الأسد يكافح لاستعادة النفوذ في شمال سوريا وشرقها

143

الحقائق الجديدة على الأرض دفعت موسكو للضغط على حليفها في دمشق للعودة إلى المنطقة.

لم تكن “صفقة” أكتوبر العام الماضي بين قوات سوريا الديمقراطية ونظام بشار الأسد مفهومة جيدا منذ البداية، فقد اندفعت وسائل الإعلام الأجنبية والمنظمات غير الحكومية إلى الحدود مع انتشار الذعر بشأن العودة الفورية لسيطرة دمشق إلى مناطق الحكم الذاتي التي يقودها الأكراد، لمنع تقدم تركيا المستمر.

وبعد مرور عام، لم تتحقق هذه المخاوف باستثناء تلك المدن التي تحتلها تركيا الآن، فالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تحتفظ بنفس السلطة السياسية الفعلية في جميع أنحاء شمال وشرق سوريا كما كانت قبل الغزو التركي.

وتبدو وحدات من قوات الأسد محصورة في الخطوط الأمامية والمراكز الحدودية في عين عيسى وتل تمر، ولم تعد مرئية في المدن الكبرى أو على الطرق عما كانت عليه قبل ذلك التاريخ.

ويؤكد توماس مكلور الباحث في مركز معلومات روجافا المهتم بشؤون الأكراد في تقرير نشرته مجلة “ناشيونال أنترست” الأميركية أنه بينما تدير الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نقاط التفتيش أصيبت دمشق بالإحباط في محاولاتها لتوسيع دائرة نفوذها مثلما هو الحال في القامشلي حيث ميليشيات قوات الدفاع الوطني المدعومة من النظام تواجه مناوشات مع جماعات مناوئة لها على أطراف العاصمة.

واجتذبت احتجاجات مؤيدة ومناهضة لدمشق في الرقة ومنبج قبل عام من الآن وأماكن أخرى العشرات من المتظاهرين فقط، حيث قامت قوات سوريا الديمقراطية بتفريق بعض الاحتجاجات والسماح للآخرين بالمضي قدما.

ولا يمكن للميليشيات الموالية للحكومة ولا حتى الجماعات الإسلامية المتشددة حشد أي دعم كبير بين السكان المدنيين حتى في هذا الوقت الحرج، مما يشير إلى قبول عملي على الأقل لسيطرة إدارة الحكم الذاتي لأكراد سوريا، ولكن هنا يتضح كيف أن دمشق تستخدم كل ما تستطيع حتى تحقق طموحها.

أدوات ضغط

آرثر كيسناي: نظام الأسد يلعب على وتر الاستياء الاجتماعي في مناطق الأكراد
آرثر كيسناي: نظام الأسد يلعب على وتر الاستياء الاجتماعي في مناطق الأكراد

يعمل النظام السوري على تحريك العديد من الأدوات واستخدامها كورقة ضغط على الأكراد هناك من أجل القبول بشروطه بهدف استعادة النفوذ على شمال وشرق سوريا، وهذا التحرك يأتي رغم أن هناك خلافات حادة بين الدول المتدخلة في الأزمة السورية.

وثمة تباين بين الأطراف الدولية في دعم طرفي الصراع السوري، فتركيا تساند قوات المعارضة التي تقاتل للإطاحة بالرئيس بشار الأسد بينما ساعدت روسيا وإيران الأسد في طرد مقاتلي المعارضة في نهاية المطاف إلى جيب صغير من شمال غرب سوريا.

وفي ورقتهما حول مرونة المشروع السياسي لشمال وشرق سوريا، ذهب الباحثان باتريك هيني وآرثر كيسناي إلى حد القول إنه “بعيدا عن كونه استسلاما من قبل قوات سوريا الديمقراطية”، التي تسعى للحماية من دمشق، فإن عودة النظام اتضح أنها ستكون تنازلا من دمشق.

وبمعنى آخر، يعتقد الباحثان هيني وكيسناني أن روسيا مارست ضغوطا على دمشق لقبول ما كانت تسعى إليه إدارة الحكم الذاتي لأكراد سوريا طوال الوقت، وهو عودة قوات النظام السوري إلى الحدود الشمالية، لكن قوات سوريا الديمقراطية واصلت السيطرة على تلك المنطقة.

ومع ذلك، فإن الحقائق الجديدة دفعت إلى تجديد الاهتمام بدمشق بالعودة إلى المنطقة، ففي حين أن سكان المناطق الشمالية ذات الأغلبية الكردية ينظرون بقلق إلى الحدود التركية، تضغط دمشق على الجنوب ذي الأغلبية العربية.

وكان سهيل الحسن، القائد القوي للجيش السوري، قد زار مؤخرا ريف الرقة الجنوبي، جنبا إلى جنب مع الدعاية الروسية، في تهديد مستتر نحو منطقة شمال شرق البلاد حيث يواصل السياسيون الروس استهجانهم ضد “الانفصالية” الكردية في الشمال الشرقي.

وفي كل من الرقة ودير الزور، يتهم الأكراد “عملاء” دمشق بتنفيذ عمليات زعزعة الاستقرار في مناطق سيطرتهم بما في ذلك القيام بالتفجيرات والهجمات المسلحة وحرق المحاصيل في سياق الخلافات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية حول محصول القمح.

ويشير كيسناي إلى لعب النظام على الاستياء الاجتماعي من خلال الترويج لانتشار المخدرات والبطالة مع محاولة إقناع الشباب بالانضمام إلى قواته الأمنية بدلا من قوات سوريا الديمقراطية، على الرغم من أن التوترات الاجتماعية في هذه المناطق لا يمكن التخلص منها على أنها عمل وكلاء دمشق فقط.

والأمر الأكثر إلحاحا هو أن دمشق سمحت للآلاف من الأفراد بالمرور عبر المعابر الخاضعة لسيطرتها وعلى الأخص مطار قامشلي دون الخضوع لفحوصات فايروس كورونا. وكانت هذه السياسة محركا رئيسيا لتفشي الفايروس التاجي في مناطق سيطرة الأكراد، حيث أكد المسؤولون أن سياسة الباب المفتوح هذه هي محاولة متعمدة للضغط عليهم للقبول بشروط دمشق.

استغلال الفرصة

باتريك هيني: دمشق قدمت تنازلات للتوافق مع قوات سوريا الديمقراطية
باتريك هيني: دمشق قدمت تنازلات للتوافق مع قوات سوريا الديمقراطية

لدى مكلور شعور بأن انسحاب الولايات المتحدة من المناطق الغربية من شمال وشرق سوريا، والذي من المقرر أن ينتهي معه برنامج تحقيق الاستقرار التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية في الرقة، سيخلق المزيد من الفرص لدمشق لإحراز تقدم في الرقة حيث تم إحراز تقدم كبير رغم تحديات البنية التحتية المستمرة على الجبهات الإنسانية والبنية التحتية والأمنية على مدار العامين الماضيين.

وفي غضون ذلك، تسعى دمشق في دير الزور إلى استغلال التوترات بين قوات سوريا الديمقراطية والقبائل العربية المحلية، حيث يتجه غضب السكان المحليين بشكل خاص إلى مجلس دير الزور العسكري المرتبط بقوات سوريا الديمقراطية، المتهم بالفساد وعدم الكفاءة. لكن مثل المناطق الكردية، واجهت دير الزور تهميشا تاريخيا من دمشق، وهناك مقاومة قوية حتى لا تعود تحت نفوذها.

وحاولت دمشق جني مكاسب سياسية من الاحتجاجات الأخيرة المناهضة لقوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، واضعة مطالب المحتجين على أنها دعوات لعودة دور دمشق وإرسال المحرضين لإشعال النيران.

ومع ذلك، فقد هدأ الوضع، مع مطالبة القبائل المحتجة بإصلاحات، وإن كانت مهمة، لإدارة قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، بدلا من الدعوات لعودة دمشق.

وحتى الآن، فشلت الولايات المتحدة باعتراف الجميع في جني ثمار عداء المنطقة المستمر تجاه دمشق. وتساهم الاشتباكات الموثقة كثيرا بين الدوريات الأميركية والروسية التي تعمل في شمال وشرق سوريا في تكوين انطباع عام بأنه لا الولايات المتحدة ولا روسيا جادة في الانفتاح على السكان المحليين.

وضعف موقف الولايات المتحدة في تلك المنطقة بشكل كبير بعد سحب قواتها إلى جانب فقدان الوجود الجسدي والنفوذ من منبج عبر الرقة وكوباني إلى تل تمر، يجب أن يتعاملوا مع فقدان الثقة العام في رغبة الأميركيين في العمل كضامن ضد المزيد من العمليات التركية وهو انطباع تعليقات ملتبسة من التحالف لم يفعل المسؤولون الكثير لتبديده.

وقد أدى ذلك، خاصة في الأشهر التي أعقبت الغزو التركي، إلى قبول عملي بضرورة التعامل مع دمشق، فقد أكد العديد من السكان في القامشلي أنهم مضطرون للتعامل مع النظام السوري بدل البقاء تحت رحمة الأتراك.

ومع ذلك، لا يزال السكان الأكراد يشعرون بتقارب أقوى مع الولايات المتحدة من روسيا وربما يُعزى هذا إلى الشعور بالتوافق المشترك بعد هزيمة تنظيم داعش المتطرف من خلال إظهار الصورة الكردية على أنها ديمقراطية وليبرالية وعلمانية.

وحتى في مجال النفوذ الروسي، لم تكن جهود موسكو ناجحة بشكل خاص، فقد رفض السكان المحليون الذين لا يثقون بهم المساعدات التي قدمتها قواتها العسكرية إلى سكان قرى كوباني، في تكرار لأحداث مماثلة بين القوات الروسية والأكراد النازحين داخليا في جيب الشهبة جنوب عفرين.

المصدر: صحيفة العرب

تعليق

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق