إقبال السوريين على الهجرة يجعل عودة اللاجئين ضربا من المستحيل

0
يطرق السوريون باب الهجرة إلى الدول الأوروبية بحثاً عن حياة كريمة (اندبندنت عربية)
23 / 100

السفر والانتقال إلى بلاد جديدة ملاذ السوري للانتقال من جحيم الواقع الاقتصادي الخانق

كلما هدأت جذوة الحرب السورية بعد عقدٍ على اشتعالها، عادت معها أسطوانة حثّ اللاجئين السوريين على العودة إلى وطنهم المكلوم، إلا أن رياح العودة لا تجري كما تشتهي سفن الحال السوري المتهالك، فتقنين الكهرباء وصل إلى ساعات قليلة محددة، ورغيف الخبز بات صعب المنال، ومقسماً على أفواه العائلة الواحدة، كما أن دخل الفرد لا يكفيه أياماً معدودات من بداية الشهر.

الهرب من الجحيم

ويعيش السوريون اليوم بين جحيم الحرب المستعرة أو رحلة البحر وما خلفه من حلم الحياة الأوروبية، فأين المفرّ من جحيم المعيشة في سوريا؟ أمرٌ دفع بكثيرين إلى تجهيز حقائب سفرهم أو “ضب الشناتي” تلك العبارة الشامية التي ترددت كثيراً بين أهالي البلد في حقبة الحرب، والحصار معاً.

كما وتسري في أرجاء الشارع السوري حالة يأس ضربت أطنابها بقسوة، وزادت الحالة الاقتصادية الضاغطة المشهد سوداويةً وقتامةً، وتسللت خيبة أمل حول مستقبل البلاد ومصيرها المجهول، بعد عشر سنوات من الصبر.

أحد الشبان تسلم جواز سفره، ويحضر نفسه للسفر إلى أربيل، بعدما تخرج هذا العام في كلية الاتصالات، ويأمل بأن يلتحق بوظيفة لدى شركة كبرى هناك، قال “ليس لديَّ خيار أنا وكل الشباب إلا السفر والهجرة، بل أن نلوذ بالفرار من هذا الواقع المأساوي”.

ولا تتوقف حركة المغادرين في مطار دمشق، جلّهم من الشبان، بينما لفت موظف رفيع المستوى في المطار أن “الأمر لا يُصدَّق، تلك الأعداد الكبيرة من حركة المغادرين بعد عيد الأضحى المبارك، تذكرنا بموجة النزوح في عام 2015، وهي بالتالي مؤشر خطير على استنزاف الطاقات البشرية الشابة”.

قنوط ويأس وإرباك

وتخامر أفكار الهجرة السوريين حتى من جمهور الفريق الموالي للسلطة، الذي كان الأقرب إلى تصنيف كل ما يحدث من دمار اقتصادي إلى “مؤامرة خارجية”. ويعتقد المواطن بيار قسيس أن “الهجرة باتت مطلباً ملحاً بل ضرورة، فمقومات الحياة باتت شبه معدومة”، يأتي كل ذلك مع تشجيع من عائلته بالانتقال للعيش بكندا. وأضاف “أحب بلدي كثيراً، عمري 70 سنة، إلا أن كل أقربائي وعائلتي هاجروا، وعملي أخذ بالتراجع، فلا كهرباء، ولا تشجيع للاستثمار، أو إعادة إعمار”.

وبدا جلياً إزاء ما يحدث، وعلى الرغم من صبرهم طوال كل تلك الفترة، وما كابدوه خلال سنوات الحرب، أن إصرار السوريين على الهجرة لم يعد حلماً كما كان بل واقع ملموس. ويظهر ذلك بكثافة من خلال إعلانات بيع العقارات والبيوت والمحال التجارية، وكلها تحمل رابطاً مشتركاً هو عبارة “بدافع السفر”.

وكشفت دراسة للمفوضية السامية للاجئين أن تقديرات الأمم المتحدة بحلول نهاية العام الماضي، أن عدد النازحين داخلياً في سوريا وصل إلى 6.7 مليون شخص، بزيادةٍ قدرها نحو 300 ألف شخصٍ منذ بداية العام. وأشارت التقديرات إلى أن نحو 13 مليون شخص في سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية منذ مطلع العام الحالي، أي أكثر بنحو مليونَي شخص مقارنةً بمطلع العام الماضي. وجاءت هذه الزيادة في الاحتياجات الإنسانية بشكلٍ رئيس، نتيجة الوباء وانخفاض قيمة الليرة السورية، ونقص الوقود، فضلاً عن تحديات المناخ السياسي والاقتصادي في البلاد.

يعيش المواطن السوري أسوأ أحواله ويبدو له السفر كحل وحيد (اندبندنت عربية)​​​​​​​

حقائب السفر المؤجلة

في المقابل، ثمة فريق سوري من النازحين يشجع أقرانه ومحيطه بالقدوم إلى دول الاغتراب، فضعف عوامل الكسب المعيشي وعدم الأمان والاستقرار وعدم توافر المسكن اللائق عوامل مجتمعةً لا تشجع عودة النازحين، بل تشكل دوافع لطلب عائلاتهم منهم اللحاق بهم.
كما أن المهاجرين لا يفكرون أبداً بالعودة، ما سيجهض كل الجهود الإعلامية السورية التي تروج لفكرة عودة اللاجئين، بل إنها رسائل مصيرها الوأد، إذ إن 66 في المئة من طالبي اللجوء لدى دول الاتحاد الأوروبي لا يعتزمون العودة.

عودة المهاجرين غير واردة

 وأشار موقع متخصص بتأشيرات “شينغن” الأوروبية في دراسة، إلى موافقة عشرة سوريين فقط من أصل 77 ألفاً يقيمون في هولندا على العودة إلى بلدهم. وتحدث الناشط في شؤون الهجرة، باسل طيفور، عن واقع الحياة والمعيشة في بلاد اللجوء الأوروبي تحديداً، إذ جزم بعدم العودة إطلاقاً في ظل الحرب في سوريا، أو في حال استمر الوضع الاقتصادي بالتردي. وأردف قائلاً “لا أستطيع أن أتحدث بلسان كل المغتربين لكن أستطيع توقع موجات هجرة إضافية إن بقي الحال في سوريا على هذا الشكل. يستطيع النازحون بعد أن يستقروا في بلاد الاتحاد الأوروبي الحصول على الإقامة الدائمة أو المؤقتة مع تسهيلات العيش الكريم وتأمين المسكن الملائم، وتعلم اللغات”.

واقع حال السوري في تلك البلدان كما يراه طيفور يشي بكثير من الدعم النفسي والمعنوي والمادي لأناس فروا من لظى الحرب، وبالتالي يرى أن اللاجئين ينقسمون إلى قسمين، الأول يعمل ويجد ويتعب ويتعلم للعيش ويسعى لتأمين عمل، وقسم ثان يتسكع ولا يصنع شيئاً، “وهنا هذا القسم الذي سيُعتبر مع الوقت عبئاً، ستسعى الدول المضيفة في المستقبل إلى إيجاد طريقة لترحيلهم بلا أدنى شك”.

طلب اللجوء والإنسانية

في هذه الأثناء قليل من يعزم الرحيل ويطرق باب الهجرة عبر الدول المجاورة، حيث تقبع أكبر نسبة لاجئين سوريين (لبنان والأردن وتركيا والعراق)، وبالتالي فإن اللجوء إلى الدول الأوروبية يبقى الأكثر استقطاباً للمهاجرين.

في المقابل، لا يعتقد المحامي ووكيل في قضايا تتعلق بالمهاجرين، رامز تقي الدين، أن هذه الموجة الجديدة من السفر لن تكون كالموجات السابقة، ويقول إن “هذا التدافع للسفر من سوريا يأتي مع انتهاء حالة الإغلاق الطويل بسبب كورونا وفتح المطارات للسفر، ومن جهة ثانية الواقع المعيشي السيئ الذي تعيشه البلاد”.

وعلى الرغم من ذلك، يرى تقي الدين المقيم في ألمانيا، أن “نسبة من المسافرين إلى الدول الأوروبية تهدف إلى الزيارة أو العمل، لكن لا بد من معرفة أن طلبات اللجوء الإنساني التي جرت العادة على تقديمها حسب الاتفاقات الدولية المتعارَف عليها قد تكون فيها صعوبة”. ويورد “أسباب وعوامل تدفع طالب اللجوء الإنساني إلى دولة ما، أبرزها العنف أو الاضطهاد العرقي والديني أو الرأي السياسي، أو قد يكون تعرض للتهديد بالقتل، أو غيرها من الأسباب الصعبة التي تهدد حياته”.

وفي حين يتقدم طالب اللجوء إلى دائرة الهجرة بالأوراق والوثائق اللازمة، من الممكن رفض الطلب، إلا أن لسوريا حالة استثنائية، ما ساعد على قبول طلبات الكثيرين، على الرغم من أنهم قدموا من مدن شبه مستقرة. ويُرجّح عدم تضامن الدول المضيفة مع طالبي اللجوء الجدد، لما تعانيه من أزمات مالية.

ويفسر تقي الدين ذلك بقوله “هل من المعقول أن تقبل دوائر الهجرة طلب اللجوء لشخص عاش عقداً من الزمن في البلاد، وطوال تلك الفترة لم يشتك من الواقع الذي يعيشه وبعد عشر سنوات يطلب حق اللجوء؟ سيكون في الأمر ريبة بالنسبة إلى تلك الدوائر”.

الإصرار على إعادتهم

من جهتها، يبدو أن الحكومة السورية تملك رؤية مختلفة، فهي تتجه نحو السوريين في الخارج بنداءات للعودة، وأقامت مؤتمراً لإعادة اللاجئين في 26 يوليو (تموز) الماضي، في دمشق بمشاركة روسية، كاشفةً عن خطوات جادة في هذا السياق.

وصرّح المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، عن ضرورة وضع حد لما وصفه بالعقوبات الجماعية للشعب السوري، فيما أوضح وزير الإدارة المحلية السوري، حسين خلوف، وجود تسهيلات لعودة اللاجئين مع وجود مراسيم عفو، لتشجيعهم على العودة إلى الوطن.

إلا أن كل الجهود المبذولة أو التي تُبذل ستكون هباءً، حسب الكثير من المراقبين، في حال لم تتوقف الحرب بشكل نهائي والتوصل إلى انتقال سلمي كما تطالب المعارضة، وإعادة إعمار كما يرغب النازحون، هذا الإعمار الذي يكلف 440 مليار دولار.

المصدر: اندبندنت عربية

تعليق

Powered by Facebook Comments

تعليق