الإرث: تدمر في المخيلة المحلية

342
استحوذت مدينة تدمر، بأطلالها المهيبة والضخمة وملكتها الأسطورية زنوبيا، على الخيال الشعبي في كل من العالم العربي والغربي. تم التعبير عن جوانب الاهتمام والمواقف الكلاسيكية الجديدة في الفن تجاه الموقع في مجلد فوليو الجميل الذي يعود إلى القرن الثامن عشر بعنوان أطلال تدمر للباحث البريطاني روبرت وود.
وفي “ملاحظاته للقارئ”، يعبر المؤلف عن هدفه “لإنقاذ روعة تدمر من الاندثار”، مع الإقرار بأنه وفريقه “حملوا القطع الرخامية حيثما كان ذلك ممكنًا”، وهي ممارسة تم اتباعها في منتصف القرن العشرين إلى أواخره، مما أدى إلى سن قوانين الآثار لحماية التراث الثقافي.
 تسليط الضوء على الرسومات الرائعة التي رسمها المهندس المعماري الفرنسي لويس فرانسوا كاساس، والتي نُشرت بعد عدة عقود، في تراث تدمر القديمة إلى جانب الصور الأولى لمدينة تدمر، التي التقطها لويس فيجن عام 1864. كما قدم مسافرون أجانب آخرون روايات حية عن الموقع. ومن أشهرهم الكاتبة الإنجليزية والمسؤولة السياسية وعالمة الآثار جيرترود بيل، التي أشارت في عام 1900، عند أول لمحة لها على الأطلال، حيث أقامت مخيم بين السكان المحليين:

إنني أتساءل عما إذا كان العالم الواسع يقدم منظرًا طبيعيًا أكثر تفردًا. إنها مجموعة من الأعمدة، تمتد عبر طرقٍ طويلة، مجمعة في صورة معابد، أو ممددة على الرمال أو تشير بإصبع واحدة طويلة وحيدة إلى السماء. وخلفها يوجد معبد بعل [بل] الكبير؛ وتم بناء المدينة الحديثة بداخله وترتفع صفوف أعمدته على كتلة من الأسطح الطينية. وكل ما وراء ذلك هو الصحراء والرمال وامتدادات الملح الأبيض والرمال مرةً أخرى، مع سُحب الغبار التي تحوم فوقها. . . ويبدو الأمر وكأنه هيكل عظمي أبيض لمدينة يجسو على ركبته في عمق الرمال التي تذروها الرياح. . . خرجت ونزلت في شارع الأعمدة متوجهة إلى معبد الشمس – أو المدينة كلها، كما يجب أن أقول، لأنها كلها تقريبًا متضمنة داخل جدرانها الخارجية الهائلة.46
(الشكلان 9، 10، و 11)

الشكل 10: مخيم جيرترود بيل بالقرب من شارع الأعمدة، تدمر، عام 1900. أرشيف جيرترود بيل، الصورة A-352. جامعة نيوكاسل
بالفعل لم تندثر تدمر طي النسيان في الشرق الأوسط أبدًا، على الرغم من الآراء التي عبر عنها وود، وفي وقت سابق عام 1682، القنصل الفرنسي لوران دارفيو. فبعد الترحال في المنطقة، كتب الأخير أن مدينة تدمر كانت “مهجورة لعدة قرون”، مكررًا مرة أخرى فكرة أن الموقع كان “قديمًا جدًا لدرجة أنه يقال إنه كان في الحالة التي يُرى عليها الآن منذ زمن سليمان.”
 وفي واقع الأمر، منذ آلاف السنين كانت تدمر بعد أيام مجدها موطنًا للمسيحيين واليهود والمسلمين.
الشكل 11: نساء تدمر يرممن المنازل الطينية في معبد بل، تدمر، عام 1929. مستعمرة أمريكية، القدس، قسم الصور. الصورة : مكتبة الكونجرس (13939)
زنوبيا، “الملكة الشهيرة”
استمر سكان مدينة تدمر في العيش داخل المدينة القديمة حتى بدأت أعمال التنقيب واسعة النطاق في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، بقيادة عالم الآثار الفرنسي هنري سيريج، الذي أعاد توطينهم قسرًا في قرية تدمر المبنية حديثًا، والتي اشتهرت فيما بعد بوجود سجن سيئ السمعة اقامه النظام السوري. وكانت إحدى العائلات النازحة هي عائلة عالم الآثار التدمُيري خالد الأسعد، الذي كان ارتباط طفولته بمنزله -الذي يقع على مقربة من مدخل معبد بل (الشكل 12) هو أساس تفانيه في جميع جوانب ثقافة تدمر، ليمتد إلى اهتمامه بتتبع الروابط العائلية لرجال القبائل المحليين.
الشكل 12: منزل عائلة الأسعد، يقع بالقرب من مركز الصورة، معبد بل، بمدينة تدمر.
أُطلق على خالد الأسعد لقب مؤثر “الحفيد الشجاع للملكة زنوبيا” في تكريمٍ تذكاريٍ له. جاء إخلاصه لملكة تدمر المحاربة، التي سمى ابنته على اسمها، بعد قرون من الانبهار بزنوبيا في العالم العربي. فقد انعكست شهرتها في شبه الجزيرة العربية في القرن السادس في اسم اثنتين من زوجات النبي محمد وإحدى بناته، اللواتي كن يُدْعَيْنَ باسم زينب. ومع ذلك، يبدو أنها أصبحت شخصية أسطورية أكثر من كونها شخصية تاريخية كما فسرها رواة القصص العرب اللاحقون في سورية والعراق. في كتاب تاريخ الأمم والملوك، الذي كتبه الطبري في القرن العاشر، تحولت زنوبيا إلى الزبّاء، بنسب مختلف للغاية وخصومات بين رجال القبائل المحليين بخلاف الرومان، في سياق فوضوي قبل ظهور العالم الإسلامي.
ولاحقًا تم إحياء الاهتمام بزنوبيا في رواية زنوبيا للأديب سليم البستاني (1871)، وهي محاولة مبكرة لعمل رواية تاريخية بمزيج من الشخصيات الواقعية والخيالية. منذ ذلك الوقت، استحوذت زنوبيا على خيال العديد من الفنانين والكتاب العرب، وبلغت ذروتها في المسرحيةالموسيقية اللبنانية زنوبيا ، التي قُدمت في عامي 2007 و2008، إذ حصلت على شهرتها كقوة صامدة ضد قوى الإمبريالية وهي تغني، “أنا أول صرخات الحرية، الصرخة الأولى من أرضٍ عربية.” ولا يمكن إنكار أن مدينة تدمر وبطلتها زنوبيا -المشهورتين بأدوارهما المؤثرة في تطور الحضارة الغربية- تتمتعان بمصير بارز، لكنه مختلف تمامًا، في وطنهما الشرق الأوسط.
كما عانت مدينة تدمر، المشهورة بجمال أنقاضها المرتفعة في بيئة صحراوية وأهميتها كمدينة للقوافل ومركز لتبادل الثقافات المتعددة -أيضًا، على الرغم من الدمار والغزوات- تاريخًا تقريبًا لم تنقطع حكاياته حتى يومنا هذا. فلم يكن الحفاظ على هذا التاريخ، كما لاحظ أندرياس شميدت كولينت، أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لمنقبي أوائل القرن العشرين، ال الذين هدفوا إلى إزالة كل الآثار العائدة الى فترات ما بعد الاستيطان الروماني، ولا سيما في معبد بل. وفي حين أن هذا الأمر لم يكن ممارسة أثارية استثنائية في ذلك الوقت، إلا إنه يؤكد أن “إحياء معبد بل القديم في شكله الأصلي” منفصل عن تاريخه اللاحق ككنيسة ومسجد، وكذلك “كمركز ثقافي حيوي بالنسبة للسكان المحليين”، في هذه الحالة يُعد إنشاء رمز قوي للحضارة الغربية في الواقع، هدفًا سهلًا لمتطرفي تنظيم داعش. وقد أدى ذلك إلى قيام شميدت كولينت بالتساؤل عن مستقبل الموقع والاقتراحات المثيرة للجدل لإعادة بنائه، مع نداء للتأكيد على الرمزية الحقيقية للمعبد باعتباره رمزًا للتسامح، و”نموذجًا للتعايش الناجح وتوليفًا لثقافات متنوعة.” وفي عالم اليوم، لم تكن هناك رسالة أكثر أهمية من اتباع هذا النموذج.

معهد بحوث جيتي

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق