمدد الإيراني، فيما ينشط تنظيم داعش من جديد في ظل التشابكات الإقليمية والدولية التي تتسابق للسيطرة على هذا الجزء الحيوي من سورية؟.

منذ الإعلان عن نهاية تنظيم داعش في مناطق شرق الفرات، عادت بادية الشام بقوّةٍ إلى واجهة الأحداث السياسية والعسكرية في سورية، لتشهد صراعاً على عدة جبهات بين قوات النظام والمليشيات الإيرانية من جهة، وبين بقايا تنظيم داعش من جهة أخرى، فضلاً عن مواجهة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لكل من الميليشيات الإيرانية وتنظيم داعش.

ويقترن هذا التصعيد العسكري بين أطراف الصراع بتعاظم التصعيد السياسي بين الولايات المتحدة وإيران حول السيطرة على البادية الشامية, وما تشكّلُهُ من أهميةٍ استراتيجيةٍ في أجندات المتصارعين, بهدف السيطرة على هذا الحيز الجغرافي المتصل بمجمل المحافظات السورية, بحيث لا يمكن إغفال البُعد الجيوسياسي القائم في البادية وتداعياته، والذي تتجاوز أهدافه مسألة الحرب على الإرهاب، إلى أهداف أخرى مرتبطة بالمشروع الإيراني للسيطرة على المنطقة, وما تواجهُهُ من تهديداتٍ إيرانيةٍ تمتدّ من العراق إلى ساحل البحر المتوسط، باستمرار إيران تطوير قدراتها في مجال ما يوصف بـ”بالقوس الشيعي” ، الذي يتيح لميليشياتها السيطرة على هذه المناطق، ويشكل تهديداً كبيراً لأمنها.

لكن الولايات المتحدة كانت أسبق إلى ذلك، عبر إنشاء قاعدة التنف العسكرية على الحدود الشطرية بين العراق وسورية, لمراقبة التحركات الإيرانية ومواجهتها, وبناءً عليه تحاول هذه الدراسة التركيز على الأهمية الاستراتيجية للبادية السورية, وترسم بالتحليل ملامح أجندات أطراف الصراع, ابتداءً بأجندة إيران لفهم سلوكها الإقليمي القائم على المخاتلة السياسية, واستتناج أسباب هيمنتها على هذه المنطقة الحيوية, وما يقابلها من أجنداتٍ أميركيةٍ تستندُ في أساسها على مواجهة أجندات إيران وتنظيم داعش, وذلك من خلال مراقبة دوائر الاشتباك والانتشار العسكري لكافة الأطراف, وصولاً لتقديم قراءةٍ استشرافيةٍ لأبعاد الصراع على البادية السورية في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية.

الأهمية الجيو استراتيجية للبادية السورية

يمكن وصف البادية التي تشكل ما بين (40- 57) بالمئة من مساحة سورية، أي ما يقارب 74 ألف كيلومتر مربع, بأنّها منطقةٌ حيويةُ، تدفعُ جميع أطراف الصراع للسيطرة عليها. وتبدأ من سلسلة المرتفعات الممتدة من حواف العاصمة دمشق إلى نهر الفرات والمنتهية في جبل البشري، ويطلق عليها السكان المحليون ” الشامية” يسمى القسم الجنوبي الأوسط منها “الحماد”, والقسم الغربي يسميه البدو ” ديرة الشنبل” ينتهي عند سكة حديد الحجاز الرابطة بين حلب – دمشق، وتتميز البادية بمعدلاتٍ منخفضةٍ من الأمطار سنوياً تقدر بحوالي 127 مم فقط.

ويتبع ذلك قيمةٌ استراتيجيةٌ وجيواستراتيجية من خلال تنوع تضاريسها بين السهلية والهضبية التي تضم سلاسل جبال القلمون الشرقي، وسلسلة جبال تدمر، ويخترقها وديانٌ شهيرةٌ كوادي المياه الذي ينتهي بنهر الفرات مما جعلها حظيرةً مفتوحةً للثروة الحيوانية من أغنام وإبل، وأعطاها ميزةً اقتصاديةً لها أهميتها الكبيرة في ظروف السلم والحرب. وتعتبر الجزء الأكثر حساسيةً وتأثيراً في قلب سورية باعتبارها بوابة العراق عبر منفذ “التنف”, وتتصل بالمملكة الأردنية بحدود طويلة, وتجوب ثراها قبائل عربية عريقة مثل “عنزة وبني خالد والفواعرة والعمور والموالي والحديديين والعقيدات”، وعلى حوافها الجنوبية الغربية تتموضع قبائل الجبل القريبة من محافظة السويداء, وتمتد مناطق انتشارها في الشتاء من وراء حدود تل أصفر بعيداً إلى الجنوب, وحتى حرّة الراجل ومنطقة قصر الأزرق” وتعتبر مدينة تدمر حاضرتها ومركز استقطاب كبير في زمن الحرب والسلم, ومن الحواضر الأخرى ” السخنة والطيبة والكوم والشولا وحميمة والبغيلي وكديم وتوينان”  وتضم حقولاً للنفط والغاز ومنجماً للفوسفات في موقع خنيفيس “5”. يخترقها خط أنابيب كركوك-حيفا، قبل أن تُؤمَّم في بداية السبعينيات وتُصادِر سورية أجزاء الخط التي تمرّ في أراضيها، وأُعيد فتح خط الأنابيب بعد ذلك، ثم أقفلته دمشق مجدداً في بداية الحرب بين إيران والعراق (1980-1988)، في بادرة تضامنٍ سوريٍ مع طهران”.

ومنها يمر خط القوس الفارسي أو ما يسمى الهلال الشيعي معبر إيران البري الوحيد عبر منطقة “التنف” وصولاً إلى دمشق فاللاذقية وبيروت على البحر المتوسط. وعسكرياً؛ يكتسب معبر “التنف” الواصل بين طهران وبغداد ودمشق فبيروت أهميةً استراتيجيةً بعد إغلاق الولايات المتحدة لهذا الممر الدولي الهام.

وتتواجد على أطرافها أكبر المطارات الحربية التابعة لنظام الأسد “التيفور والشعيرات والسين والناصرية”, وتكمن أهمية البادية في كونها نقطةَ وصلٍ وفصلٍ جغرافيٍّ بين العراق وسورية وهو ما يضعها في خريطة من يسعى لتحقيق نصرٍ عسكريٍ ضامنٍ لوحدة سورية أو تقسيمها. ويعتبر التحكم بطرق إمدادات الميليشيات الشيعية الإيرانية وتحركاتهم، تهديداً لتماسكهم والتأثير على أفكار قادتهم ومقاتليهم، فيربك حساباتهم ويحدُّ من خياراتهم، وحجمُ التأثير يتوقف على طبيعة التحكم بها وطرق توظيفها.

هنا تجدر الإشارة إلى أنّ من بين ما ركزت عليه الميليشيات الشيعية التحرك إلى عمق البادية بعد أوامر صدرت من طهران في سباقٍ محمومٍ للسيطرة على تركة تنظيم “داعش” المتقهقر والسيطرة على معبر “التنف”, وسعيها لإخضاع كامل البادية السورية بوصفها ثقلاً جغرافياً واستراتيجياً. في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير تمركز القوات الأميركية في معبر “التنف” منذ العام 2014م وطرد تنظيم “داعش” منه، فهي خطوة عسكرية قطعت الطريق مبكراً أمام أية محاولةٍ لجعل المعبر نقطة استراتيجية لإيران وميليشياتها.

أهمية البادية السورية استراتيجياً لأطراف الصراع

تلعب البادية السورية دوراً حيوياً في تمكين أطراف الصراع من الاستمرار في الحرب، مما يدفع كل طرف من تلك الأطراف إلى التحرك لانتزاعها والسيطرة عليها. حيث ظلت البادية السورية طيلة سنوات الحرب بعيدة عن خيار الحسم العسكري سواءً لقوات التحالف الدولي التي تقودها واشنطن، أو الحلف الروسي وأذرعِهِ العسكرية من الحرس الثوري الإيراني، وما يتبعه من ميليشيات شيعية متعددة الجنسيات وتلك التابعة للأسد، وكذلك تنظيم “داعش” الذي يسيطر على مساحة واسعة من البادية السورية.

مناطق انتشار قوى أطراف الصراع في البادية السورية

سعى المسؤولون الإيرانيون الكبار للسيطرة على البادية السورية، بالاستعانة بمصادر خارجية لأجل الإشراف على تلك المنطقة، مثل حزب الله ومختلف الميليشيات الشيعية التي ترعاها إيران في العراق وسوريا، لتجنب استخدام قواتها العسكرية الخاصة للسيطرة على الطرق. (فلدى إيران نفور طويل الأمد من استثمار القوى العاملة في الخارج). وتمكنت طهران من إرسال ميليشيات متعددة الجنسيات، يتراوح عدد أفرادها عشرات الآلاف، من بينهم 18000 شيعي أفغاني و3000 إلى 4000 شيعي باكستاني بالإضافة إلى ميليشيات مسيحية ودرزية صغيرة. وقد تم بالفعل نشر بعض هذه القوات في قطاعات مختلفة على طول الممرات البرية العابرة للبادية على شكل مجموعات قتالية تتمركز على النحو التالي: “المحطة الثانيةt2 , وحميمة، والمحطة الثالثة t3, وجبل الغراب، وفيضة ابن موينع، والسخنة، والعليانية،  ومفرق ظاظا، ومعبر الوليد مع القاعدة الجوية h-3  في الأراضي العراقية المواجهة لمعبر التنف”, وأشهر الميليشيات المدعومة من إيران هي, الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية. وحزب الله اللبناني في منطقة التنف للمشاركة في عمليات نظام الأسد في الصحراء السورية المعروفة باسم البادية.

 فيما ينتشر تنظيم “داعش” في جيوب صحراوية وعرة التضاريس في كل من ( جبل البشري, جبل الضاحك, وادي المياه, وادي الهيل, روض الوحش, وشرق تل أصفر, وفي المفاوز القريبة من قاعدة التنف), وكذلك على طول خط نهر الفرات داخل المنطقة الصحراوية, من البوكمال صعوداً إلى مدينة دير الزور بمسافات متفاوتة عن مقرات الميليشيات الإيرانية، التي تستولي على مدن وقرى الضفة اليمنى من نهر الفرات, ويُقدّر عدد مقاتلي التنظيم في الجيوب الصحراوية شرقي سوريا، بنحو 1000 عنصر، إضافةً إلى أكثر من 800 ينتشرون في بادية السويداء الشرقية. وترتفع أعداد مقاتلي التنظيم في الصحراء، حالياً بشكل كبير، بعد هزيمته شرقي الفرات على يد “التحالف الدولي” و”قوات سوريا الديموقراطية”. وتلتحق بهم أعداد أخرى من وافدي العراق ومناطق التنظيم السابقة في سوريا. أما قوات الولايات المتحدة العسكرية تتموضع في قاعدة التنف عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، حيث قررت الولايات المتحدة في عام 2014 تأسيس قاعدة عسكرية حملت اسم التنف، وهذه القاعدة النائية محاصرة من جميع الجهات بالميليشيات الإيرانية, وقالت مصادر دبلوماسية غربية في لندن، إن أحد المقترحات هو “مقايضة الوجود الأميركي بما فيها قاعدة التنف شرق سوريا بالوجود الإيراني بما في ذلك القواعد العسكرية والميليشيات في كل سوريا”، مشيرة إلى رغبة واشنطن في الاحتفاظ بالقاعدة في زاوية الحدود السورية – العراقية – الأردنية لـ”مراقبة” تنفيذ إخراج إيران.

دوائر الاشتباك وتداعيات المعارك

تجري معارك البادية السورية وفق خطط تفرضها الأحداث العسكرية على كل طرف وسط منطقة مترامية الأطراف, ولا يمكن فصلها عما يجري في ريف السويداء الشرقي أو منطقة التنف, والبوكمال, أو جبل البشري والسخنة وما حولها, بمعنى أن الصورة هنا وهناك تصعيد عسكري واستماتة لكسب مزيد من الأرض يقابله تصعيد واستماتة للتشبث بالأرض واستردادها, وفي جانب التكتيك المتبع في معارك البادية, فالملاحظ أن تنظيم “داعش” في المعارك التي يخوضها, قد تحوّل من وضعية الدفاع إلى الهجوم وتطويره، مما مهد عملياً لإطلاق معارك استنزافية, حيث قالت وكالة “أعماق” التابعة لتنظيم “داعش” إنّ نحو 20 من قوات النظام والميليشيات الإيرانية لقوا مصرعهم وأصيب آخرون يوم 19أبريل/نيسان 2019م, في كمين لتنظيم “داعش” قرب جبل “البشري” شرق مدينة السخنة في بادية حمص. وكان الكمين قد بدأ، عندما حاولت قوات النظام تقفي أثر مجموعاتٍ من مقاتلي التنظيم، بعد هجوم نفذوه يوم 18أبريل/نيسان شمال مدينة السخنة، واستمرت المواجهات التي استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة لنحو 24 ساعة. وأسفر الكمين عن مقتل 3 ضباط و 17 عنصراً من قوات النظام والمليشيات الشيعية وإصابة آخرين، إضافة إلى تدمير 4 آلياتٍ، كما استولى مقاتلو التنظيم على 7 آلياتٍ رباعية الدفع، ومدفعين رشاشين وأسلحة وذخائر متنوعة, وأكدت صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي موالية لنظام الأسد، أن قوات النظام فقدت الاتصال بمجموعة كاملة من الفرقة 18 بقيادة العقيد “نادر منير صقر”، في بادية حمص. وبالمقابل, قامت إيران بزج ميليشياتها الشيعية المتعددة الجنسيات وإطلاق سلسلة عمليات على محاور عدة بهدف توسيع مناطق سيطرتها على جانبي طريق دمشق- بغداد, واقتربت من منطقة الـ” 55″كم المحميّة بقاعدة التنف العسكرية بهدف الضغط على قوات التحالف التي تقوده واشنطن, ولكنها تراجعت نتيجة قصف الطائرات الأميركية الذي وصفته واشنطن بالدفاع عن النفس”24″, مما أتاح للتنظيم تكثيف هجماته ضد الميليشيات الإيرانية, وتقطيع أوصال الميليشيات إلى جزر يسهل الإطباق عليها وحصارها في المنطقة الممتدة من السخنة جنوبا إلى جبل البشري شمالاً, بعدما تقدم التنظيم  من عدة محاور في شمال غرب السخنة من منطقة الكوم والطيبة تزامناً مع الاندفاعة في جنوب السخنة من منطقة “t2″ ويطلق عليها محلياً ” كامب الصواب”، وفي حال اتصال مجموعات التنظيم ببعضها سيتم حصار مناطق الميليشيات الإيرانية في مدينة السخنة, مثلما تمكن من السيطرة على كامل المنطقة الفارغة خارج طريق بغداد – دمشق, وتدمر – دير الزور, والملاحظ نشاط التنظيم في هذه المنطقة، التي باتت المجال الحيوي لحركته بعد فقدانه غالبية مناطق نفوذه شرقي الفرات، وذلك يعود للأسباب التالية:

أولاً: القيام بعمليات عسكرية في إطار استراتيجية “الكمائن والإغارة ثم الانسحاب”، معتمداً على مرونة مقاتليه وسهولة حركتهم، من خلال استخدامه عربات رباعية الدفع تحمل أسلحة مختلفة وتتحرك في كل الاتجاهات، والطرق، والظروف، في منطقة صحراوية مترامية الأطراف، يركز من خلالها على عدة محاور، كمحور “حميمة” والمحطة الثانية -t2، ومحور ريف منطقة البوكمال من الزاوية الجنوبية الغربية، وهو مجال عمل ميليشيا “حزب الله” اللبناني، وقوات نظام الأسد، والمحور الأخير باتجاه أطراف مدينتي السخنة وتدمر مما أدى لخلق وضع ميداني وسياسي يخدم مصالح التنظيم باستنزاف الميليشيات عسكرياً، بحيث باتت الميليشيات تتكبّد يومياً عشرات القتلى.

ثانياً: تزايد عملية التنظيم الأخيرة ضد النقاط العسكرية الروسية في البادية، سيعمق الخلاف الروسي – الإيراني، بعد مقتل عدد من الضباط والجنود الروس, ولعلّ تنامي قدرات تنظيم “داعش” في البادية وامتداده نحو مناطق أخرى، يعود إلى تواطؤ الميلشيات الإيرانية وإتاحة الفرصة لتنامي نشاط التنظيم.

ثالثاً: التواطؤ الروسي – الإيراني، فإيران تربط استمرار وجودها في سوريا ببقاء التنظيم حيّاً، فيما ترى روسيا أن وجود التنظيم يدخل في حسابات استنزاف الميليشيات الإيرانية التي تزاحمها على النفوذ في مناطق سيطرة نظام الأسد، لذلك تغيب طائراتها بشكل ملحوظ عن مناطق نفوذ التنظيم.

 

مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق