الإسرائيليون ينبشون الآثار الآرامية في الجولان السوري

168
موقع الحفرية في نواحي خسفين

تحدّثت مديرية الآثار الإسرائيلية مؤخراً عن مستوطنة من العصر الحديدي تمّ الكشف عنها في هضبة الجولان، ونُسبت هذه المستوطنة افتراضياً إلى مملكة جشور الآرامية. ورد ذكر هذه المملكة المنسية في التوراة، وهي بحسب ما جاء في هذا الكتاب، مملكة صغيرة تقع بين حرمون وشمال الأردن، ومن ملوكها تلماي الذي اقترن داود بابنته معكة، وأنجب منها ثالث أبنائه، أبشالوم.

تعود هذه المستعمرة، بحسب أهل الاختصاص، إلى مرحلة تمتد من القرن الحادي عشر إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وتقع في نواحي قرية خسفين، وهي واحدة من أهم قرى الجولان، يعود تاريخها إلى عهود قديمة، كما تشهد الآثار التي خرجت منها. تمتدّ على أرض منبسطة، على ارتفاع زهاء نصف كيلومتر عن سطح البحر، وتشكل صلة الوصل بين شمال الجولان وجنوبه، وبين سهول حوران وفلسطين. 

عند سقوط الدولة العثمانية، أُدرجت هضبة الجولان في البدء ضمن حدود فلسطين الانتدابية البريطانية، ثم انتقلت إلى الوصاية الفرنسية في 1923، وأصبحت داخل الحدود السورية، وأقرّ هذا الوضع رسمياً في 1944. هكذا أضحت قرية خسفين إدارياً، ناحية من نواحي مدينة فيق المطلة على طبريا، وباتت هذه المدينة مركزاً يتبع محافظة القنيطرة في الجنوب الغربي من الجمهورية السورية. إثر حرب الأيام الستة في 1967، احتل الإسرائيليون الجزء الغربي من الجولان، وجعلوا منه قاعدة لهم. دخلت خسفين في دائرة الاحتلال، فنزح قسم من سكانها إلى ريف دمشق، وذهب قسم آخر منهم في اتجاه حوران. وحُرر جزء من الجولان في حرب تشرين، غير ان خسفين بقيت في القسم المحتل، وأقامت إسرائيل على أرضها مستعمرة جديدة حملت الاسم العربي نفسه، وأنشأت فيها مركزاً دينياً يهودياً، ومنطقة صناعية كبيرة باسم “زبولونيا”، ومجمعاً مائياً ضخماً باسم “بني إسرائيل”.

منذ احتلالها للجولان، دأبت إسرائيل على استكشاف آثار هذه المقاطعة الموغلة في القِدَم. في مطلع 1968، اكتشف عالمان اسرائيليان مرصداً فلكياً في أعلى وادي “الدالية”، على بعد 16 كيلومتراً إلى الشرق من الشاطئ الشمالي لبحيرة طبريا. يعود هذا الموقع إلى العصر البرونزي المبكر، أي نحو 3200 سنة قبل الميلاد، ويُعرف باسم “رجم الهوى” بالعربية، وبـ”جلجال رفائيم” بالعبرية، أي عجلة العمالقة. وفي 1971، كشفت بعثة إسرائيلية عن موقع أثري يهودي في قرية قصرين، وعمدت إلى التنقيب فيه حتى منتصف الثمانينات، ثم جعلت منه متحفاً مفتوحاً في الهواء الطلق، وسعت إلى إبرازه في سعيها لتأكيد الهوية اليهودية الأثرية للهضبة المحتلّة. 

تواصلت هذا الاكتشافات، وشملت مواقع عديدة تعود إلى فترة ضبابية من التاريخ شهدت بروز عدد من المدن الصغيرة المستقلة في زمن انهيار سلطة الحيثيين في الشمال، والمصريين في الجنوب، وهي الفترة التي شهدت صعود الملك داود، بحسب الرواية التوراتية. في هذا السياق، يبرز الموقع المكتشف حديثاً في سهل خسفين، وأبرز معالمه صخرة من الحجر البازلتي تحمل نقشاً يمثل كائنين بشريين. يغلب على هذه الصورة الطابع التجريدي الصرف، وفيها يتحوّل الجسد إلى خيط عمودي مع رأس على شكل قرنين، وذراعين مبسوطتين في الأفق. يماثل هذا التأليف التجريدي في خطوطه المختزلة، التأليف الذي اعتمدته صورة أخرى مشابهة نُقشت في نصب حجري آخر عُثر عليه قبل بضع سنوات في تل من تلال مدينة تاريخية أخرى من الجولان، وهي بيت صيدا التي وصفها علماء الآثار بعاصمة مملكة جشور. وقد احتار المتخصصون في تحديد هوية صاحب هذه الصورة، فرأى البعض انه “أدد”، إله الرعد حامل المطر، ورأى البعض الآخر أنه إله القمر الذي يرافق فيضان الأنهار، ورأى فريق ثالث أنها صورة تجمع بين الإلهين. يتكرر هذا المثال بشكل مبسط في صخرة أخرى عُثر عليها كذلك في بيت صيدا، العام الفائت، ما يوحي بأن نقش خسفين يشكل استعادة لهذا المثال الديني الآرامي الذي انتشر في هذه البقعة من الأرض كما يبدو.

على مقربة من هذا الحجر البازلتي المزين بهذا النقش، وجد المنقبون ما يشبه الطاولة الحجرية، كما وجدوا فوق هذه الطاولة قطعة مجتزأة من تمثال صغير تمثل امرأة ترفع بين ذراعيها طبلاً، ما يوحي بأن هذه الطاولة كانت مائدة طقسية في الأساس، كما نرى في مواقع أثرية مشابهة تعود إلى الحقبة نفسها. من هنا، ربط البحاثة بين موقع خسيف ومواقع أخرى لمملكة جشور تتوزع على مدى الساحل الجليلي، ومنها تل عن جيف في نواحي قرية النقيب التي تقع على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا وتحدها هضبة الجولان من الشرق، وتل هدار الذي يقع على الشاطئ الشرقي لجزيرة طبريا.

تستند هذه التأويلات بشكل أساسي إلى النص التوراتي، وهو نص ديني لاهوتي في الدرجة الأولى، وليس نصاً تاريخياً بالمعنى العلمي لهذا التعبير، كما يقرّ كل علماء الآثار الإسرائيليين. من هنا يمكن القول إن هذه المواقع تعود إلى مملكة جشور، أو إلى مدينة أخرى من المدن الآرامية التي سكنت هذه البقعة من الأرض. في الواقع، برز اسم جشور لارتباطها في التوارة بمسيرة داود النبي، واللافت أنه لم يصلنا إلى اليوم سوى شاهد أثري واحد يرد فيه اسم هذا النبي، وهو النقش المعروف باسم نقش تل دان، او نقش تل القاضي، وهو نصب آرامي يحمل كتابة باللغة الآرامية القديمة، يعود إلى ما قبل العام 870. عُثر على هذا النقش في منتصف التسعينات عند مدخل تل مدينة دان الأثرية، التي عُرفت لاحقاً باسم بيت القاضي، شمالي سهل حولة، عند أطراف شرق هضبة الجولان، ودخل الجناح الأثري في متحف إسرائيل، وهو نُصب انتصار آرامي، أقامه أحد ملوك مملكة “آرام دمشق” احتفالاً بانتصاره على “بيت داود”، وهو الدليل الأثري الوحيد على وجود “بيت داود” من منظور تاريخي بحت.

بحسب الرواية التوراتية، اقترن داود بابنة تلماي ملك جشور، وتُدعى معكة، وأنجب منها ابنه الثالث أبشالوم. كان أبشالوم حسن المنظر، طويل الشعر، محبوبًا من أبيه ومن جميع الشعب. وكانت له أخت شقيقة تُدعى ثمار، وأخ من أبيه يُدعى أمنون. هامَ أمنون بثمار واغتصبها، وتوانى داود عن معاقبته، فاغتاظ أبشالوم، وقتله بعد عامين، فغضب داود. هرب أبشالوم من والده، ولجأ إلى جدّه ملك جشور، ومكث هناك ثلاث سنوات، ولما عفا داود عنه، عاد إلى أورشليم، وبدأ يجذب قلوب الشعب إليه، ثم دخل في مواجهة مع أبيه، وقضى في هذه المواجهة. لما بلغ داود خبر موته، استسلم لحزن شديد، وقال وهو يبكي: “يا ابني أبشالوم، يا ابني، يا ابني أبشالوم، يا ليتني متّ عوضا عنك”.

المصدر: صحيفة المدن

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق